رافعة معرفية في مشهد النشر العربي بين التراث والتحديث
حين تحمل دار نشر عربية اسم «دار الحكمة»، فإنها تدخل – عن وعي أو غير وعي – في حوار طويل مع تاريخ عربي-إسلامي عريق ارتبط فيه الاسم بالمعرفة والترجمة والعقل النقدي. هذا الثقل الرمزي لم يكن مجرد زينة لغوية، بل تحوّل لدى دار الحكمة إلى مشروع نشر يسعى إلى التوازن بين الكتاب بوصفه سلعة ثقافية والكتاب بوصفه أداة وعي وبناء فكري.
النشأة والهوية
تأسست دار الحكمة كدار نشر عربية تهدف إلى تقديم محتوى معرفي متنوع، يراهن على الكتاب الجاد دون الانفصال عن القارئ العام. ومنذ بداياتها، ركزت الدار على بناء كتالوج متدرّج يجمع بين:
-
الكتب الفكرية والثقافية
-
المؤلفات التراثية المحققة أو المبسطة
-
الكتب التربوية والتعليمية
-
بعض الإصدارات الأدبية والفكرية ذات الطابع التنويري
ولم تتجه الدار إلى النشر التجاري الخالص، كما لم تنغلق في نخبوية أكاديمية خانقة، بل حاولت احتلال منطقة وسطى تُعدّ الأصعب في سوق النشر العربي.
سياسة النشر: بين الرصانة وسوق القراءة
تُحسب لدار الحكمة محاولتها الحفاظ على سياسة نشر محافظة نسبيًا من حيث الجودة، سواء في اختيار العناوين أو في طبيعة الموضوعات المطروحة. فالنص الصادر عنها غالبًا ما يراعي:
-
سلامة اللغة
-
وضوح الفكرة
-
قابلية التداول القرائي
-
الابتعاد عن الإثارة السطحية
ومع ذلك، لا تخلو بعض إصداراتها من تفاوت في المستوى العلمي أو التحريري، وهو أمر شائع في دور النشر العربية التي تعمل بإمكانات محدودة في ظل غياب مؤسسات تحرير احترافية متكاملة.
التراث: استدعاء لا استنساخ
أحد الملامح اللافتة في مشروع دار الحكمة هو تعاملها مع التراث بوصفه موردًا معرفيًا حيًا، لا مجرد مادة أرشيفية. فقد أصدرت الدار عددًا من الكتب التي:
-
تعيد تقديم نصوص تراثية بلغة أقرب للقارئ المعاصر
-
أو تعالج قضايا تراثية برؤية تفسيرية أو تعليمية
-
أو توظف التراث في سياقات فكرية وتربوية معاصرة
غير أن هذا التوجه يظل في حاجة إلى مزيد من التحقيق العلمي الصارم في بعض الإصدارات، حتى لا يتحول التبسيط إلى اختزال مخلّ.
الحضور في سوق النشر والمعارض
تحرص دار الحكمة على التواجد في معارض الكتاب العربية الكبرى، وفي مقدمتها:
-
معرض القاهرة الدولي للكتاب
-
بعض المعارض الإقليمية في العالم العربي
ويمثل هذا الحضور جزءًا أساسيًا من استراتيجية الدار في التواصل مع القارئ، خاصة في ظل محدودية التوزيع العربي المشترك، وهي أزمة مزمنة لا تخص دار الحكمة وحدها، بل تمس صناعة النشر العربية عمومًا.
التحديات: ما بين الطموح والواقع
تواجه دار الحكمة – كغيرها من دور النشر العربية – جملة من التحديات البنيوية، أبرزها:
-
ضعف التوزيع العابر للحدود
-
ارتفاع تكاليف الطباعة
-
تراجع معدلات القراءة
-
المنافسة غير المتكافئة مع المحتوى الرقمي المجاني
ويظل الرهان الحقيقي للدار هو قدرتها على تطوير أدواتها التحريرية والتسويقية دون التفريط في هويتها الثقافية.
قراءة نقدية في التجربة
يمكن القول إن دار الحكمة تمثل نموذجًا لدور نشر عربية تحاول الصمود الثقافي في زمن السوق القاسي. فهي ليست دارًا ثورية في اختياراتها، ولا مؤسسة تجارية بحتة، بل مشروع نشر يحاول – أحيانًا بنجاح وأحيانًا بتردد – أن يظل وفيًا لفكرة أن الكتاب ما زال ممكنًا.
ما تحتاجه الدار مستقبلًا هو:
-
توسيع شبكة المحررين المتخصصين
-
تطوير هوية بصرية أكثر حداثة
-
الاستثمار في النشر الرقمي
-
بناء سلاسل معرفية واضحة المعالم
خاتمة
في مشهد نشر عربي يعاني التشتت والارتجال، تظل دار الحكمة واحدة من التجارب التي تستحق التوقف عندها؛ لا لأنها بلا أخطاء، بل لأنها تحاول أن تقول – بهدوء – إن النشر ما زال فعلًا ثقافيًا، لا مجرد عملية بيع.