في عالم يتغيّر بإيقاع متسارع، حيث تتقاطع الأزمات المالية مع التحولات التكنولوجية، وتتشابك فيه السياسات النقدية مع رهانات الجغرافيا السياسية،
لم يعد الاقتصاد علمًا تقنيًا محضًا، بل صار لغة لفهم العالم، وأداة لإعادة تفسير الواقع، بل وحتى ساحة للصراع الفكري. وفي هذا السياق المضطرب، تأتي الإصدارات العربية في مجال الاقتصاد لعام 2026 لتعلن بوضوح أن الفكر الاقتصادي العربي بدأ يتحرر تدريجيًا من موقع التلقي، متجهًا نحو إنتاج معرفة أكثر استقلالًا، وأكثر التصاقًا بالواقع المحلي، دون أن تنفصل عن الأسئلة الكونية الكبرى.

فبعد أن هبطت أسعار البترول بشكل سريع وقوي في السعودية نهاية العام 2015، بدأت السلطة السياسية تحركاً سريعاً لإعادة هيكلة الاقتصاد السعودي ضمن إستراتيجية سمّيت “الرؤية 2030”. يقدّم المؤلف في هذا الكتاب قراءة نقدية للاقتصاد السعودي قبل “الرؤية 2030” وبعدها. ويبدي خشيته من عواقب هذه الاستراتيجية إذا لم يتم مراجعة وتعديل أولوياتها وسياساتها. كما أنه ينادي بإصلاح اقتصادي حقيقي ينقذ البلاد من الوقوع في الهاوية. يشكّل الكتاب سجلاً تاريخياً لقضايا الاقتصاد السعودي وهمومه خلال تلك الفترة ومرجعاً للطلاب والباحثين.
مساءلة الأسس
هذا التحول لا يظهر فقط في أسعار البترول والدول المرتبطة به بل يتجلى أيضًا في طبيعة المقاربات؛ إذ لم تعد الكتب الاقتصادية العربية تكتفي بعرض النظريات أو تبسيط المفاهيم، بل أصبحت تنخرط في مساءلة الأسس التي يقوم عليها هذا العلم ذاته. ومن هنا، يمكن النظر إلى كتاب “فلسفة علم الاقتصاد” للمفكر جلال أمين بوصفه نقطة انطلاق دالة في هذا المسار. فالكتاب لا يتعامل مع الاقتصاد كمنظومة محايدة من القوانين، بل يكشف عن بنيته الفكرية العميقة، ويضعه في سياقه التاريخي والأيديولوجي، متسائلًا عن طبيعة المفاهيم التي نستخدمها دون مساءلة، من قبيل السوق، والنمو، والكفاءة.


ومن هذه الأرضية النقدية ينتقل المشهد الاقتصادي العربي إلى فضاء مختلف ظاهريًا، لكنه متصل به في العمق، وهو فضاء الاقتصاد الرقمي. ففي كتاب “الاقتصاد الرقمي والعملات الرقمية” لمؤمن صلاح صالح، نجد أنفسنا أمام عالم جديد يعيد تعريف النقود ذاتها، ويطرح تحديات غير مسبوقة أمام الدولة الوطنية ومؤسساتها المالية. غير أن الرابط بين هذا الكتاب وسابقه لا يكمن فقط في اختلاف الموضوع، بل في وحدة السؤال؛ إذ إن التحول الرقمي، رغم طابعه التقني، يثير بدوره إشكاليات فلسفية تتعلق بالسيادة، والثقة، وحدود السلطة الاقتصادية.

وإذا كان هذا الانتقال من النقد الفلسفي إلى التحليل التكنولوجي يبدو للوهلة الأولى قفزة واسعة، فإن العودة إلى التأصيل الأكاديمي تمنح المشهد قدرًا من التوازن. ففي كتاب “مبادئ علم الاقتصاد” لطارق محمود عبد السلام، نجد محاولة لإعادة بناء المعرفة الاقتصادية على أسس منهجية راسخة، تستوعب التراث الكلاسيكي وتدمجه مع التحولات الحديثة. وهنا، لا يبدو هذا العمل مجرد كتاب تعليمي، بل يمثل جسرًا بين الأجيال، يربط بين الاقتصاد بوصفه علمًا أكاديميًا منضبطًا، والاقتصاد بوصفه مجالًا حيًا يتغير باستمرار.
ومن هذا الجسر الأكاديمي، يبرز اتجاه آخر لا يقل أهمية، يتمثل في البحث عن نماذج بديلة داخل الإطار الاقتصادي ذاته. ويأتي كتاب “الصكوك الإسلامية والسياسات المالية” لمحمد عوض رضوان ليعكس هذا التوجه بوضوح، حيث يحاول إعادة قراءة أدوات التمويل الإسلامي في ضوء التحديات المعاصرة. ولا يقتصر الأمر هنا على استعادة نماذج تقليدية، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة تكييفها مع واقع اقتصادي معقد، بما يطرح سؤالًا أعمق حول إمكانية بناء نظام مالي مختلف، أو على الأقل أكثر تنوعًا.

غير أن هذه النقاشات النظرية، على أهميتها، لا تكتمل دون العودة إلى الواقع، وهو ما تحققه بوضوح كتب الاقتصاد المرتبطة بالسياق العربي المباشر. ففي كتاب “الاقتصاد المصري وتحديات الأوضاع الراهنة” لمصطفى السعيد، تتجسد هذه العودة في صورة تحليل دقيق للتحديات التي تواجه الاقتصاد المصري، من تضخم متصاعد إلى ضغوط ديون متزايدة، وصولًا إلى تعقيدات الإصلاح الاقتصادي. ويكتسب هذا النوع من الكتابة أهميته من قدرته على تحويل المفاهيم المجردة إلى أدوات لفهم الواقع، لا مجرد قوالب نظرية.
وعند النظر إلى هذه الإصدارات مجتمعة، يتضح أن ثمة خيطًا ناظمًا يجمع بينها، رغم اختلاف موضوعاتها ومستوياتها. فهناك، أولًا، عودة واضحة إلى طرح الأسئلة الكبرى، سواء في صورة نقد فلسفي كما عند جلال أمين، أو في شكل تساؤلات حول المستقبل كما في كتاب الاقتصاد الرقمي. وهناك، ثانيًا، محاولة لإعادة بناء المعرفة الاقتصادية على أسس أكثر صلابة، كما يظهر في الكتابات الأكاديمية، التي لم تعد منفصلة عن الواقع، بل باتت تسعى إلى تفسيره والتفاعل معه.

وفي موازاة ذلك، يبرز اهتمام متزايد بالواقع المحلي، لا بوصفه حالة خاصة معزولة، بل باعتباره جزءًا من منظومة عالمية أوسع. وهو ما يجعل من كتب مثل “الاقتصاد المصري وتحديات الأوضاع الراهنة” و”مصر والتنمية” نماذج دالة على هذا التوجه، حيث يتداخل المحلي مع العالمي في تحليل واحد. كما لا يمكن إغفال الحضور المتنامي لفكرة البدائل، سواء عبر الاقتصاد الإسلامي أو من خلال البحث عن نماذج تنموية جديدة، وهو ما يعكس شعورًا عامًا بعدم كفاية النماذج السائدة.
الخلاصة :
في المحصلة، تكشف كتب الاقتصاد العربية في 2026 عن لحظة فكرية غنية، تتسم بالتعدد والانفتاح، وتجمع بين النقد والتحليل، بين النظرية والتطبيق، وبين المحلي والعالمي. وهي، في هذا كله، لا تقدم أجوبة نهائية بقدر ما تعيد ترتيب الأسئلة، وتدفع القارئ إلى التفكير في الاقتصاد بوصفه أكثر من مجرد أرقام ومؤشرات؛ بوصفه، في جوهره، تعبيرًا عن كيفية تنظيم الحياة ذاتها.
القدرة على التفاعل
ولعل القيمة الأهم لهذه الإصدارات لا تكمن فقط في محتواها، بل في دلالتها الأوسع، إذ تشير إلى بداية تشكل وعي اقتصادي عربي أكثر استقلالًا، وأكثر قدرة على التفاعل مع العالم من موقع الفاعل لا المتلقي. وفي زمن تتزايد فيه التحديات، قد يكون هذا الوعي هو الخطوة الأولى نحو بناء مستقبل اقتصادي أكثر توازنًا وعدالة.



