إن فهم متى بدأ الصراع الإسرائيلي ـ الإيراني ولماذا تصاعد إلى حرب مفتوحة يراقبها العالم اليوم هو هدف هذا الكتاب الذي نتناوله اليوم، وعنوانه: “الحرب الإيرانية الإسرائيلية: متى ستنتهي؟ نيرانٌ فوق الشرق الأوسط ـ الأصول، والتصعيد، والصراع من أجل النظام العالمي الجديد”. مؤلف الكتاب هو: كلاودز مايكل، وتاريخ صدوره أبريل نيسان 2026 من دار بارنز آند نوبل:

حرب طويلة قبل الحرب.. تاريخ العداء الإيراني الإسرائيلي
في 17/2/1979، اقتحم مجموعة من الثوار الإيرانيين مقر البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية، ورفعوا العلم الفلسطيني. وسُلّم المبنى إلى منظمة التحرير الفلسطينية. وبذلك، انتهت صداقة نفعية واستراتيجية دامت جيلًا كاملًا في فترة حكم شاه إيران. وقام تحالف استراتيجي على أساس مبدأ بن غوريون “استراتيجية المحيط”، التي قامت على بناء تحالفات مع الدول غير العربية المحيطة بإسرائيل ومن بينها إيران في عهد الشاه، الذي كان يسعى لتنفيذ برنامج تحديث يتطلب تكنولوجيا غربية ومعدات عسكرية. وشكّلت إسرائيل، بعلاقاتها مع الولايات المتحدة، قناةً مفيدةً لتحقيق ذلك. وتعاون البلدان في تبادل المعلومات الاستخباراتية والتدريب العسكري. وساعد الموساد في تدريب السافاك. وتدفق النفط الإيراني إلى إسرائيل.
الثورة الإيرانية والقطيعة مع إسرائيل وبناء محور المقاومة
كانت الثورة الإيرانية عام 1979كارثة استراتيجية لإسرائيل. فقد صوّرت كتابات الخميني إسرائيل على أنها رأس جسر للقوة الأمريكية في المنطقة، وأنه لا يمكن استيعابها أو التفاوض معها. لذا، أصبح الخطاب المعادي لإسرائيل عنصرًا أساسيًا في هوية الجمهورية الإسلامية. ونص الدستور الإيراني على أن إسرائيل كيان غير شرعي وغير قانوني، وألزم الجمهورية الإسلامية بتحرير فلسطين.
بدأ البرنامج النووي الإيراني في عهد الشاه، بمساعدةٍ أمريكية، في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. ووقع الشاه معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية عام ١٩٦٨. وعطلت الثورة التطور النووي، وأدت الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي إلى مزيدٍ من التأخير.
وفي غضون سنوات قليلة، بدأت الحكومة الإيرانية الجديدة تمويل وتسليح وتدريب منظمات مسلحة مكرسة لمهاجمة إسرائيل، من بينها حزب الله “أقوى سلاح لدى إيران” الذي ظهر بعد الغزو الإسرائيلي للبنان 1982. وتطوّر إلى كيان أكثر تعقيدًا: حزب سياسي، ومؤسسة خدمات اجتماعية، وقوة عسكرية، وأكثر المنظمات المسلحة غير الحكومية كفاءة في الشرق الأوسط، واستخدم تكتيكات تتجاوز بكثير تكتيكات الجيوش التقليدية. وأدت عملياته إلى إجبار القوات الأمريكية والفرنسية على الانسحاب من لبنان.
وعلى مدى العقود التالية، استثمرت إيران بكثافة في الحزب الذي طور صواريخ دقيقة، وقدرات مضادة للدبابات، وشبكات أنفاق، وأنظمة قيادة وسيطرة تفوقت على معظم جيوش الدول العربية. وقُدِّرت ترسانته في 2023 بأكثر من 150 ألف صاروخ وقذيفة ـ وهو أكبر مخزون لأي جهة فاعلة غير حكومية في التاريخ. وتكلف بناء هذه القدرة طوال أربعة عقود بعشرات المليارات من الدولارات، وهو رقم في نفس حجم ميزانيات الدفاع السنوية لبعض الدول. وكان هذا الاستثمار هو النموذج لما عُرف بمحور المقاومة في لبنان وغزة واليمن والعراق وسوريا، والذي يجمعه العداء لإسرائيل والنفوذ الأمريكي، والاعتماد بنسب متفاونة على التمويل والأسلحة الإيرانية.
وقد برعت إيران في دمج هذه الجماعات في شبكة إقليمية تضاعف من نفوذها الاستراتيجي بتكلفة منخفضة نسبيًا. وشكّل هذا المحور تهديداً نوعياً مختلفاً لإسرائيل عن أي شيء واجهته سابقاً. إذ لم تكن قادرة على ردعه بكفاءة.
المسألة النووية.. من الطموح إلى الأزمة
بدأ البرنامج النووي الإيراني في عهد الشاه، بمساعدةٍ أمريكية، في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. ووقع الشاه معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية عام ١٩٦٨. وعطلت الثورة التطور النووي، وأدت الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي إلى مزيدٍ من التأخير. وفي أواخر الثمانينيات، استأنفت إيران برنامجًا سريًا لتخصيب اليورانيوم، معتمدةً على شبكات التوريد في السوق السوداء وخبرة العالم النووي الباكستاني عبد القدير خان. وأكدت إيران أن برنامجها مدني بالكامل؛ لكن تفتيش وكالة الطاقة الذرية وجد أدلة على أنشطة لا تتوافق مع الأغراض المدنية البحتة. واعتبرت إسرائيل أن امتلاك إيران سلاحًا نوويًا سيُغير ميزان القوى الإقليمي تغييرًا جذريًا، ويجعلها خصمًا لا تستطيع ردعه كما ردعت الدول العربية.
الاتفاق النووي الإيراني
بعد سنوات من التخريب السري والمفاوضات الفاشلة، تم التوصل في 2015 إلى اتفاق نووي عُرف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة بين إيران والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين. وتضمن الاتفاق: قيام إيران بتقليص مخزونها من اليورانيوم المخصب، والحد من التخصيب إلى مستويات منخفضة أقل بكثير من مستوى التخصيب اللازم لصنع الأسلحة، وتعطيل ثلثي أجهزة الطرد المركزي، وقبول عمليات تفتيش دقيقة من وكالة الطاقة الذرية. وفي المقابل، رُفعت العقوبات الدولية التي ألحقت ضرراً بالغاً بالاقتصاد الإيراني، وحصلت إيران على إمكانية الوصول إلى أصولها المجمدة في الخارج.
اعترضت إسرائيل على الاتفاق لأنه لم يتناول برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، ولم يقيد دعم إيران لوكلائها الإقليميين. وجادلت بأنه لا يحل المشكلة النووية، وإنما يؤجلها فقط. وفي 2018، انسحب ترامب من الاتفاق رغم اعتراض الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق. وفي المقابل، كان رد إيران مدروسًا ومُخططًا له بدقة، إذ بدأت تصعيدًا تدريجيًا لبرنامجها النووي، وزيادة التخصيب إلى 20%، ثم 60%، ثم أكثر. وكانت الرسالة واضحة: إما استعادة الفوائد الاقتصادية للاتفاق النووي، أو مشاهدته وهو يتقدم. وأصبح البرنامج هو نقطة ضعف إيران الأخطر، ولكنه أقوى ورقة ضغط لديها. وقد زادت نسبة تخصيبها لليورانيوم إلى ٨٤٪، أي أقل بقليل من عتبة الـ ٩٠٪ المُحددة لصناعة الأسلحة النووية. ورغم العقوبات، أنتج برنامج إيران الصواريخ الباليستية أسلحة قادرة على الوصول إلى إسرائيل والقواعد الأمريكية في الشرق الأوسط.
دارت حرب خفية بين إسرائيل وإيران. فشنت إسرائيل مئات الغارات الجوية في سوريا على قوافل الأسلحة الإيرانية ومواقع الحرس الثوري على مدى العقد السابق. واغتالت قادة إيرانيين. واستهدفت عملياتها الإلكترونية البنية التحتية الإيرانية. وكانت الدولتان في حالة حرب؛ لكنهما لم تعترفا بذلك. وأفرزت الحرب الخفية توازناً فريداً من نوعه. إذ أدرك كل طرف الخطوط الحمراء للطرف الآخر، أو هكذا ظن. أما الولايات المتحدة، في ظل إدارات متعاقبة، فلم ترغب لا في امتلاك إيران سلاحاً نووياً ولا في حرب في الشرق الأوسط تستدعي تدخل القوات الأمريكية. وقد أدت هذه المصالح غير المتوافقة تماماً، إلى استقرار هش.
حرب غزة والطريق إلى الحرب الحالية
انهار هذا التوازن والاستقرار الهش مع اندلاع حرب غزة 2023 التي أشعلت فتيل التوتر الإقليمي. وأثارت سؤالًا لم يكن بوسع إسرائيل تجاهله: كيف فشل أجهزة مخابراتها الأكثر تطورًا في العالم، في كشف عملية حماس التي تخضع لمراقبة مكثفة؟ وكيف استعدت للهجوم بدقة متناهية؟ وكان مقاتلو النخبة يمتلكون مخططات تفصيلية لمواقع محددة في الكيبوتسات، والقواعد العسكرية. وحملوا صورًا مطبوعة للمنازل التي كان من المقرر مهاجمتها، والأشخاص الذين كُلِّفوا بأسرهم أو قتلهم، في مستوى استعداد استغرق سنوات.
في غضون ساعات من الهجوم، تركزت التساؤلات حول إيران: هل خططت لهجوم حماس أو أمرت به؟ وهل كانت على علم به ووافقت عليه؟ ما هو ثابت أنها هي الداعم الأهم لحماس لسنوات قبل 7 أكتوبر. فقد زودتها بمئات الملايين من الدولارات سنويًا، وأسلحة تشمل صواريخ، وتكنولوجيا تصنيعها، وصواريخ موجهة مضادة للدبابات. ولكن لم يُثبت بشكل قاطع: أن الإيرانيين شاركوا في التخطيط لهجوم 7 أكتوبر، أو أن لديهم معرفة مسبقة بتوقيته ونطاقه. ومع ذلك، ففي غضون ساعات من هجوم حماس، بدأ تفعيل جبهة حزب الله كجبهة دعم لغزة ومنع إسرائيل من تركيز كامل قواتها العسكرية هناك، مع تجنب أي إجراءات من شأنها حدوث غزو إسرائيلي شامل للبنان.
وشنّ الحوثيون هجمات صاروخية وبالمسيّرات تجاه إسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول 2023. واستهدفوا السفن والناقلات في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، المتجهه نحو إسرائيل، أو مملوكة لإسرائيليين. وفي العراق وسوريا، شنت فصائل مسلحة مدعومة من إيران، أكثر من 150 هجومًا على منشآت عسكرية أمريكية في المنطقة بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ويناير/كانون الثاني 2024. وردّت الولايات المتحدة بشن غارات على أكثر من 85 هدفًا في العراق وسوريا، شملت مخازن أسلحة ومراكز قيادة وبنية تحتية تابعة للحرس الثوري الإيراني. واستمرت دوامة الاستفزازات والردود دون عتبة الرد العسكري الشامل. ولم يُمسّ مضيق هرمز، لأن الأطراف أدركت أن إغلاقه سيحدث أزمة اقتصادية عالمية.
في إيران، راقبت القيادة الوضع بمزيج من الرضا الاستراتيجي والقلق الحقيقي. فقد كان محور المقاومة يضغط على إسرائيل من عدة جهات في آن واحد، مما يزيد من تكاليفها العسكرية والدبلوماسية، ويُضعف الدعم الدولي، ويُظهر النفوذ الإيراني في المنطقة. لكن الثمن كان يتصاعد بوتيرة أسرع مما توقعت طهران. فقد أسفرت الضربات الإسرائيلية في سوريا عن مقتل ضباط من الحرس الثوري الإيراني. وكان مقتلهم يستدعي ردًا يكفي لإرضاء الرأي العام الإيراني مع تجنب إشعال حرب أوسع ليست إيران مستعدة لخوضها. وقد صمدت هذه الحسابات رغم عشرات الضربات والعديد من القتلى. وذلك لأن القيادة الإيرانية أثبتت، على مدى أربعة عقود، استعدادها لتحمل خسائر فادحة في سبيل تحقيق هدفها الاستراتيجي الأطول أمدًا: بناء رادع نووي وشبكة إقليمية قوية دون أن تُبرر لإسرائيل شن حرب مفتوحة من شأنها تدمير ما بنته إيران.
المواجهات المباشرة بين إسرائيل وإيران وصولًا للحرب الحالية
جاءت الضربة الإسرائيلية التي قضت على الصبر الإيراني في 1/4/2024، عندما دمرت إسرائيل مجمع القنصلية الإيرانية في دمشق مما أسفر عن مقتل سبعة ضباط كبار من الحرس الثوري. وللمرة الأولى، تعهدت إيران بالرد، وهو ما تم في 14/4/2024. ثم ردت إسرائيل في 19/4/2024. وكانت الضربات محدوة النطاق من الجانبين لتجنب الدخول في حرب شاملة. ثم قامت إسرائيل باغتيال إسماعيل هنية في طهران، وحسن نصر الله في بيروت. وكان ذلك انعكاسًا لحساباتٍ إسرائيلية مفادها أن بقاء التهديد الذي تواجهه على المدى البعيد يعتمد على أفرادٍ محددين يصعب استبدالهم، ومحاولةً لشلّ شبكةٍ يعتمد تماسكها الاستراتيجي على علاقات وسلطة عددٍ قليلٍ من الأفراد الذين لا يُمكن الاستغناء عنهم. وجاء الرد الإيراني في 1/10/2024، إذ شنت هجومها الصاروخي المباشر الثاني على إسرائيل. واعترضت القوات الإسرائيلية والأمريكية غالبية الصواريخ. ونجحت عدة رؤوس حربية في ضرب إسرائيل، وإلحاق أضرار بقاعدة نيفاتيم الجوية في النقب.
انهار هذا التوازن والاستقرار الهش مع اندلاع حرب غزة 2023 التي أشعلت فتيل التوتر الإقليمي. وأثارت سؤالًا لم يكن بوسع إسرائيل تجاهله: كيف فشل أجهزة مخابراتها الأكثر تطورًا في العالم، في كشف عملية حماس التي تخضع لمراقبة مكثفة؟ وكيف استعدت للهجوم بدقة متناهية؟ و
في يونيو 2025، نشرت وكالة الطاقة الذرية أهم تقرير لها، والذي خلُص إلى أن إيران جمعت كميات كافية من اليورانيوم المخصب بنسبة أكثر من 60% تكفي لإنتاج تسعة رؤوس نووية في حال تخصيبه إلى 90%. وخلص التقرير، إلى أن سلوك إيران لا يتوافق مع التزامات دولة تمارس أنشطة نووية سلمية حصراً. وأدى هذا التقرير إلى تسارع وتيرة الأحداث، وحرب الأيام الاثني عشر والدبلوماسية الفاشلة في أواخر عام 2025 وصولًا إلى الحرب الحالية في 28/2/2026 وما أدت إليه إلى اتساع رقعة الصراع والاستهداف لدول الخليج، وأزمة اقتصادية تؤثر على النظام العالمي للسلع والخدمات المالية، وخطر يهدد الأمن الغذائي في أفريقيا وجنوب آسيا؛ وصراعًا إلكترونيًا بلا جبهات أو حدود واضحة؛ وكارثة بيئية مستمرة، واختبار إجهاد لكل مؤسسة وتحالف دولي أنشأه النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية لإدارة هذه الأزمات المتتالية.
خلاصة المشهد
1 ـ إسرائيل: يرى تيارٌ هام في الفكر الأمني الإسرائيلي – يمثله مديرون سابقون للموساد، ورؤساء أركان سابقون للجيش الإسرائيلي، وشخصيات سياسية وسطية – أن الحكومة الحالية حققت إنجازات عسكرية لا يمكن ترجمتها إلى نتائج سياسية مستدامة، وأن غياب أفق سياسي فلسطيني والدمار الذي لحق بغزة قد عمّقا عزلة إسرائيل الدولية وعزلتها الاستراتيجية وتهدد أمنها على المدى البعيد أكثر من أي قدرة صاروخية إيرانية.
2 ـ الولايات المتحدة: لا تزال استراتيجية الخروج من المستنقع الإيراني وخليج هرمز غير محسومة. ويحتاج ترامب إلى سردية نصر يمكن تقديمها قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر 2026؛ لكن الواقع العسكري والاستراتيجي يُشير إلى أن التوصل إلى تسوية نووية مستدامة يتطلب سنوات من العمل الدبلوماسي، وهو ما لا يمكن اختصاره في ستة أشهر.
3 ـ إيران: فتطالب بوقف كامل للعمليات العسكرية ضدها؛ واعتراف دولي بحقوقها السيادية في الاحتفاظ ببرنامج تخصيب مدني؛ تعويضات عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الإيرانية؛ ورفع جميع العقوبات المفروضة عليها منذ عام 2018؛ وضمانات أمنية ملزمة من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ضد أي هجمات عسكرية مستقبلية عليها.
سيناريوهات الحرب
استنادا إلى تحليلات مجلس العلاقات الخارجية والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ومؤسسة راند ومؤسسة بروكينغز ومكتبة مجلس العموم البريطاني، هناك خمسة سيناريوهات لمستقبل الحرب، هي:
1 ـ سيناريو التسوية التفاوضية: واحتمالية حدوثه 20-30%، وتزداد في حال تحقق شرطين: الإغلاق المُستمر لمضيق هرمز لأكثر من ثلاثين يومًا، مما يُولّد ضغطًا اقتصاديًا يُجبر جميع الأطراف على إعطاء الأولوية للخروج؛ وظهور مبادرة وساطة صينية ذات مصداقية. ويجري في هذا السيناريو التفاوض على إطار نووي جديد أكثر عمقًا واستدامةً وقابليةً للتحقق، مقابل تخفيف شامل للعقوبات، وتعديل الوجود الأمني الأمريكي في الخليج، وترتيبات أمنية لمضيق هرمز. وإذا لم يتم التوصل لتسوية لمدة تتجاوز تسعين يومًا، فإن معاناة الاقتصاد العالمي ستتفاقم بطرق تخلق ضغطًا سياسيًا للتوصل إلى تسوية قد يصعب على الأطراف مقاومته.
2 ـ سيناريو حرب استنزاف طويلة الأمد: وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا حاليًا واحتمالية حدوثه: 40-45%، وهي حرب عبارة عن فترة من الضغط المتبادل المستمر لا يحقق فيها أي من الطرفين أهدافه الاستراتيجية كاملة، وتستمر فيها العمليات العسكرية بوتيرة أقل حدة من ذروتها في فبراير 2026، ويستمر الصراع دون حل رسمي.
واستراتيجية إيران تقوم على المقاومة المطولة، انطلاقًا من أن الوقت، والضغط الاقتصادي على الولايات المتحدة وإسرائيل، واستدامة موقفها مقارنةً بالتكاليف المفروضة على خصومها، والتآكل التدريجي للدعم الدولي للموقفين الأمريكي والإسرائيلي، عوامل ستؤدي في نهاية المطاف إلى تهيئة الظروف اللازمة للتوصل إلى تسوية بشروط أفضل من الشروط المتاحة حاليًا. إلا أن استدامة هذه الاستراتيجية بالنسبة لإيران تتوقف على ثلاثة عوامل: مخزوناتها من الصواريخ والطائرات المسيّرة، قدرة الاقتصاد الإيراني المُنهك أصلاً بفعل سنوات من العقوبات وحربي 2025 و2026، وحدود قدرة الشعب على استيعاب حرب الاستنزاف.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن هذا السيناريو يثير تساؤلاتٍ حول استدامته. إذ سيزداد الضغط من الكونغرس على ترامب للمطالبة بتفويض صلاحيات الحرب، ووضع استراتيجية للخروج، وشرح تكاليف التدخل العسكري المستمر وتبريرها للناخبين. وتُشكّل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026 موعدًا نهائيًا سياسيًا لا يُمكن للإدارة تجاهله. ويشعر المستهلكون الأمريكيون بالتكاليف الاقتصادية للحرب.
3 ـ سيناريو انهيار النظام الإيراني: هذا السيناريو ضرب من الخيال، واستمراره في النقاشات السياسية يُعدّ من أبرز الإخفاقات التحليلية للسياسة الغربية تجاه إيران على مدى ثلاثة عقود. وعلى فرض حدوثه، فإنه سيؤدي إلى تشرذم الدولة وعدم نشوء نظام ديمقراطي. كما أن الخطر النووي في إيران المتشرذمة سيخلق الظروف الملائمة لتحويل المواد النووية إلى جهات فاعلة دون حكومية أو مشترين أجانب، وهو السيناريو الأسوأ في مجال منع الانتشار النووي.
4 ـ سيناريو التصعيد النووي: يتوقف هذا السيناريو على ثلاثة متغيرات: مدى بقاء البنية النووية الإيرانية أو إمكانية إعادة بنائها بعيدًا عن أنظار الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ وتطور حسابات المرشد الأعلى الجديد بشأن متى يوفر السلاح النووي أمنًا يفوق تكاليف امتلاكه؛ وقرار السعودية بامتلاك سلاح نووي إذا امتلكت إيران هذا السلاح مما سيجعل من المستحيل على مصر وتركيا والإمارات التخلي عن هذا الخيار، كما أن تحوّل الشرق الأوسط من منطقة قوة نووية واحدة غير مُعلنة إلى منطقة تضمّ عدة قوى نووية مُعلنة سيكون التغيير الأهم في النظام النووي العالمي منذ نهاية الحرب الباردة.
لقد تضررت إيران بشدة لكنها لم تنهار. وحققت إسرائيل أهدافًا عسكرية مهمة، لكنها تواجه عزلة دبلوماسية متزايدة. والولايات المتحدة لم تحسم بعدُ بنية الأمن الإقليمي التي ستحدد ما إذا كانت المسألة النووية الإيرانية ستعود للظهور في المستقبل.
5 ـ سيناريو دخول قوى أخرى في الصراع: مما سيغير طرق الصراع ونطاقه. ونسبة حدوثه ضئيلة ربما 10-15%. ولكن ستزيد النسبة إذا امتد سيناريو حرب الاستنزاف لأكثر من ستة أشهر. وتُعد نقطة دخول روسيا هي الأبسط في آليتها، وإن كانت الأصعب في تقييم احتمالية حدوثها. لروسيا مصالح مادية في بقاء إيران، الأمر الذي سيستمر في استنزاف القدرات العسكرية الأمريكية واهتمامها. تمتلك روسيا أنظمة الأسلحة والعلاقات اللازمة لتزويد إيران بمساعدة عسكرية فعّالة – أنظمة دفاع جوي، ومعدات حرب إلكترونية، وتكنولوجيا صواريخ – من شأنها تعزيز قدرة إيران على مواصلة استراتيجية الاستنزاف. أما مدخل الصين فهو اقتصادي ودبلوماسي بحت، لكنها قد تنتقل من دورها الحالي كوسيط إلى دور أكثر فاعلية كشريان حياة اقتصادي – من خلال تزويد إيران بالدعم المالي وشراء الطاقة ونقل التكنولوجيا، ما يسمح لها بمواصلة استراتيجية الاستنزاف إلى أجل غير مسمى.
مضيق هرمز.. من يتراجع أولًا؟
لمسألة مضيق هرمز منطقها الخاص الذي يتقاطع مع سيناريوهات الصراع الأوسع نطاقًا، ولكنه لا يتطابق معها تمامًا. ففي منتصف مارس/آذار 2026، فتحت عملية إزالة الألغام ممرًا جزئيًا يكفي لحركة مرور محدودة برفقة حراسة بحرية. أما إعادة فتحه بالكامل، وإرساء ترتيب أمني بحري يمنح ثقة كافية للعبور دون مرافقة بحرية، فتتطلب إما اتفاقًا سياسيًا بين إيران والولايات المتحدة، أو هزيمة عسكرية كاملة لقدرة إيران على مقاومة عمليات إزالة الألغام. ولم يتحقق أي من هذين الأمرين. ويُعدّ السيناريو الأكثر شيوعًا باعتباره الحل المُحتمل لمضيق هرمز، هو فتح جزئي بحكم الأمر الواقع، وليس تسوية دبلوماسية رسمية، بل ترتيب عملي تستأنف فيه حركة الملاحة التجارية تدريجيًا دون أن يُقرّ أي طرف صراحةً بالتوصل إلى اتفاق.
التاريخ ومستقبل الصراع
يقدم التاريخ أمثلة لصراعات تحققت فيها الأهداف التي بررت العمل العسكري في البداية؛ لكن القتال استمر لعدم وجود آلية لتحويل الواقع العسكري المتغير إلى تسوية سياسية مقبولة من جميع الأطراف دون تكلفة سياسية داخلية باهظة. ومن أمثلة ذلك الحرب العراقية الإيرانية، والحرب الكورية. ويشترك الصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيلي في عامي ٢٠٢٥ و٢٠٢٦ في سمات هيكلية مع مثل هذه الحالات التاريخية. فشروط كل طرف، بصيغتها الحالية، لا تتوافق مع شروط الطرف الآخر. ولا يُرجّح الوضع العسكري، حتى الآن كفة أي طرف بما يكفي لإحداث الإنهاك الاستراتيجي الحاسم العامل الأكثر موثوقية في التوصل إلى تسويات تفاوضية.
لقد تضررت إيران بشدة لكنها لم تنهار. وحققت إسرائيل أهدافًا عسكرية مهمة، لكنها تواجه عزلة دبلوماسية متزايدة. والولايات المتحدة لم تحسم بعدُ بنية الأمن الإقليمي التي ستحدد ما إذا كانت المسألة النووية الإيرانية ستعود للظهور في المستقبل. ويكمن الخطر في مضيق هرمز. فمع عدم إعادة فتحه بالكامل، سيزداد الضغط على الاقتصاد العالمي حتى يصل إلى عتبة الركود التي حددها صندوق النقد الدولي، وهي تسعون يومًا، وهو موعد لا تملك العملية الدبلوماسية ترف تجاوزه دون عواقب تفوق بكثير التكاليف الإنسانية.
لا حل حقيقيًا للصراع بدون التعامل الجاد مع القضية الفلسطينية
السبب البنيوي الأعمق الذي أدى إلى هذا الصراع هو القضايا المتعلقة بالحقوق الفلسطينية، ووضع الأراضي المحتلة، والوضع الإنساني في غزة والضفة الغربية. وإن أي تسوية تتجاهل البُعد الفلسطيني لن تدوم. وهذا ليس مجرد رأي أخلاقي، بل هو تقييم استراتيجي. فالظروف التي تُولّد الدعم السياسي للمقاومة الفلسطينية ظروف متجذرة في تشريد الفلسطينيين وتهجيرهم وحرمانهم من حقوقهم. لذا، ستبقى قاعدة المقاومة المسلحة قائمة، وستجد إيران أو أي جهة داعمة مستقبلية أن دعم هذه القاعدة كأداة استراتيجية أمرٌ مجدٍ. وإن القضاء العسكري على حماس لا يحل الظروف السياسية التي تجعل ظهور خلفاء لها أمرًا حتميًا. كما أن إضعاف حزب الله عسكريًا لا يحل الظروف في لبنان التي تجعل المنظمات السياسية الشيعية المسلحة الضامن الوحيد الفعال لأمن مجتمعها.



