حروب النفايات.. العالم الثالث يتحوّل إلى "مكبّ مُخلّفات" الدول الغنية

حروب النفايات.. العالم الثالث يتحوّل إلى “مكبّ مُخلّفات” الدول الغنية

حروب النفايات.. العالم الثالث يتحوّل إلى “مكبّ مُخلّفات” الدول الغنية

 

أمضى الصحفي الأمريكي ألكسندر كلاب عاميّن يجوب خمس قارات، ليقدم تقارير مُعمّقة عن عالم عصابات “إعادة تدوير المُخلّفات” في جزيرة جاوا بإندونيسيا، ومُفككي سفن الرحلات في بحر إيجة الفاصل بين تركيا واليونان، والصبية الغانيين الذين يحرقون الهواتف المحمولة وأجهزة التلفزيون القديمة مقابل بضعة سنتات في الساعة، ليخبر القرّاء كيف يدفع فقراء العالم ثمن “نفايات” الأغنياء.

اكتشف كلاب، أنه في حين تُلقى القمامة على جوانب الطرق، خصوصا في الدول الفقيرة، أو تُدفن تحت الأرض، فإن الكثير من نفايات الدول الغنية يعيش حياة ثانية سرية، حيث يتم شحنها وبيعها، أو تهريبها من بلد إلى آخر. وغالبًا ما يكون لهذه “المُخلّفات العابرة للحدود” عواقب وخيمة على أفقر دول العالم.

حروب النفايات.. العالم الثالث يتحوّل إلى "مكبّ مُخلّفات" الدول الغنية
حروب النفايات.. العالم الثالث يتحوّل إلى “مكبّ مُخلّفات” الدول الغنية

وفي كتابه “حروب النفايات: الرحلة المدهشة لقمامتك Waste Wars: The Wild Afterlife of Your Trash“، يكشف كلاب: “كيف ولماذا، على مدى الأربعين عامًا الماضية، أدت نفاياتنا – تلك الأشياء التي نعتبرها عديمة القيمة لدرجة أننا لا نُبالي برميها – إلى نشوء اقتصاد ضخم عالمي بمليارات الدولارات. اقتصاد يُلقي بآثار استهلاكنا على قارات بعيدة، ويشوّه مناظر طبيعية بكر، ويُلحق الضرر بسكان غير مدركين لخطورة (إعادة التدوير) على مجتمعاتهم الهشة”.

يُفصّل الكتاب – بوضوحٍ ومنهجيةٍ- أنظمة تجارة النفايات العالمية المعقدة، التي تُؤدي إلى وصول نفايات الغرب إلى دول الجنوب، مُسلطًا الضوء في الوقت نفسه على أوجه عدم المساواة الاجتماعية والتاريخية والقوانين التي أوصلتنا إلى الوضع الراهن.

لماذا أمريكا “دولة شريرة”؟

في مقدمة الكتاب، يتساءل المؤلف: لماذا يُعد إرسال نفايات البلاستيك من كاليفورنيا إلى جزر مارشال في المحيط الهادئ، وأكياس رقائق البطاطس إلى إندونيسيا، ونفايات الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر إلى غانا، تجارة مربحة للغاية؟ إنها مربحة لأنه يجري إعادة تدويرها بطرق غير آمنة، ولأن القوانين البيئية في تلك الدول متساهلة، ويعمل الناس هناك بأجور زهيدة في ظروف لا تسمح بها الدول الأكثر ثراءً.

ويتتبع الكاتب، المسار الواضح لتاريخ الاستعمار الجديد في عصرنا الراهن، حيث تُستخرج الثروات المعدنية من دول فقيرة ويتم تصديرها إلى الدول الغنية. ثم تُبنى موانئ جديدة على بُعد أميال قليلة من تلك الموانئ، لشحن النفايات من قلب الإمبراطورية وإعادتها إلى الدول المُستغَلّة من جديد في صورة نفايات. وهي عملية تضرب عصفورين بحجر واحد، فهي تحقق الربح للقائمين عليها، وتعمل على “تنظيف” تلك الدول الغنية من المُخلّفات الخطرة.

وبينما بدأت الدول الصناعية في أوروبا في سبعينيات القرن الماضي، بسن قوانين للمحافظة على البيئة، كان نتيجتها إعادة تدوير النفايات العادية والمُخلّفات الخطرة، إلاّ أن كثرة الإنتاج وبالتالي كثرة النفايات، وارتفاع كلفة اليد العاملة، جعلها تصدّرها إلى دول العالم الثالث، ما أدى إلى كوارث على البيئة والكائنات على المدى الطويل. حيث لا تلتزم الدول النامية بطرق المعالجة والدفن الصحيحة، ويُرمى كثير من هذه النفايات في الأنهار والبحار، عدا عن تلك التي تشكل مكّباً لنفايات إلكترونية يسترزق منها الناس، رغم أنها تسببّ لهم أمراضا خطيرة.

وهناك مكونات خطيرة تدخل في صناعة الأجهزة الإلكترونية، ولها تأثيرات صحية بالغة الخطورة، حيث يوجد “الباريوم” في أجهزة الحاسب الآلي، والتعرّض له لفترة قصيرة يؤدي إلى أورام في المخ، وضعف عضلات الجسم، ويؤدي كذلك إلى إصابة القلب والكبد والطحال بأمراض مزمنة.

كما يوجد عنصر آخر خطير هو “الكروم“، الذي يستخدم عادة في طلاء الأجهزة الإلكترونية، لحمايتها من الصدأ، وهو يخترق الخلايا بسهولة ويعمل على تحطيم الحامض النووي، ويُعد من أكثر العناصر تهديداً للبيئة والصحة العامة.

رغم علمه ذلك، عمد الغرب الرأسمالي إلى تجنيد مجتمعات متناثرة على طول خط الاستواء، تفتقر إلى التكنولوجيا أو الحراك الاقتصادي أو المياه النظيفة، لاستقبال أجهزة كمبيوتر معطلة، وسفن سياحية متقاعدة، وتليفونات ذكية ذات مكونات خطرة، من أجل إعادة تدويرها، وتصديرها من جديد في صورة معادن إلى مصانع في الصين وشرق آسيا.

وفي كل الأحوال، تُنقل النفايات بعيداً عن أنظار الدول الغنية، لتصبح عبئاً على الدول النامية. وقد احتلت دول مثل الصين كلا المرحلتين: فقد كانت تستقبل في الماضي كميات هائلة من نفايات الغرب، لكنها الآن تُصدّر نفاياتها إلى أماكن أخرى.

وإذا أردت أن تفهم لماذا تُعد الولايات المتحدة، في جوهرها، “دولة شريرة” بالمقاييس الإنسانية، فلا تبحث بعيدًا عن (اتفاقية بازل). وهي معاهدة دولية تحظر تصدير النفايات الخطرة إلى الدول النامية. لم تُصادق أمريكا عليها حتى الآن بعد مرور ما يقرب من 40 عامًا على إقرارها دوليا، على الرغم من مصادقة 191 دولة عليها. وفي عام 2019، تم تعديلها لتشمل النفايات البلاستيكية، ولم توقع عليها واشنطن أيضا.

وليست الولايات المتحدة وحدها من تشحن النفايات، بما في ذلك المُخلّفات الخطرة، إلى أماكن مثل غانا وتركيا وجاوا وغيرها من قارات العالم؛ بل تفعل ذلك الصين أيضًا، إلى جانب ألمانيا وبريطانيا وكندا، وهكذا.

أدى هذا الوضع إلى ظهور صناعة غير رسمية للتخلص من النفايات، تُوظّف الآن ملايين الأشخاص. حيث تُدفن مدن في إندونيسيا تحت ملايين الأطنان من البلاستيك أحادي الاستخدام؛ وتكتظّ مجتمعات في أنحاء الهند وبنغلاديش بجيوش من العمال المهاجرين، المُكلّفين بتفكيك سفن الرحلات البحرية وناقلات النفط يدويًا.

أفريقيا “مصّب النفايات”

يؤكد المؤلف، عبر رحلاته الاستقصائية حول العالم، أن كثيرا من النفايات العالمية كانت تُرسل خلال الثلاثين أو الأربعين عامًا الماضية، إلى الدول الفقيرة تحت ذريعة “إعادة التدوير”. ويجري تفكيك هذه النفايات، أو يحاول البعض تدويرها لتحقيق الربح. وهذه عملية بالغة الخطورة، بل قاتلة في كثير من الأحيان، حيث تدخل أنواع مختلفة من الملوثات والمواد الكيميائية الدائمة إلى النظم البيئية المحلية. تنتشر هذه المواد في الهواء والماء، مُلحقةً بها أضرارًا جسيمة.

وشهدت العقود الأخيرة تصاعُدًا غير مسبوق في حجم النفايات الإلكترونية على مستوى العالم؛ نتيجة الثورة الرقمية السريعة، وتزايد معدلات الاستهلاك التقني. وفي هذا السياق، أصبحت القارة الإفريقية أكثر المناطق هشاشة أمام تدفقات هذه النفايات الإلكترونية العالمية؛ إذ تحوَّلت إلى وجهة رئيسية لتجارة النفايات غير المشروعة القادمة من الدول الصناعية المتقدمة.

ويُعزى ذلك إلى ضعف البنية التشريعية والمؤسسية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وهيمنة الاقتصاد غير الرسمي، ما جعَلها بيئة خصبة لعمليات التفكيك اليدوي والحرق المكشوف بحثًا عن المعادن الثمينة.

والنتيجة الطبيعية لذلك، هي حدوث تدهور بيئي وصحي واسع النطاق تُجسِّده مواقع مثل “أغبوغبلوشي” في غانا، ولاجوس في نيجيريا؛ حيث ترتفع تركيزات الرصاص والنحاس والزئبق في التربة والهواء والمياه، إلى مستويات تفوق الحدود الدولية المسموح بها، بمئات المرات.

ويُعدّ القطاع غير الرسمي فاعلًا مركزيًّا في منظومة إدارة النفايات الإلكترونية في بعض دول القارة الأفريقية؛ إذ يتولَّى جَمْع وتفكيك الأجهزة بوسائل يدوية بدائية بهدف استخراج المعادن وبيعها. وهو ما يُوفِّر فرص عمل، لكنّه يؤدي في الوقت نفسه إلى أضرار بيئية وصحية خطيرة، بسبب الحرق المكشوف واستخدام المواد الكيميائية دون حماية. ولهذا دعت منظمات الأمم المتحدة للبيئة، إلى دَمْج هذا القطاع في الاقتصاد الرسمي من خلال التدريب والرقابة، ودعم البنية التحتية الآمنة.

في موضع آخر من الكتاب، يربط الكاتب بين تجارة النفايات وعصابات الجريمة المنظمة، قائلا: “أعتقد أن الأمر المثير للاهتمام حقًا في تجارة النفايات العالمية، هو أنها تشبه إلى حد كبير تجارة المخدرات العالمية. ونرى جماعات الجريمة المنظمة تنخرط بشكل متزايد في تجارة النفايات، لأن إمداداتها لا تنضب. والعقوبة في حال ضبط شخص ينقل النفايات مُخففة للغاية. وأعتقد أن مستقبل تصدير النفايات يكمن في الجريمة المنظمة، فهم يرون في ذلك فرصة مربحة بشكل هائل”.

ويخلص كلاب، إلى أن تجارة النفايات الدولية “جريمة”، وأن رفض معالجة أسبابها الجذرية تقصيرٌ يحمل أوجه تشابه مع الإخفاقات الدولية السابقة في معالجة أزمة تغيّر المناخ. ويُظهر العواقب المتفاقمة لمثل هذا التقاعس. إذ يُعرّض سكان الدول الأكثر ثراءً جزءًا كبيرًا من الكوكب للخطر، مقابل تجاهل عواقب ذلك الفعل اللاأخلاقي على فقراء العالم.

Post tags :

شارك المقالة علي ...

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Email