
كتاب “إمبراطورية الذكاء الاصطناعي الجديدة: مستقبل عدم المساواة العالمي” (The New Empire of AI: The Future of Global Inequality)، يمثل أطروحة نقدية عميقة حول كيفية تحوّل هذه التقنية إلى أداة لترسيخ هيمنة قوى بعينها على مُقدرات كوكب الأرض، بدلا من تحقيق المساواة بين بني البشر.
لا تسير مؤلفة الكتاب، الدكتورة راشيل آدامز، الرئيسة التنفيذية لـ “المركز العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي”، في ركاب التفاؤل التكنولوجي، الذي يروّج للذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لتحقيق حلم المساواة العالمية، والقضاء على الفقر، بل تضع هذه التكنولوجيا تحت مجهر “السياسة العالمية” وتقيسها بمعايير القوة في العالم الآن.
يُعد الكتاب مرجعا مهما لكل من يسعى لفهم كيف تشكّل التكنولوجيا ملامح عدم المساواة في القرن الحادي والعشرين، وكيف يمكن لـ “الأغلبية العالمية” أن تقاوم التهميش في العصر الرقمي. إنه أطروحة لا تكتفي بوصف التكنولوجيا، بل تُشرّح “نظام القوة” الذي يقف خلفها، والذي لا يعمل بالضرورة لمصلحة البشرية كافة.
والكتاب، ليس مجرد دراسة تقنية. بل هو “بيان سياسي” يدعو إلى استعادة السيادة البشرية على مُقدرات العالم، في عصر الآلة، وإلى اعتبار الذكاء الآلي شكلا جديدا من أشكال الاستعمار.
توضح آدامز، في مقدمة الكتاب الصادر مؤخرا، أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد برمجيات أو “خوارزميات”، بل هو نظام بيئي متكامل من القرارات والبنى التحتية وعلاقات القوة، التي تُعيد إنتاج أنماط الاستغلال التاريخية، كما عرفها العالم خلال أزمنة سيطرة الاستعمار الغربي على شعوب أخرى، وإن بطرائق جديدة هذه المرة.
إعادة إنتاج الاستعمار
ترصد الكاتبة هذه الطرائق على ثلاثة مستويات: أولها الاستغلال المادي والبشري، حيث تمثّل دول الجنوب العالمي “العمود الفقري غير المرئي” لهذا النظام الاستغلالي، إذ يعتمد تشغيل هذه الإمبراطورية على استخراج أنواع معينة من المعادن والعناصر، ويتم استخراج الموارد الأولية اللازمة لصناعات التكنولوجيا مثل الليثيوم والكوبالت، من دول مثل الكونغو وتشيلي.
وتترك صناعة التعدين ندوبا بيئية واجتماعية لا تُمحى في دول الجنوب العالمي، وتؤدي إلى تدهور بيئي قد يكون واسع النطاق، خصوصا في ظل تحذيرات العلماء من البصمة الكربونية الهائلة للذكاء الاصطناعي، ومن استهلاك المياه الضخم لتبريد مراكز البيانات التي يجري بناؤها غالبا في دول العالم الثالث لتوفير النفقات، وهو ما قد يؤدي إلى تدهور شبكات الطاقة والصرف الصحي المتهالكة أصلا في تلك الدول الفقيرة.
ويجري استخدام العمالة الرخيصة من دول أخرى مثل الهند وبنجلاديش، للعمل في تصنيف البيانات ومراقبة المحتوى المسيء لساعات طويلة. وتورد المؤلفة هنا قصصا صادمة لعمال وعاملات، غالبا ما يكونون من اللاجئين أو الفئات المستضعفة، الذين يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات في مراقبة أي محتوى عنيف، مثل الترويج للعنف والقتل والاعتداء الجنسي، مقابل أجور زهيدة جدا، لتنقية الخوارزميات وجعلها “آمنة” للمستخدم الغربي. وهذه الوظائف لا توفر حراكا اجتماعيا، بل تحبس العمال في دورات فقر جديدة.
من جهة ثانية، يكرّس الذكاء الاصطناعي الهيمنة اللغوية والثقافية الغربية على اللغات والثقافات الأخرى، ويجري تطوير التقنية – بشكل أساسي- باللغة الإنجليزية وببيانات غربية، ما يجعل المُخرجات لغير الغربيين غير دقيقة في الغالب، ومنحازة، أو حتى عديمة الفائدة، الأمر الذي يهمّش الثقافات المحلية للمجتمعات التي لا تمتلك الكوادر، أو البنية التحتية اللازمة للمشاركة في تطوير تلك التقنية الجديدة.
وتخصص المؤلفة فصلا كاملا بعنوان “لغة واحدة تحكمهم جميعا”، لمناقشة هذه القضية بالغة الخطورة، والتي تعتبرها مظهرا من مظاهر “العنف المعرفي” في عالمنا المعاصر.
نرى في هذا الفصل كيف يؤدي تدريب نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) على بيانات غربية وباللغة الإنجليزية حصرا، إلى تهميش الهوية الخاصة للشعوب الناطقة بلغات أخرى مثل العربية وغيرها. وعندما يُجبر العالم على التحدث بلغة تكنولوجية لا تعكس سياقه المحلي، تضيع المعاني الثقافية وتتشوه الحقائق المحلية.
وهنا ينبغي الإشارة إلى ظهور نتيجة غير دقيقة تسميها الباحثة “انحياز المخرجات”، حيث تصبح تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي غير دقيقة، أو حتى ضارة للمجتمعات غير الناطقة بالإنجليزية، وربما تقدّم نتائج منحازة تماما لوجهات النظر الغربية.
أمّا ثالثة الأثافي، أو الطرائق، فهي “الرقابة والاستبداد”، حيث يحذر الكتاب من استخدام تقنيات مراقبة متطورة مثل “التعرّف على الوجه” والتتبع البيومتري من قبل أنظمة الحكم الاستبدادية، للسيطرة على قطاعات كبيرة من السكان. وهي أدوات يتم اختبارها غالبا في دول الجنوب، مثل تجارب شركة Cloud Walk في زيمبابوي. وكأن الشعوب الفقيرة مجرد فئران تجارب، للتحقق من فعالية تقنيات المراقبة قبل تشغيلها بالفعل في دول متقدمة.

وحسب الباحثة، لا يمكن إنكار الإمكانات الإيجابية للذكاء الاصطناعي، لكن فكرة أنه سوف “يُفيد الفقراء” تُقبل غالبا دون نقاش، رغم أنها لم تُختبر بعد. وتشير الأدلة التاريخية والتقارير الأولية، التي يمكن رصدها على الإنترنت يوميا، إلى أن هذه التقنية لن تجعل العالم بالضرورة مكانا أفضل.
وتعتبر آدامز، أن تأثير التقنية الجديدة لن يقتصر على الدول الفقيرة فحسب، بل سيمتد ليشمل العالم أجمع. وستظهر آثاره في ازدياد الهجرة الدولية، حيث تتركز الفرص بشكل متزايد في أيدي الدول الأكثر ثراء؛ وفي تفاقم عدم الاستقرار السياسي وتنامي السياسات الشعبوية؛ وفي الكوارث المناخية الناجمة عن صناعة تتجاهل آثارها البيئية عبر سلاسل التوريد.
وفيما يتشارك الذكاء الاصطناعي أوجه تشابه هيكلية مع أشكال “الإمبراطورية” كبنية تاريخية، فإن أبعاد قوته جديدة كليا. إنه شكل جديد من أشكال الحكم، لا يرتبط بالغزو المادي، بل يقوم على البيانات والحوسبة والبنية التحتية الرقمية. تمتد هذه الإمبراطورية أيضا إلى التفاعلات اليومية، وهي وثيقة الصلة بالأفراد، إذ تُشكّل كيفية اتخاذهم للقرارات، وتجاربهم العاطفية، وتفاعلهم مع عوالمهم الرقمية والاجتماعية.
أسطورة “السحابة النظيفة”
تكسر آدامز، عبر صفحات الكتاب، الصورة الذهنية السائدة بأن الذكاء الاصطناعي هو عالم افتراضي “سحابي” لا وزن له. بدلا من ذلك، تسلط المؤلفة الضوء على المادية القاسية لهذا النظام، الذي يكرّس مظاهر جديدة من عدم المساواة خلال القرن الجديد، في عالم يعاني إرثا طويلا من الظلم التاريخي.
وانطلاقا من منظور ما بعد الاستعمار، تجادل الكاتبة بأن موارد الدول ذات الأغلبية تُستغل لتطوير الذكاء الاصطناعي، ما يزيدها فقرا. علاوة على ذلك، لا تستفيد هذه الدول من التكنولوجيا الناتجة، إذ أن الوصول إليها غير متكافئ، ولا يُراعي خصوصياتها غير الغربية.
لذلك، لقي الكتاب فور صدوره صدى واسعا، ولكن بمواقف متباينة تعكس الانقسام حول مستقبل تلك التكنولوجيا. فالمؤيدون اعتبروا الكتاب “نداء يقظة” للرأي العام العالمي، يكشف التكاليف البشرية والبيئية المختبئة خلف بريق الابتكار.
وفي المقابل، جادل بعض المراجعين في صحف عالمية بأن الكتاب يتجاهل “الإمكانات الديمقراطية” للذكاء الاصطناعي، مثل دوره في تحسين فرص الوصول للتعليم، عبر منصات مثل Coursera) أو الشمول المالي (وعبر منصات مثل M-Pesa في أفريقيا.
واعتبر هؤلاء النقاد أن الكتاب يميل نحو “الإشارات الأيديولوجية”، بدلا من الحجج العلمية الصارمة التي توازن بين المخاطر والفرص الناتجة عن صعود تقنية الذكاء الاصطناعي في عصرنا الراهن، وتداعيات ذلك في المستقبل.
في الختام، يدعو الكتاب إلى ضرورة إلغاء “الاستعمار عبر الذكاء الاصطناعي”، واتخاذ عدة تدابير من شأنها الحد من سيطرة القوى الغربية على هذه التقنية، ومنها تطبيق مبدأ اللامركزية في إنتاج التكنولوجيا، وتطوير حلول محلية تتناسب مع السياقات الخاصة لكل مجتمع على حدة، وتعزيز الوعي العام والقدرة التقنية لدى شعوب العالم كافة، لتمكين الناس من اتخاذ خياراتهم الخاصة، حول كيفية استخدام تلك التكنولوجيا الفارقة في المستقبل.
الكتاب، بمثابة “ناقوس خطر” للمجتمع الدولي للتحرك الآن، فلن يفي الذكاء الاصطناعي بوعوده المبذولة في سبيل بناء عالم أفضل، إلا إذا توقف مساره الحالي غير العادل، وتم فصله عن الهيمنة الإمبراطورية للدول المتقدمة. فالوصول إليه ليس عادلا؛ والمناطق الأكثر ثراء التي تُطوّر تقنياته ستستمر في التفوق على المناطق التي نشأت في مرحلة ما بعد الاستعمار. ونتيجة لذلك، سيعاني سكان العالم النامي أكثر من غيرهم من العمليات التي ينطوي عليها تطوير تلك التقنية فائقة الذكاء.
وتقول راشيل آدامز، إن رسالتها المركزية في “إمبراطورية الذكاء الاصطناعي الجديدة” هي أننا لسنا مُجبرين على قبول مسار التكنولوجيا الحالي كقدر محتوم، وأن استعادة السيطرة تتطلّب – أولا- الاعتراف بالظلم، ومن ثم العمل على تفكيك البنى الاستخراجية، وتخيّل مستقبل يكون فيه الذكاء الاصطناعي “مشاعا عالميا” يخدم الإنسانية جمعاء.



