من واشنطن إلى طهران… ثمانية كتب تكشف عن عالمنا المقترب من حافة الانفجار

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية بوتيرة غير مسبوقة، لم تعد الحروب مجرد أحداث عسكرية منفصلة، بل تحولت إلى ظواهر مركبة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والأيديولوجيا، وتتشابك عبرها مصائر الدول. وفي قلب هذا المشهد، يبرز الدور الأمريكي بوصفه عاملًا حاسمًا، تارةً كقوة تقود، وتارةً كقوة تتخبط في أزماتها الداخلية، وتارةً أخرى كفاعل يعيد إنتاج الفوضى بدلًا من احتوائها؛ وفي خضم هذا المشهد المتوتر، جاءت مجموعة من الإصدارات الفكرية الحديثة لتقدم قراءة أعمق لما يجري، كاشفةً عن أبعاد الدور الأمريكي، ليس فقط بوصفه فاعلًا مباشرًا، بل كقوة تُعيد صياغة قواعد اللعبة من خلف الستار أحيانًا مثل ما حدث في حرب غزة، ومباشرة من على الطاولة كثير من الأحيان مثل ما يحدث في حرب طهران حاليا.

ثمانية كتب حديثة جدا تقدم قراءة متعددة الزوايا لهذا العالم المضطرب التي تنوعت بين التحليل السياسي حول احتمالات حرب عالمية جديدة انطلاقا لما يحدث في ساحات الشرق الأوسط إلى تحولات الداخل الأمريكي، بل وحتى إلى جذور العنف في التاريخ الغربي ذاته. كما تشكل معًا خريطة فكرية لفهم ما وراء العناوين اليومية، حيث تتكامل أطروحاتها لتقدم سردية مركبة عن الحرب، تتجاوز الحدث إلى بنيته، وتغوص في ما تخفيه التصريحات الرسمية من حسابات أعمق.


 

حين يطرق التاريخ أبواب الحاضر… ملامح حرب عالمية تلوح في الأفق

تبدأ الرحلة مع كتابين يضعان الولايات المتحدة في مركز الحدث، ليس بوصفها طرفًا منحازًا فحسب، بل باعتبارها مهندسًا رئيسيًا لمسارات الصراع. يكشف الكتاب الأول كيف تحولت الاستراتيجية الأمريكية من سياسة “الاحتواء” إلى “إدارة الفوضى”، حيث لم يعد الهدف إنهاء النزاع، بل ضبط إيقاعه بما يخدم توازنات معينة في المنطقة.

ففي كتابه “عندما يعيد التاريخ نفسه.. حرب عام 2027؟ أوروبا في خطر”، يضع موريتز بولات القارئ أمام مشهد مقلق يعيد إلى الأذهان أجواء ثلاثينيات القرن الماضي. فالعالم، بحسب تحليله، يقف مرة أخرى على مفترق طرق، حيث يتآكل النظام الليبرالي، بينما تعيد الأنظمة الاستبدادية تسليح نفسها، في وقت يبدو فيه الغرب أضعف من أي وقت مضى. ومن خلال هذا التشخيص، يصل إلى استنتاج مفاده أن محور حرب جديد يتشكل، يضم روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران، مستفيدًا من الفراغ الاستراتيجي لفرض نظام عالمي يتجاوز مفاهيم الحرية والديمقراطية.

ويحذر بولات من أن الوقت يمر بسرعة، وأن نافذة الفرصة تضيق، مشيرًا إلى أن الفترة بين عامي 2027 و2030 قد تشهد لحظة حاسمة تحدد ما إذا كان العالم سينزلق إلى صراع عالمي جديد ذي طابع نظامي. وفي قلب هذا السيناريو، تبرز تايوان بوصفها أخطر بؤرة توتر، حيث قد يتحول أي تصعيد إلى مواجهة واسعة. ويعزز الكاتب تحليله عبر تتبع استراتيجيات القوى الكبرى، من نافذة التاريخ التي يتحرك عبرها شي جين بينغ، إلى الرؤية طويلة الأمد لفلاديمير بوتين الممتدة من دونباس إلى الجنوب العالمي، مرورًا بدور كوريا الشمالية وإيران كمشعلتين أيديولوجيتين في ظل القوى العظمى، وصولًا إلى الولايات المتحدة وأوروبا اللتين تبدوان ديمقراطيتين منقسمتين تعانيان من الشك الذاتي.

كما يطرح الكتاب ما يشبه “نظام إنذار مبكر”، من خلال الإشارة إلى التشابه المخيف بين مؤشرات عام 1939 وما يجري اليوم، من تصاعد الخطاب القومي، والمراجعة التاريخية، والحشد العسكري، والاستقطاب السياسي. وهي أنماط، كما يؤكد بولات، لا تعكس التاريخ فحسب، بل تشكل مؤشرًا على إمكانية تكراره.

وفي سياق موازٍ، يأتي كتاب “عالم في حالة اضطراب” لفرانسوا هنري ليقدم مقاربة مختلفة، لكنها لا تقل عمقًا، حيث ينقل القارئ إلى داخل إيران في رحلة استمرت أربعين يومًا في نهاية عام 2022. متأثرًا بتجربة الرحالة نيكولا بوفيه، يخوض الكاتب مغامرته الخاصة، لكنه يجد نفسه في قلب واقع مشحون، بعد وفاة مهسا أميني وما أعقبها من احتجاجات وقمع. وبين طهران والقرى النائية، وبين الاعتقال على يد الحرس الثوري والترحيل، تتكشف صورة بلدٍ يغلي تحت السطح، حيث تمتزج القسوة بالأمل، وتتحول الحرية إلى مطلب يومي يدفع الناس ثمنه باهظًا. ويتميز العمل بلغة آسرة وسرد حي، يجمع بين الحس الأدبي والبعد الإنساني، ليقدم صورة لبلد يقف على حافة الانفجار، حيث “لا يسعى الناس إلى شيء سوى الحرية”.


أمريكا المتأرجحة دائما … من نموذج ديمقراطي إلى قوة مقلقة

إذا كان الخارج يعكس التوتر، فإن الداخل الأمريكي يكشف عن جذوره العميقة. يتناول كتاب “أمريكا العدو الجديد.. ترامب ليس سوى البداية”، يقدم توبياس إندلر قراءة مثيرة للجدل، يرى فيها أن دونالد ترامب ليس حالة شاذة، بل نموذج أولي لمرحلة سياسية جديدة تتسم بعدم القدرة على التنبؤ، وتعمل على تغيير المعايير وتشكيك القيم الغربية. ووفق هذا التصور، تدخل الولايات المتحدة مرحلة تتحول فيها إلى قوة عظمى لا تخضع لأي رقابة، ما يجعلها خطرًا استراتيجيًا وأيديولوجيًا وعسكريًا على أوروبا، ويهدد بتقسيم المجتمعات وإضعاف الديمقراطيات، حيث تصبح القسوة السياسية معيارًا للنجاح.

ويتقاطع هذا التحليل مع ما يقدمه ساشا أبرامسكي في كتاب “نهاية أمريكا.. كيف يدمر ترامب وماسك ودوج إمبراطورية الرأسمالية”، الذي يتتبع قصة أحد عشر موظفًا فيدراليًا عبر ثماني وكالات حكومية، منذ لحظة إبلاغهم بفصلهم في الأسابيع الأولى من ولاية ترامب الثانية وحتى صيف 2025. ومن خلال هذه القصص، يرسم الكاتب صورة لأمريكا تمر بأزمة عميقة، حيث أدت سياسات التخفيضات الجذرية، التي نُفذت بدعم من إيلون ماسك ووزارة كفاءة الحكومة، إلى مأساة متسلسلة طالت مئات الآلاف، وأضعفت قدرة الملايين على الوصول إلى الخدمات الأساسية. ويقدم الكتاب سردًا دقيقًا لكيفية تحول هذه السياسات إلى عامل إضعاف للدولة، تاركةً خلفها مشهدًا يوصف بأنه مفلس أخلاقيًا. إنه أول كتاب يروي بالتفصيل كيف أدت هذه التخفيضات إلى إضعاف مدينتنا على التل وتجريدها من ثرواتها، تاركةً وراءها هذا المشهد الرهيب.


الشرق الأوسط في زمن الفوضى… حروب تُدار باسم السلام

 

في قلب الشرق الأوسط، تتجسد نتائج هذه التحولات بوضوح، كما يكشف كتاب “الحروب في عهد ترامب.. كشف ادعاءات السلام المزيفة” لباتريك كوكبيرن، الذي يقدم شهادة ميدانية حية من قلب الصراعات. فمن مقابلاته مع عراقيين محاصرين في الموصل، إلى أصوات الرصاص التي سمعها في بغداد، ومن تدمير الرقة وعفرين والغوطة الشرقية، إلى التطهير العرقي للأكراد في شمال شرق سوريا، يرسم الكاتب صورة واقعية لنهاية خلافة داعش، والهزائم المتتالية للأكراد، وتصاعد المواجهة الأمريكية مع إيران، التي بلغت ذروتها باغتيال قاسم سليماني.

ويفند كوكبيرن ادعاء ترامب بأنه سيضع حدًا للحروب “الفوضوية”، موضحًا أن سياساته لم تُنهِ هذه الحروب، بل أضافت إليها قدرًا أكبر من الفوضى وعدم القدرة على التنبؤ. وفي الإطار ذاته، يقدم كتاب “التحديث السنوي للسياسة الأمريكية 2026” لأنتوني ج. بينيت قراءة تحليلية للسنة الأولى من ولاية ترامب الثانية، بوصفها فترة استثنائية ومثيرة للجدل، حيث استُخدمت الصلاحيات الرسمية وغير الرسمية لتحقيق أجندة سياسية بضوابط أقل. ويتناول الكتاب تأثير ذلك على الأوامر التنفيذية، والتعيينات الوزارية، والعفو، والخطاب السياسي، فضلًا عن انعكاساته على الكونغرس والمحكمة العليا والنظام الفيدرالي، واستشرافه لانتخابات التجديد النصفي، مع إعادة طرح النقاش حول طبيعة الرئاسة الأمريكية. متسائلًا عن شكل الشرق الأوسط الجديد، وكيف يمكن أن تعيد هذه الحرب رسم خرائط النفوذ، ليس فقط بين الدول، بل داخلها أيضًا. ومن خلال قراءة معمقة للمتغيرات الاقتصادية والديموغرافية، يطرح تصورًا لمستقبل قد يكون أكثر تعقيدًا مما يبدو.


من السلاح إلى الأدب… تجليات القوة وأزمات الهوية الغربية

تختتم هذه الرحلة الفكرية بكتابين ينقلان النقاش من الحاضر إلى المستقبل، حيث يحاولان استشراف ما يمكن أن تؤول إليه الأمور في ظل استمرار التصعيد. يقدم أحدهما سيناريوهات متعددة لنهاية الصراع، تتراوح بين التسوية السياسية الهشة والانفجار الإقليمي الواسع، مع تحليل دقيق للعوامل التي قد تدفع في أي من الاتجاهين.

يمتد التحليل إلى أدوات القوة نفسها، كما في كتاب “فضائح إف-35 – مقاتلات أمريكية عديمة الفائدة” لبيير آلان فريديز، الذي يكشف عن سلسلة من التناقضات في صفقة شراء هذه الطائرات، التي رُوج لها باعتبارها مثالية، لكنها لا تلبي الاحتياجات الفعلية، ولا تزال قيد التطوير، مع توقع تكاليف إضافية بمليارات الدولارات. ويشير الكتاب إلى أن هذه الطائرات، المصممة لشن هجمات مفاجئة في عمق أراضي العدو، تعاني من قيود في التخفي في وقت السلم، وبطء وثقل يحدان من فعاليتها في الدفاع الجوي، ما يجعل الصفقة برمتها أقرب إلى كارثة مالية وسياسية.

وفي مستوى آخر، تقدم رواية “الغرب المتوحش” لمارك جارمان أنتوني معالجة أدبية لجذور العنف في الغرب الأمريكي خلال القرن التاسع عشر، حيث يتتبع الكاتب رحلة بطل مجهول الاسم، يتحول إلى أداة في يد قوى أكبر، ويخوض حياة قاسية بين القتال والعمل الشاق، ساعيًا للبقاء في عالم فوضوي. ومن خلال هذا السرد، ينبض الجنون والوحشية في كل سطر، لتطرح الرواية تساؤلات عميقة حول الهوية والسلطة، وتقدم قراءة رمزية تمتد من الماضي إلى الحاضر، وتدفع القارئ لإعادة التفكير في معنى “الغرب” ذاته.


عالم يتغير… وكتب تحاول الإمساك بمعناه

في النهاية، تكشف هذه الكتب، على اختلاف زواياها، عن عالم يقف على حافة تحول كبير، حيث تتقاطع الأزمات الداخلية مع الصراعات الخارجية، وتتداخل السياسة مع السرد، والقوة مع الهشاشة. إنها ليست مجرد قراءات لأحداث راهنة، بل محاولات لفهم زمن مضطرب، حيث لم يعد السؤال مقتصرًا على ما يحدث الآن، بل يمتد إلى ما قد يحدث غدًا، في عالم لم يعد يشبه ما كان عليه بالأمس.

وبين التحليل السياسي، والتفكيك الإعلامي، واستشراف المستقبل، تتشكل أمامنا لوحة متكاملة لحرب لا تزال فصولها تُكتب، ليس فقط في ميادين القتال، بل أيضًا في عقول من يحاولون فهمها؛ وهنا، تتقاطع خلاصات الكتب في فكرة محورية: أن ما يجري اليوم ليس نهاية مرحلة، بل بداية أخرى، قد تحمل في طياتها تحولات أعمق مما شهدته المنطقة خلال العقود الماضية.

Post tags :

شارك المقالة علي ...

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Email