في أوائل عام 2018، أصيبت الأوساط الأدبية العالمية بحالة من الصدمة حينما نشر الكاتب الأمريكي المعروف روبن سلون أول رواية في تاريخ الأدب، مكتوبة بالكامل باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي. الرواية فتحت الباب وقتها لجدال واسع النطاق في الصحف، وبين الجمهور، وأثارت تخوّفات مُعتبرة حول مصير قدرة البشر الإبداعية، إذا ما اقتحمت الآلات عالم الأدب، فما الذي سيتبقى للجنس البشري؟
كانت الفكرة التي نفذّها الكاتب بنفسه، هي تزويد برنامج الذكاء المُصطنع بأعمال أشهر المؤلفين الكلاسيكيين الأمريكان، أمثال إرنست هيمنغواي وجون شتاينبك وسكوت فيتزجيرالد وغيرهم. وبعد انتهاء البرمجة، كتب روبن سلون بنفسه مفتتح الرواية من عبارة واحدة، على سبيل التحفير للآلة، وهي: “اجتمعت ثيران البيسون الأمريكية في أرجاء الوادي”. ثم ضغط على الزر، فجاءته الصياغة الكاملة للعبارة هكذا: “اجتمعت ثيران البيسون الأمريكية في أرجاء الوادي على مقربة من السماء الجرداء”. وهي بداية موفقة لرواية كلاسيكية من الطراز الأول!
والفكرة الأساسية لاستخدام الذكاء الاصطناعي عموماً، في إنتاج نص أدبي، أو مقال صحفي، أنه يُزوَّد بأكبر قدر من النصوص والكتب والمقالات والقصائد، لكي يعلّم نفسه أنماط الكتابة في كل نوع على حدة. ومن ثم، يستطيع الكتابة تلقائياً باستخدام خوارزميات مُعينة لإنشاء محتوى جديد، يُحاكي أنماط الكتابة المُبرمجة.
وكتاب “First Encounters with AI: Writers on Writing“، أو “تجارب أولى مع الذكاء الاصطناعي: كُتّاب يتحدّثون عن الكتابة”، واحد من أهم الكتب الصادرة مؤخرا، فهو بمثابة استكشاف أدبي وثقافي لواحدة من أكثر القضايا إلحاحاً على الأوساط الأدبية العالمية في عصرنا الحالي: ماذا يحدث للكتابة عندما لا يعود استخدام اللغة حكراً على البشر؟

الكتاب الذي أشرفت عليه وحررته الباحثة الأمريكية نينا بيغوش، المحاضرة في جامعة “كاليفورنيا- بيركلي”، يضم شهادات لسبعة عشر كاتبًا وصحفيا مرموقًا من مختلف أنحاء العالم، يتأملون فيها تجاربهم الأولى والعميقة مع الكتابة بواسطة الذكاء الاصطناعي، أو ما يُطلق عليه “النصوص التوليدية”.
تتراوح الشهادات الواردة في هذا الكتاب، بين تأملاتٍ شخصية عميقة واستفزازاتٍ نقدية، ومن دراساتٍ فلسفية إلى تجاربٍ مرحة، ليكشف المشاركون من الأدباء والصحفيين كيف تُشكّل أدوات “الكتابة الآلية” أسلوب الكاتب نفسه، وما هو على المحك عندما تبدأ هذه الأدوات في تقليد البشر، وكتابة المقالات والروايات التي قد لا يستطيع القارئ العادي اكتشاف أنها مكتوبة – من الألف إلى الياء- بواسطة الكمبيوتر!
قصص قديمة بطرق جديدة
شهد العالم في الأعوام الأخيرة تحوّلات متسارعة في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي. ولم يكن الأدب بمنأى عن هذه التحولات. ولعل الرواية، بوصفها الشكل الأبرز للسرد الطويل والتأمل العميق في الذات والعالم، باتت اليوم في قلب مواجهة فكرية وجمالية جديدة من نوعها على الأدب العالمي.
وأثار الأدب الناتج عن الذكاء الاصطناعي ردود فعل متباينة بين النقاد والجمهور. ففي حين يرى البعض فيه أفقاً جديداً يفتح أبواباً لصيغ أدبية غير مسبوقة، يتبنى آخرون موقفاً أكثر تشككاً، رافضين ما يعتبرونه تراجعاً في العمق والأصالة. إذ يساورهم القلق من افتقار هذه النصوص إلى القدرة على خلق صدى عاطفي حقيقي، أو أنها لا تقدم فهما عميقاً للتجارب البشرية المستمدة من الحياة نفسها.
ويشدد هؤلاء النقاد على أن الذكاء الاصطناعي، رغم تمكنه من محاكاة الهياكل والأنماط الأدبية، قد يظل بعيداً عن الإبداع الحقيقي، ولن يستطيع تقديم أعمال ذات بصيرة فريدة كما يفعل الكاتب البشري. ورغم ذلك، هناك من يرى أن الأنظمة المتطورة للتعلم العميق قد تقترب يوماً ما من محاكاة التجارب العاطفية الحقيقية، ربما أكثر مما نتوقع.
ومع تطور تطبيقات الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة، ظهر في الغرب نموذجان رئيسيّان للتعامل مع ذلك النوع الجديد من الأدب الذي تنتجه الخوارزميات، يقعان على طرفي نقيض في درجة التدخل البشري. الأول يتعامل مع هذا الذكاء باعتباره كياناً إبداعياً شبه مستقل، فيما يرى فيه النموذج الثاني مجرد “أداةً مساعدة” للأدباء في الإنتاج والتطوير.
ولكن الأمر لم يخل من أحداث دراماتيكية أحيانا، فقد اضطرت مجلة “أدب الخيال العلمي” الأمريكية التي تعود جذورها إلى عام 1946، إلى الإغلاق المؤقت في يوليو 2023 للتعامل مع “هجمة من القصص المولدة بالذكاء الاصطناعي”.
وبظهور نماذج لغوية قادرة على “توليد نصوص” طويلة تحمل صفات تنظيمية ومنطقية مشابهة لما يكتبه الإنسان، أصبح سؤال الكتابة ملحاً ومركزياً أكثر من أي وقت مضى: هل بإمكان الآلة أن تكتب أدبا حقيقيا؟ وإذا كتبته، فهل يكون أدبا أصيلا؟ وما الذي يتغيّر في فعل الكتابة حين يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من عملية الإبداع؟

وفي شهادة بعنوان “لماذا لن يجعل الذكاء الاصطناعي صنع الفن أمراً سهلاً؟”، يرى الكاتب تيد شيانج، أن جوهر الفن هو “اتخاذ آلاف القرارات الواعية” التي تعبّر عن نية الفنان، وتتصارع في عقله الباطن، بينما الذكاء الاصطناعي يقوم بـ “أتمتة” هذه الخيارات وتسهيلها. هذا التسهيل يقللّ من قيمة العمل الفني، لأن الجهد والنية هما ما يمنح النص معناه الإنساني العميق، وبدونهما يصبح الفن مجرد منتج ميكانيكي بلا روح.
وتستعرض الكاتبة أليسون باريش، الفجوة بين قدرة الآلة على معالجة البيانات وافتقارها التام لـ “الرغبة” أو “الدافع” الذي يحرك الكتابة البشرية. فالنماذج اللغوية تحاكي الأنماط الإحصائية فقط، بينما تنبع الكتابة الحقيقية من جسد واحتياجات وتجارب حياتية تجعل الكلمات وسيلة تواصل إنسانية، لا تستطيع الخوارزميات محاكاتها بنفس الصدق والأصالة.
ومن المهم، وفق الكاتبة، التذكير بأن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك نفس مستوى الإبداع والعمق العاطفي الذي يتمتع به الكُتّاب البشريون. فقد يتمكن من إنتاج محتوى مكتوب بأسلوب تقني جيد، لكنه سيفتقر – على الأرجح- إلى المنظور الفريد واللمسة الشخصية التي تميّز الكتابة البشرية.
هل تصبح “الكتابة للجميع”؟
على النقيض من ذلك، يتناول الكاتب كين ليو في شهادته ضمن الكتاب، تاريخ الأدب باعتباره عملية مستمرة من “النسخ والتحويل”، وليس مجرد أصالة مطلقة، معتبرا أن الذكاء الاصطناعي هو أداة متطورة في هذا السياق، وأن الإبداع الحقيقي يكمن في كيفية استخدامنا لهذه “الآلات الناسخة” لإعادة صياغة القصص القديمة بطرق جديدة، مع التأكيد على أن القيمة تظل في “التنسيق البشري” للمواد المولدة.
وتناقش الكاتبة أنيليس غيلمان، فكرة “الاستغناء” عن الفنان في عصر الذكاء الاصطناعي، لكنها تقلب الطاولة لتتساءل عن ماهية العمل الإبداعي حين تصبح الكتابة مُتاحة للجميع. وترى أن الذكاء الاصطناعي لا يقتل الفنان، بل ينهي أسطورة “المبدع الوحيد”، ما يفتح الباب لأنواع جديدة من التعاون الهجين بين العقل البشري والقدرة الحاسوبية.
مع ذلك، يعتقد العديد من الخبراء أن الذكاء الاصطناعي سيسهم في تعزيز عمل الكُتّاب البشريين، بدلاً من استبدالهم. فمن خلال تزويد الكتّاب بأدوات لـ “أتمتة” بعض المهام، كالبحث وتحليل البيانات، سيوفر لهم مزيداً من الوقت، للتركيز على الجوانب الإبداعية لأعمالهم.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لمساعدة الكُتّاب على تحسين جودة أعمالهم. فعلى سبيل المثال، يمكن استخدام نماذج اللغة المدعومة بالذكاء الآلي للتحقق من القواعد النحوية والإملائية، أو لتقديم اقتراحات لكلمات بديلة. وهذا من شأنه أن يوفر على الكُتّاب وقتًا ثمينًا، ويساعدهم على إنتاج أعمال أكثر إتقانًا واحترافية.
وبشكل عام، من الواضح أن الذكاء الاصطناعي سيُحدث تأثيرًا كبيرًا في مجال الكتابة. ورغم ما قد يفرضه من تحديات، فإنه سيوفر أيضًا فرصًا وأدوات جديدة للكتاب لتحسين أعمالهم. وكما هو الحال مع أي تقنية جديدة، يكمن المفتاح في التكيف وإيجاد طريقة لاستخدامه، بما يُكمّل نقاط القوة الفريدة للكُتّاب البشريين ويُعززها يوما بعد يوم.
ومع استمرار تطور تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، من المرجح أن يصبح دوره في الأدب أكثر بروزًا. ومع ذلك، من المهم التعامل مع هذا التطور بحذر، والتأكد من أنه يُستخدم بطريقة تُكمل وتعزز الإبداع البشري، بدلًا من استبداله. وذلك من خلال تحقيق التوازن بين الأصالة والابتكار. يُمكننا تسخير إمكانات الذكاء الاصطناعي لإثراء المشهد الأدبي، مع الحفاظ على الأصوات والوجهات الفريدة التي تجعل الأدب ذا قيمة حقيقية للبشر.



