هل تُنهي شركات التكنولوجيا العالمية أسطورة “وادي السيليكون”؟
تستحوذ الولايات المتحدة على نصيب الأسد، كـ “بلد منشأ” لمعظم المخترعات والتقنيات التي تُشكّل طابع الحياة العصرية في عالمنا اليوم، ومن بينها الحواسيب الشخصية، وأنظمة التشغيل، والهواتف الذكية، والتجارة الإلكترونية، ومتصفحات الإنترنت، والبريد الإلكتروني، ومحركات البحث، وشبكات التواصل الاجتماعي، والسيارات الكهربائية، وغيرها. كما أن معظم شركات التكنولوجيا التي ابتكرت هذه التقنيات، وحققت منها أرباحًا طائلة، موجود في “وادي السيليكون” الأمريكي.
وفي هذا الكتاب “الجغرافيا الجديدة للابتكار.. السباق العالمي للتقنيات الرائدة“، يتساءل مهران جول، الباحث في مجال التكنولوجيا وريادة الأعمال، عبر استكشاف رائد للمشهد المتغيّر لمشهد الابتكار التكنولوجي: هل يتغيّر هذا الوضع؟
يقول جول، إنه قبل أقل من عقد من الزمان، كان يُنظر إلى شركات التكنولوجيا الصينية والهند في الولايات المتحدة والعالم باستخفاف شديد. أمّا الآن، فقد دقّت “أجراس الإنذار”، من أنه سيأتي يوم تسيطر فيه هذه الشركات على سوق التكنولوجيا في العالم، متحدية بذلك هيمنة “وادي السيليكون” التقليدية.
يحكي كتاب “الجغرافيا الجديدة للابتكار”، قصة صعود شركات التكنولوجيا الحديثة من مختلف أنحاء العالم، من خلال دراسات حالة مميزة من دول مختلفة. ويركز الكتاب على أسئلة الابتكار: لماذا تشهد بعض المناطق تقدماً تكنولوجياً مفاجئاً، وكيف أصبح هذا الأمر منافسة عالمية؟

نهاية “الهيمنة” الأمريكية
على مدار خمسين عاماً، دأب “وادي السيليكون” على ابتكار تقنيات جديدة وتطوير شركات تقنية سريعة النمو وعالية القيمة، تتجاوز قيمتها مئات المليارات من الدولارات، مثل “آبل، وفيسبوك/ميتا، ومايكروسوفت، وجوجل”. ورسّخت شركات كهذه، مكانة “الوادي” كمركز لأسرع عملية لتكوين الثروة في تاريخ البشرية.
“وادي السيليكون” لم يكن أبداً ذلك العالم المثالي الذي ادّعاه الإعلام الأمريكي، بل هو مكان تُهيمن عليه نزعات فردانية متطرفة تُقدّم الربح على أي قيمة أخرى. فقد استغل رواد التكنولوجيا، مثل مارك زوكربيرج ولاري بيج، ثغرات قانونية وثقة جماهيرية، ليبنوا إمبراطوريات قائمة على استغلال البيانات الشخصية للمستخدمين.
غير أن العالم بدأ يتمرد على هذه الهيمنة الأمريكية في قطاع التكنولوجيا، حيث يتتبع المؤلف التحوّل من نظام كانت فيه العديد من المنتجات تُصمم في الولايات المتحدة، وتُجمع في الصين أو تايوان، إلى نظام آخر تنشأ فيه شركات بمليارات الدولارات في أماكن مثل الصين، وكوريا، وسنغافورة، والهند. وهو ما سوف يُغير في نهاية المطاف ملامح الاقتصاد العالمي.
لم يتوقف الأمر عند دول شرق آسيا، ففي تطور متسارع لصراع كسر الهيمنة التكنولوجية الأمريكية وعمالقة “وادي السيليكون”، قرر البرلمان الأوروبي مؤخرا حظر أدوات الذكاء الاصطناعي على أجهزة أعضائه وموظفيه، بسبب مخاوف تتعلق بالأمن السيبراني، لاسيما مع استخدامها خدمات الحوسبة السحابية لأداء المهام، وإرسالها البيانات إلى خوادم موجودة خارج نطاق دوله.
جاء هذا القرار بعد قرار المفوضية الأوروبية فتح تحقيق موسع ضد شركة “جوجل” الأمريكية، في إطار ما اعتبرته “مكافحة الاحتكار عبر الإنترنت”، لافتةً إلى وجود مخاوف من هيمنة العملاق التكنولوجي على السوق وممارسات التسعير في الاتحاد الأوروبي، في ظل احتكار الأدوات التكنولوجية الحديثة.
وهناك تطورات متلاحقة تتخذها أوروبا للتخلص الفعلي من التكنولوجيا الأمريكية، حيث أعلنت فرنسا أنها ستنهي استخدام الحكومة لبرنامجي Zoom /Teams لصالح منتج محلي، كما أن مشروع “SecNumCloud” الفرنسي سيحظر فعلياً شركات الحوسبة السحابية الأمريكية التي تخدم القطاعات الحيوية في البلاد.
تسعى أوروبا لسلوك نفس مسار الصين في تقليص اعتمادها على التكنولوجيا الأمريكية، عبر وجود بيئة سياسية قوية تُجبر فعلياً ليس فقط الوكالات الحكومية، بل القطاع الخاص أيضاً على استخدام بدائل محلية، هذا بجانب توفير تكنولوجيا قابلة للاستخدام وقابلة للتوسع.
الآن، من لعبة “كلاش أوف كلانس” الفنلندية، إلى سنغافورة وألمانيا وكوريا والصين وسويسرا، يضم العالم الحديث عددًا أكبر من شركات التكنولوجيا عالية القيمة أكثر من أي وقت مضى، وهي تنمو بوتيرة أسرع بكثير، وفي أماكن أكثر تنوعًا من أي وقت مضى، مستشهداً بنماذج مثل “سامسونج” في كوريا الجنوبية، و”سبوتيفاي” في السويد، و”أرم” في المملكة المتحدة.
ويرصد جول، ما يسمّيه “الابتكار العكسي“. فلم تعد الأفكار تتدفق من الغرب للشرق فقط، كما كان الحال في الماضي القريب، بل أصبحت الحلول المبتكرة في نيجيريا أو إندونيسيا تُلهم المطورين في أمريكا وأوروبا.

مخاطر “الفاشية التقنية”
تثير توجهات “وادي السيليكون” السياسية جدلاً متزايدًا، حيث يتجه قطاع التكنولوجيا نحو اليمين المحافظ، ما يعيد إلى الأذهان حقبة التسعينيات، حين برزت مخاوف من “الفاشية التقنية”. اليوم، مع دخول قطاع التكنولوجيا مرحلة جديدة في ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثانية، يبدو أن الاتجاه اليميني يزداد تجذرًا، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل القطاع ودوره في تشكيل التوجهات السياسية العالمية.
وعمل جيل جديد من رواد الأعمال، مثل إيلون ماسك وبيتر ثيل، على تعزيز الرؤية اليمينية للعالم داخل “وادي السيليكون”. ومع توسع النفوذ الاقتصادي لهذه الشخصيات، بات تأثيرها السياسي يزداد بشكل واضح، إذ أصبح دعمها للأحزاب والتيارات المحافظة أكثر علانيةً.
وتشير التحليلات إلى أن “الوادي” لم يعد مجرد مركز للابتكار التكنولوجي، بل أصبح لاعبًا سياسيًا فاعلًا، قادرًا على التأثير في الانتخابات والسياسات العامة من خلال استخدام المنصات الرقمية والترويج لأيديولوجيات محافظة جديدة.
ويبدو أن التحول نحو اليمين في “وادي السيليكون” ليس مجرد ظاهرة مؤقتة، بل هو اتجاه آخذ في الترسخ. فمع استمرار الشركات الكبرى في توسيع نفوذها، وتعزيز العلاقات مع صناع القرار السياسي، من المتوقع أن تتعزز سياسات أكثر محافظة في قطاع التكنولوجيا العالمي.
يتجاوز الأمر إذن كونه “منافسة تكنولوجية” إلى آفاق أبعد، إذ يقف العالم اليوم على أعتاب تحولات كبرى غير مسبوقة، بعدما أصبح قادة “وادي السيليكون” جزءاً أساسياً من معادلة السلطة في العالم اليوم، ولم يعد بالإمكان فهم الأحداث الكبرى دون أخذ البُعد الرقمي في الحسبان. ويمكن أن نشهد إعادة صياغة هياكل السلطة التقليدية الأمريكية لتصبح أكثر ارتباطاً بالذكاء الاصطناعي، والبيانات الكبرى والحلول التكنولوجية.
من جهة أخرى، يتحسب الكاتب من أن الجغرافيا السياسية في الدول التي تشهد نهضة تكنولوجية، جغرافيا متقلبة، ويقترح ألا يضع المستثمر كل رهاناته في سوق ناشئ واحد. ويرى أن القوة تكمن في الاستثمار في شركات لها طموح إقليمي. مثلاً تنطلق شركة من مصر لتخدم منطقة الشرق الأوسط، أو من كينيا لتخدم شرق أفريقيا، ما يقلل من مخاطر تقلبات العملة أو السياسة في بلد واحد.
ويجادل المؤلف بأن نجاح أي منطقة في الابتكار لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل على مزيج من المواهب، والمؤسسات التعليمية، ورؤوس الأموال، والثقافة المحلية. ويخلص إلى أن “السباق العالمي للتكنولوجيا” لم يعد تدور حول “من لديه التكنولوجيا الأفضل” فقط، بل حول “من لديه المنظومة الأكثر انفتاحاً وجذباً للمواهب”، كما هو الحال في دولة مثل الهند.
لذلك، وضمن تقييمات الكتاب، أثنى النقاد على شجاعة جول في الاعتراف بأن التكنولوجيا ليست مجرد “أكواد”، بل هي أداة قوة جيوسياسية، وهو ما جعل الكتاب يتجاوز كونه كتاباً في مستقبل التكنولوجيا، ليكون كتاباً في “السياسة الدولية”.
ولكن بعض النقاد، رأى أن الكتاب قد يكون “متفائلاً جداً” بشأن قدرة بعض المناطق الناشئة على كسر احتكار الكبار، مشيرين إلى أن الفجوة التكنولوجية ما زالت عميقة جداً وتحتاج إلى سنوات طويلة من العمل لسدّها، وكسر “هيمنة وادي السيليكون” حقا.



