صناعة الطغيان بعبوات انتخابية..
قراءة في أطروحة جون كين حول الديمقراطيات المتآكلة

في كتابه الجديد كتاب “الديماغوجيون والمستبدون.. ديمقراطيات على حافة الهاوية” يواصل المفكر السياسي الأسترالي جون كين قراءته المرعبة لاقتصاديات القوة في القرن الحادي والعشرين، ويرسم خريطة لصناعة جديدة من الطغيان لم تعد تُختزل في الصور التقليدية للدكتاتورية أو الحكم العسكري، بل تُقدَّم في عبوات ديمقراطية مزيفة ومكررة.
يُصدر الكتاب عن دار هيرست في المملكة المتحدة بعنوان فرعي «Democracies on the Brink»، في محاولة لتذكير القارئ بأن الديمقراطية والطغيان لا يعيشان في عالمين منفصلين، بل يسيران على مقربة شديدة من بعضهما، وغالبًا ما يتقاطع الطريق بينهما في أماكن لا تتوقعها الأنظمة ذاتها أو الرأي العام.
تُعدّ هذه الفكرة حجر الأساس الذي يُبنى عليه السرد الكيني: أن الديمقراطية لا تُختزل في صندوق الاقتراع أو المؤسسات الدستورية الرسمية، وأن الطغيان لا يعود بالضرورة إلى العصا والسجن، بل إلى القدرة على التحكم في العقول والمشاعر عبر شبكة معقدة من المخادعات القانونية والسياسية واللغوية.
ديماغوجية وطغيان مستتر
ينطلق كين من فرضية مركزية تُعد في صلب مشروعه الفكري الأوسع: أن الديمقراطية لا تُختزل في صندوق انتخابي أو في مؤسسات برلمانية شكلية، بل هي فعل جماعي مستمر في رفض سلطة غير خاضعة للمساءلة. يؤكد أن الديماغوجيين الذين يُنتَخبون بطائرات ديمقراطية هم في الحقيقة مستبِدون في طور التكوين، وأن المستبِدين ليسوا إلا تجسيدًا لما يطمح إليه الديماغوجي عندما يُفلت من أي قيد مؤسسي أو اجتماعي.
يدور كتابه حول هذا التداخل الخطر بين الديماغوجية والطغيان، ليشكّل جوهر الخطر الحالي: أن الديمقراطيات التي تُقدَّم على أنها حرة وعادلة تُمارَس في ظلها كل أشكال التلاعب – من تزوير الاقتراع، إلى التغرير القانوني، فضلاً عن الفساد والكذب المنظّم وتوظيف خطاب “العدو” لضمان البقاء في السلطة، في الوقت الذي يُسوّق فيه أصحاب هذه القيادات أنفسهم باستمرار كأصوات الشعب والمنقذ الحقيقي للاستقرار أو الوطن.
التمييز بين الطغيان التقليدي والطغيان الجديد
في كتابه السابق The New Despotism سبق لكين أن طوّر مفهومًا يُسميه “الطغيان الذكي” أو “الديكتاتورية المزيفة كديمقراطية“، وهو المفهوم الذي يُكمله الآن في الديماغوجيون والمستبدون من خلال تحليل قيادات معاصرة أمثال دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، وغيرها من النماذج في روسيا وإيران والسعودية، ودول أوروبية مثل المجر.
يُشدد كين على أن الطغيان الجديد لا يعتمد بشكل حصري على الخوف أو العنف المباشر، بل يعتمد على ما يُسميه “الاستعباد الطوعي“، أي أن الأفراد يُصبحون شركاء في تأسيس نظام استبدادي، لا ضحاياه فقط، عبر موافقتهم الصامتة أو الحماسية على تقييد حرياتهم تحت شعارات “الاستقرار” و”الأمن” و”الوحدة الوطنية“.
يُمارس هذا الطغيان الجديد أدوات شكلية ديمقراطية، من الانتخابات المهندسة، إلى الأحزاب ذاتية التمويل، وبرلمانات تُقرّ كل ما يُقدَّم إليها، ومحاكم تُستخدم لتصفية الحسابات، مع الحفاظ على واجهة دستورية مُبهّرة، بحيث يُصبح من الصعب للوهلة الأولى التمييز بين “ديمقراطية سقيمة” و”ديمقراطية ميتة“.
أحد المفاجآت في فكر كين في هذا الكتاب هو تركيزه على أن المستبِدين الجدد لا يتحركون فرادى، بل يُصيرون من أنفسهم أجسامًا زائرة في شبكة عالمية، يتعاونون فيها عبر تبادل سريّ أو معلن للخبرات والموارد.
يشير إلى أن المستبِدين “يصطادون في مجموعات“، بمعنى أنهم يتعلمون من تجارب بعضهم، ويدعمون بعضهم في المحافل الدولية، ويعززون بعضهم في الإعلام عبر تضخيم صور النجاح النسبي – الاستقرار، النمو، القوة العسكرية – مقابل صورة الضعف الديمقراطي في الغرب.
تتداخل في هذه الشبكات أشكال مختلفة من التعاون: من تبادل الخبرات في مجالات المراقبة والرقابة على الإنترنت، إلى بناء تحالفات اقتصادية وعسكرية تُعزز من هامش الحركة لكل دولة، وتجعل من العقوبات الغربية أداة محدودة الفعالية.
بذلك يصبح الطغيان في عصرنا ظاهرة تعاونية، لا تُختزل في حدود دولة واحدة، بل تشكل نوعًا من البيئة السياسية المعاكسة للديمقراطية، تُغذيها من داخل النظام الديمقراطي نفسه عبر التجارب المرّة والانقسامات والخيبة، ثم التبرير بأن الاستبداد المُنظَّم أخفّ وطأة من الفوضى الديمقراطية.
في ثنايا كتابه يطرح كين سؤالًا جوهريًا: ما الذي يُميز الديمقراطية حقيقةً؟ وما الذي يُبقيها قادرة على التشبّه بذاتها في عصر الزيف المعلوماتي والسياسية الاستعراضية؟ يجادل بأن الديمقراطية لا تُختزل في صورة السلطة الشعبية عبر الانتخابات الحرة والعادلة، بل إنها فعل جماعي منتظم يرفض فكرة أن السلطة المطلقة آمنة أو مقبولة، بصرف النظر عن هوية صاحبها أو عنوانه السياسي. وفقًا لكين، الديمقراطية تُعنى في جوهرها برفض أي شكل من أشكال السلطات غير المُساءَلة، وببناء مؤسسات رصد ومراقبة قوية، من وسائل الإعلام المستقلة، ومجتمعات مدنية نشيطة، ومحاكم غير مسيّسة، وتشريعات تُفصّل حق التظاهر والانتقاد والاختلاف.
يُصبح الديماغوجي الذي يُنظّم المسيرات الكبيرة ويُصدّر شعارات الوحدة الوطنية والخلاص من الفساد تجسيدًا للخطر على الديمقراطية، لأن أسلوبه يُحاول تحويل الاختلاف القانوني إلى خيانة وطنية، وتحويل النقاش إلى حرب نفسية، وتحويل مؤسسات الرقابة إلى أدوات عدائية يجب تفكيكها أو تجفيفها. في هذا السياق، يُصبح الديماغوجي جسرًا طبيعيًا نحو الطغيان، ليس لأنه يُغيّر الأسلوب فجأة، بل لأنه يُستخدم آلية الديمقراطية لتهوين مخاطرها وتفكيك رصيدها الأخلاقي والمؤسسي.
أنماط التلاعب الديمقراطية: من الكذب إلى تزوير الاقتراع
يستعرض كين في كتابه عشرات الأمثلة على الكيفية التي تُحوّل بها الديماغوجية إلى طغيان مُمنهج، عبر ما يُمكن أن يُسمى محترفين سياسيين للخداع يُجيدون التلاعب بالثلاثي: الخطاب، القانون، الاقتصاد.
يركز على أنواع من التلاعب تندرج في ما يُسميه “الكذب المُسلّح” أو الكذب السياسي المنظّم، حيث تُستخدم الصور المختارة، والبيانات المنقوصة، والمقالات المأجورة، لخلق نسخة موازية من الواقع، تُنسب إلى الشعب أو الرأي العام. تُضخَّم الأخطار عبر ترسخ قصص “العدو” الداخلي – الشباب، بعض الأقليات، منظمات المجتمع المدني، وسائل الإعلام – بوصفها مصدرًا للخطر لا للحوار. يُعاد تشكيل السياق الإعلامي والاجتماعي لجعل المعارضة تبدو وكأنها تدميرية، والمساومة تبدو كخيانة، والانتقاد تبدو كعداؤه.
أما على مستوى القانون، فيشير كين إلى أن المستبِدين الجدد يُجيدون الحكم من خلال القانون بدل الحكم وفق القانون، فيخلقون قوانين تُعزز من سلطتهم، وتُضعف من قدرة الخصوم على المواجهة، وغالبًا ما تُبرر هذه الخطوات باسم الاستقرار أو النظام أو مكافحة الإرهاب والفساد. تُستخدم الآليات الدستورية لتصفية الخصوم، وتقييد حرية التعبير، وفرض حالة الطوارئ الدائمة، لا كاستثناء مؤقت، بل كقاعدة مستقرة. في هذا السياق، يُصبح الديماغوجي الذي يُشجب الفساد في المعارضة، في الوقت نفسه يُقيّم أشكال توظيف مالية وقانونية لضمان ولاء المؤسسات والفراد، بما يُعيد إنتاج الفساد في شكله والقائمين عليه، لكن بخطاب مختلف.
المجتمع المدني والديمقراطية كـ “الخط الأخير للدفاع”
في آخر الفصل، يعود كين إلى ما يُعدّه في كتابه السلاح الأخير للديمقراطية: المجتمع المدني الفاعل، وشبكات المقاومة، ومؤسسات الإعلام الحرّ، والجمعيات الحقوقية، والنقابات، والجامعات الحرة. يُحذر من أن طغيان القرن الحادي والعشرين لا يُقاوم بالكلام الأخلاقي وحده، بل عبر تطوير ثقافة إيجابية للريبة من السلطة، بحيث يُصبح من الطبيعي أن يسأل المجتمع:
من لهم الحق في اتخاذ القرار؟ وكيف يُساءلون؟ وماذا يحصل إذا أخطؤوا؟ تُستعاد هنا فكرة “الريبة الديمقراطية” بوصفها فضيلة مركزية، لا علامة ضعف. تُستهدف المؤسسات المراقبة – من وسائل الإعلام إلى المحاكم والمنظمات الحقوقية – عبر تهميشها، وتشريعها كأدوات عدائية، أو تمويلها بشكل مُعدّل يُحوّلها إلى أذرع تابعة.
لكن كين يُذكّر أن المقاومة تُمارس في الشوارع، والجامعات، والصحافات البديلة، والمحاكم، والاتحادات، وهي تُشكل معًا ما يُسميه “الخط الدفاعي الأخير” للديمقراطية. تُستعاد هنا فكرة أن الديمقراطية ليست نظامًا مُستقرًا بذاته، بل نظامًا دائمًا في مواجهة خطر الفساد والانهيار، وأن استمرارها يعتمد على إشارة دائمة من قِبل الأفراد والمؤسسات التي ترفض التطبيع مع الطغيان، حتى لو ارتدى ثوبًا انتخابيًا أو دستوريًا. في هذا السياق، يُصبح الدفاع عن المجتمع المدني، وحرية التعبير، والاستقلال القضائي، ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة استراتيجية للبقاء.
يُقدّم الكتاب قراءة مركّزة لسياق دولي متشعّب، يُظهر أن الديماغوجية ليست ظاهرة عابرة، بل مزاجًا سياسيًا عالميًا ينتقل بسهولة بين النظم المختلفة. يُحلّل كين الولايات المتحدة مع صعود دونالد ترامب، كنموذج لنظام ديماغوجي مُنتَخَب طور أدوات تُحاكي التسلط دون تجاوز الحدود الدستورية بشكل صريح، لكن عبر تضييقها.
في إسرائيل، فيرى كين أن تجربة بنيامين نتنياهو تُحوّل المؤسسات السياسية والقضائية إلى ساحات معركة، حيث يُقدّم خطابه على أنه الوحد الوحيد القادر على حماية الدولة، في الوقت نفسه يُجري عمليات تضييق على الصحافة والمعارضة، ويعيد صياغة مفهوم “النزاع” ليُصبح كل معارض مشروعًا للخطر.

في أوروبا، يُعدّ نموذج فيكتور أوربان في المجر من أكثر الأمثلة وضوحًا، حيث يُبنى مشروع “الديمقراطية الاستبدادية” على تضخيم خطر المهاجرين، و”الديمقراطيات الضعيفة” في الغرب، و”التدخلات الأجنبية” في الداخل، مع تطوير مسار تنظيمي يُقيّد منظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والمؤسسات التعليمية.
عبر هذه النماذج، يُظهر كين أن الديمقراطية لا تُختزل في خطابات جميلة، بل في القوة اليومية للمؤسسات التي تُحاسب السلطة، وتُحافظ على الفضاء العام كمجال للخلاف لا للأوامر.
من وجهة نظر مراجع مستقلين، يُعدّ الكتاب محاولة جريئة لربط تجارب عالمية متباينة في إطار نظري واحد، يتمثل في فكرة أن الديماغوجية والطغيان وجهان لعملة واحدة، خاصة في ظل ضعف الأنظمة الديمقراطية التقليدية، وتصاعد الراهنية، والاقتصاد النيوليبرالي، والانقسامات الاجتماعية.
يُجيد كين الجمع بين الحس التاريخي، عبر العودة إلى مفاهيم الديماغوجية في اليونان القديمة، والديكتاتورية في روما، والاستبداد في عصر مونتيسكيو، وبين التحليل المعاصر، عبر تحليل بيانات انتخابية، ونصوص قانونية، وخطابات إعلامية، وقرارات قضائية، في عدة دول. يُقدّم هذا المزيج نصًا متماسكًا يُعيد تشكيل فهم القارئ لعلاقة الديمقراطية بالطغيان، ويجعل من المفاهيم الكلاسيكية أداة قراءة للواقع المعاصر.
لكن بعض المراجع يُشاركونه انتقادات، مثل الاعتماد الزائد على التعميمات الكبرى، في ظل دول وتجارب مختلفة زمانًا ومكانًا، وصعوبة التطبيق العملي لنموذج “الخطيرة” النظري على الأرض، خاصة في ظل التدخلات الدولية والاقتصادية والفكرية التي تُجدّد أشكال التسلط. يُعترف في الوقت نفسه بأن كين يُقدّم قراءة جريئة وواضحة، تُعدّ بمثابة خريطة تحليلية للخطر الطاغي الذي يُهدّد الديمقراطية من داخلها، لا من خارجها، ويعيد تذكير القارئ بأن الديماغوجي ليس ظاهرة طارئة، بل جزء طبيعي من الديناميات الديمقراطية التي تُواجه خطر الاختراق.
الخلاصة: ديمقراطيات وليست نصبًا تذكارية
في محوره النهائي، يُخاطب كين القارئ في العالم العربي والعالم الغربي على حدّ سواء برسالة صادقة: أن الديمقراطية ليست تمثالًا نصبيًا في ميادين الماضي، بل حقلًا مفتوحًا في مواجهة خطر دائم، يمكن أن يُولد من داخل النظام نفسه، حين تُستبدل ثقافة السؤال بثقافة الهتاف، وحين تُستبدل مؤسسات الرقابة بمؤسسات التسويق. يُعدّ كتاب الديماغوجيون والمستبدون.. ديمقراطيات على حافة الهاوية تحذيرًا واضحًا من أن الطغيان لم يُختزل في سنوات القرن العشرين، بل يُتجدد في محاكاة الديمقراطية، وترويضها، وتحويلها إلى غطاء قانوني واجتماعي للاستبداد.
تُصبح في هذا السياق مهمة كين أساسية: إقناع القارئ بأن مقاومة الديماغوجي والمستبِد تبدأ لا من المنابر أو الخطابات، بل من بناء عادات ديمقراطية يومية قائمة على الشك البنّاء في السلطة، والسؤال المتواصل، والالتزام بالمساءلة، والدفاع عن حرية الآخرين كما لو كانت حريتنا.
تبدأ المقاومة في الشارع الذي يرفض التواطؤ الصامت، وفي القاعة التي تُصرّ على الحق في الخلاف، والمحكمة التي ترفض التحيّز، والصحيفة التي تُصرّ على التماس الحقيقة، والأسرة التي تُعلّم الأبناء أن السؤال لا يُعدّ خيانة بل واجبًا. في هذا السياق، يُصبح كين صوتًا يذكّر بأن الديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود الانتخابات، بل بقوة من يرفضون أن تُحوّل الديمقراطية إلى قناع للطغيان، وأن أي استسلام للديماغوجي على المدى القريب هو بذرة طغيان مضمونة على المدى البعيد.



