«أخبروهم أنها هنا».. هل نحن أمام تأصيل نادر لأدب الأمراء في العصر الحديث؟!

كتبه : هاني الموافي

على خطى أولئك الأمراء والأميرات الذين جعلوا من الأدب مجلس مُلك، ومن الشعر ذاكرة أمة، ومن رعاية الكلمة فعلًا حضاريًا يوازي بناء المدن وتشييد العروش، تأتي الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي امتدادًا لذلك الإرث العربي الذي رأى في الثقافة شكلًا من أشكال الخلود. فمنذ عصور الازدهار العربي، حين كانت قصور العباسيين والأندلسيين وحواضر العرب الكبرى ملتقى الشعراء والفقهاء والحكماء، ظلّ الحاكم المثقف نموذجًا مضيئًا في الوعي العربي؛ لا يكتفي بإدارة السلطة، بل يشارك في صناعة المعنى والجمال والذاكرة. ومن هذا الامتداد الحضاري، بزغ كتاب «أخبروهم أنها هنا: بحثًا عن ملكة مليحة» ليس كمجرد عمل أدبي تقليدي، بل كمشروع فكري وهوياتي شديد الطموح، يجمع بين السرد التأملي، والبحث الأثري، واستعادة التاريخ العربي من زاوية نسائية وروحية مختلفة. والكتاب من تأليف الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، وصدر عن مجموعة «كلمات» المنبثقة عن دار «روايات».


«هذا الكتاب هو نسيجي السرمديّ، نسجته من نول قلبي.. لا أكتب لمجرّد الحكاية، بل لأتذكّر، واستحضر، وأعيد بناء ما ظل حيًّا في الروح ولم يندثر.. إننا لا ننسج من الذاكرة وحدها، بل من الممكن أيضاً، من قماش تنبت خيوطه من الجذور، وتتشكّل من الأسطورة، التي وظيفتها أن تحمل الروح الإنسانية إلى الأمام.. إذ ليست الكتابة مجرّد فعل، بل دعاء وابتهال».

بهذه الكلمات العابرة للأفكار ينكشف جوهر المشروع الروحي والجمالي في كتاب «أخبروهم أنها هنا”؛ إنها ليست كلمات إنها بيانٌ أدبي كامل، يكاد يشرح فلسفة الأدب لدى بدور القاسمي، ويكشف كيف تنظر إلى السرد، والذاكرة، والأسطورة، وحتى إلى الإنسان نفسه؛ فحين تقول: «هذا الكتاب هو نسيجي السرمديّ، نسجته من نول قلبي» هي لا تستخدم استعارة زخرفية فقط، بل تستعيد واحدة من أقدم الصور الإنسانية للخلق والمعنى: فالنسيج في صميم الحضارة الإنسانية لم يكن مجرد حرفة، بل إعادة ترتيب العالم بالخيوط، كما يعيد الكاتب ترتيب الزمان بالكلمات. ولهذا يبدو الكتاب هنا كأنه قطعة قماش روحية، لا نصًا عاديًا.

أما قولها: »لا أكتب لمجرّد الحكاية، بل لأتذكّر، واستحضر، وأعيد بناء ما ظل حيًّا في الروح ولم يندثر«؛ إننا هنا أمام الانتقال من مستوى “السرد” إلى مستوى “الاستدعاء”؛ فبنت سلطان لا ترى نفسها مؤلفة تخترع عالمًا، بل أشبه بمن يستحضر ذاكرته القديمة، وهذا قريب جدًا من الفكرة الصوفية التي تعتبر أن المعرفة الحقيقية مجرد تأمل وارتقاء؛ ففي التراث الروحي العالمي — من أفلاطون حتى التصوف الإسلامي — هناك تصور عميق يقول إن الإنسان لا يتعلم الحقيقة بقدر ما يتذكرها. وكأن الروح تعرف الأشياء حين تذكرها.

 

اللافت في الكتاب أنه لا يتعامل مع “ملكة مليحة” كشخصية تاريخية جامدة فقط، بل كرمز حضاري وروحي. “مليحة” هنا ليست مجرد موقع أثري في إمارة الشارقة، بل بوابة إلى سؤال أوسع: هل تم طمس الدور النسائي في تاريخ الجزيرة العربية القديمة؟ وهل كانت المنطقة، قبل هيمنة السرديات الذكورية، تعرف نماذج حكم ومعرفة وقيادة نسائية أكثر حضورًا مما نتخيل اليوم؟

ومن هنا نستطيع أن نقول أن هذا الكتاب لم يكن موجه فقط لإظهار ما جاهدته ملكة مليحة لإثبات وجودها، بل كانت بنت القاسمي حريصة في كتابها من خلال فصول متفرقة أن تحيي ذكر ملكات عديدات حكمن هذه المنطقة العربية متسائلة، «لماذا نسينا هؤلاء النساء اللواتي قدن جيوشا، وتفاوضن مع أباطرة، وحكمن أراضي شاسعة، وأثرن في الثقافة والسياسة بقدر مساوٍ إن لم يكن أعظم من كثير من نظرائهن الرجال»،

لم تكتف بنت القاسمي بذلك بل أفردت في ختام كتابها قائمة بتسلسل الملكات في التاريخ؛ فكتبت عن الملكات النبطيات والملكة ماوية السرسنية التي حكمت في القرن الرابع الميلادي، وقادت تمردا ضد الإمبراطورية الرومانية؛ كما سردت سطورا جميلة في كتابها عن نادين ذي صدقن شمس الملكة ذات التاج المكلل بالريش، والتي منها ولد المثل العربي «فلان على راسه ريشة»،  كما كتبت عن بلقيس، التي حكمت امبراطورية قبل وبعد إسلامها وأوردت قصتها مع نبي الله سليمان، ولم تنس أن تذكر الملكة زنوبيا (أو الزباء كما تأتي في المصادر العربية)حاكمة الإمبراطورية التدمرية.


أصوات لم تُتح لها فرصة البقاء

ثمة شيء لافت جدًا في عنوان الكتاب نفسه: «أخبروهم أنها هنا»، وفي قولها متسائلة، «لماذا نسينا هؤلاء النساء اللواتي قدن جيوشا، وتفاوضن مع أباطرة، وحكمن أراضي شاسعة، وأثرن في الثقافة والسياسة بقدر مساوٍ إن لم يكن أعظم من كثير من نظرائهن الرجال»،

أولا العنوان لا يبدو كعنوان بحث تاريخي بقدر ما يشبه نداءً أو شهادة أو محاولة انتشال صوت غارق في الرمال. وكأن بدور القاسمي لا تبحث فقط عن “ملكة”، بل عن ذاكرة كاملة تم دفنها تحت طبقات من النسيان والسرديات الرسمية.

ثانيا فكرة “البحث عن ملكة” هنا تحمل معنى رمزيًا شديد العمق. في التاريخ العربي القديم، وخصوصًا تاريخ الجزيرة العربية، هناك فجوات واسعة جدًا. نحن نعرف الكثير عن الحروب والقبائل والفتوحات، لكننا نعرف القليل عن الحياة اليومية، والروح الثقافية، والدور النسائي، وأنظمة الحكم المحلية قبل أن تبتلعها الإمبراطوريات الكبرى أو الروايات الدينية والسياسية اللاحقة. ولذلك يبدو الكتاب كأنه محاولة لإعادة الإصغاء إلى الأصوات التي لم تُتح لها فرصة البقاء.

ومليحة نفسها ليست مجرد موقع أثري عادي. إنها واحدة من أكثر المناطق إثارة في الخليج العربي من الناحية التاريخية؛ لأنها كشفت عن وجود حضارة تجارية وثقافية معقدة في قلب الصحراء، تربط الجزيرة العربية ببلاد فارس والهند وشرق المتوسط. الآثار المكتشفة هناك — من العملات إلى المقابر والأسلحة والزجاج والفخار — تقول إن المنطقة لم تكن هامشًا منعزلًا كما صُوِّرت طويلًا، بل كانت نقطة عبور حضاري كبرى.

وإذا قرأت الكتاب من زاوية نفسية، ستجد أن “البحث عن الملكة” يشبه أيضًا البحث عن الأم الكبرى أو الأصل الضائع. ولهذا يحمل النص مسحة وجدانية عميقة، حتى حين يتحدث عن الحجارة أو العملات. فهناك حنين واضح إلى شيء يتجاوز التاريخ المادي: حنين إلى المعنى، إلى الجذور، إلى السردية التي تمنح الإنسان شعورًا بأنه امتداد لشيء أقدم وأعمق.

ومن هنا تأتي أهمية “الملكة”. فالكاتبة لا تبحث عن شخصية رومانسية أسطورية فقط، بل عن فكرة السلطة الأنثوية في تاريخ المنطقة. وهذا أمر بالغ الحساسية ثقافيًا؛ لأن المخيال العربي الحديث غالبًا ما يتعامل مع المرأة القديمة باعتبارها إما شخصية أسطورية بعيدة مثل بلقيس، أو ضحية اجتماعية، بينما تشير الشواهد التاريخية فعلًا إلى وجود نساء حكمن، وامتلكن النفوذ التجاري والسياسي والديني.

«فجأة، من دون إنذار، ارتفع صوت، ليس في أذني، بل في أعماق ذهني. همسة واضحة، آمرة، آتية من ما وراء: أخبروهم أنها هنا..، حدّقت من حولي محتارة ومنتبهة، لم أرَ إنسانًا، ومع ذلك ارتعش جسدي بأكمله.. شعرت كأنهم كانوا يهتفون ويزغردون ويغنون، تتردد فرحتهم حولي كجوقةٍ خفية لا تُرى.. جرفني تيار من المعنى والغاية، وشعرتُ أن الحجاب بين العوالم قد انزاح لبرهة عابرة، وكافية لأن يبوح بما وراءه».

لو أخذنا كلمات بدور القاسمي من زاوية أعمق، فيمكننا قراءة الكتاب باعتباره محاولة للمصالحة بين الحداثة الخليجية والجذور القديمة. فبدور القاسمي لا تتحدث فقط عن آثار أو ملكات، بل عن سؤال الهوية في الخليج المعاصر: كيف يمكن لمجتمعات حديثة وسريعة التحول أن تعثر على جذورها الروحية والثقافية دون أن تنغلق على الماضي؟

كما أن اختيار “مليحة” تحديدًا ليس عابرًا؛ فموقع مليحة الأثري في الشارقة يُعد من أهم المواقع التي كشفت عن تعقيد حضاري وتجاري كبير في المنطقة قبل الإسلام، ما يمنح الكتاب بعدًا حضاريًا يتجاوز الإمارات إلى تاريخ الجزيرة العربية بأكملها.

الجميل في المشروع الفكري لبدور القاسمي أنها لا تتبنى خطابًا صداميًا أو أيديولوجيًا مباشرًا، بل تستخدم الأدب والبحث الجمالي لإعادة فتح الأسئلة. وهذا يمنح الكتاب رهافة خاصة؛ فهو لا يصرخ، بل يهمس. لا يعلن ثورة على التاريخ، بل يحاول التنقيب داخله بهدوء، كما يفعل عالم آثار يزيل الرمال بحذر خوفًا من كسر قطعة نادرة.. فانظر إلى قولها: «وأنا أصعد كليمنجارو، أدركت أنني لا أرتقي نحو القمة فحسب، بل أنحدر أيضًا إلى معرفة أعمق بنفسي.. علّمني هذا الجبل كيف أنصت، كيف أتنفّس، كيف أستسلم، كيف أتغيّر.. رأيت بصفاء ما يجب أن يتغيّر في حياتي، وما ينبغي تركه، وما يستحق البقاء، وما يجب أن أحفظه عميقًا في القلب». وتذكر أنه «ليس حكاية عابرة، بل هو مناجاة وابتهال ونسيج نوراني نسجتُه من خيوط الذاكرة والأسطورة. إنه إظهار لجذوري»، «إلى جانب إيماني كنت دوما منجذبة إلى عوالم الأسطورة وإلى الحكايات الشعبية».


صورة الخليج في الوعي العالمي

ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره جزءًا من مشروع ثقافي أوسع تقوده إمارة الشارقة منذ سنوات، يقوم على إعادة تقديم الخليج بوصفه فضاءً ثقافيًا عميقًا لا مجرد مركز اقتصادي حديث. وهذا مهم جدًا؛ لأن صورة الخليج في الوعي العالمي ظلت طويلًا مرتبطة بالنفط والحداثة العمرانية فقط، بينما تعمل مشاريع مثل هذا الكتاب على إعادة وصل المنطقة بطبقاتها الحضارية القديمة.

هناك أيضًا بُعد روحي خفي في النص. فالمقتطفات المتداولة تشير إلى لغة مشبعة بالتأمل والصحراء والغياب والحضور. الصحراء هنا ليست فراغًا، بل أرشيفًا. الرمال ليست مجرد طبيعة، بل ذاكرة تخفي ما لا يريد التاريخ الرسمي أن يتذكره. وهذا يقرّب الكتاب أحيانًا من الحس الصوفي، حيث يصبح “البحث عن الملكة” شبيهًا بالبحث عن الذات أو الأصل أو الحقيقة الضائعة.

وقد يكون أكثر ما يمنح الكتاب قيمته هو توقيته. فنحن نعيش لحظة عربية تعيد فيها المجتمعات طرح أسئلة الهوية بقوة: من نحن؟ كيف نقرأ تاريخنا خارج التمجيد أو الإنكار؟ ماذا أخفاه التاريخ الرسمي؟ وما الذي يمكن أن تقوله الآثار والأدب والذاكرة معًا؟ لهذا لا يبدو الكتاب مجرد عمل عن الماضي، بل عن الحاضر أيضًا. عن الخوف من فقدان الجذور وسط السرعة الهائلة للعالم الحديث. وعن الحاجة إلى رواية عربية جديدة ترى التاريخ بوصفه مساحة معقدة ومتعددة الأصوات، لا خطًا واحدًا مغلقًا.

ثمة ملمح آخر بالغ الأهمية في هذا الكتاب، وهو أن بدور القاسمي لا تتعامل مع التاريخ بوصفه “متحفًا”، بل بوصفه كائنًا حيًا يتنفس داخل الحاضر. وهذه نقطة فارقة جدًا. فالكثير من الكتب التي تتناول الآثار أو الحضارات القديمة تقع في فخ التوثيق البارد، بينما يبدو هذا العمل أقرب إلى محاولة “إحياء” الأرواح المختفية داخل المكان.

ولهذا فإن المكان في الكتاب ليس خلفية صامتة، بل بطل رئيسي. الصحراء، الكهوف، المقابر القديمة، النقوش، العملات، الرياح، وحتى الصمت… كلها تتحول إلى عناصر سردية تحمل معنى. وكأن الكاتبة تريد القول إن الأرض نفسها تتذكر، حتى لو نسي البشر.

فالكتاب يعيد تقديم الخليج العربي باعتباره منطقة “إنتاج حضاري”، لا مجرد مستقبل للثقافات الأخرى. وهذه مسألة شديدة الأهمية؛ لأن كثيرًا من السرديات الغربية القديمة تعاملت مع الجزيرة العربية باعتبارها فراغًا صحراويًا قبل اكتشاف النفط، بينما تكشف الاكتشافات الأثرية الحديثة عن شبكة مذهلة من التجارة والمعرفة والتنوع الثقافي.


من يكتب التاريخ؟!

التاريخ الذي يصلنا عادة هو تاريخ الدول الكبرى، الجيوش، السلاطين، الإمبراطوريات. لكن ماذا عن التاريخ الهامشي؟ تاريخ النساء، القوافل، المدن الصغيرة، العابرين، الأصوات التي لم تمتلك سلطة التدوين؟ هنا يأتي الكتاب كنوع من “التمرد الهادئ” على مركزية الرواية التقليدية.

ومن أجمل ما يمكن التقاطه في هذا السياق أن الكاتبة لا تبحث عن “يقين كامل”. فهي لا تقول للقارئ: هذه هي الحقيقة النهائية عن ملكة مليحة. بل تترك مساحة للغموض، للأسطورة، للحدس، للاحتمالات. وكأنها تدرك أن بعض الشخصيات القديمة لا يمكن استعادتها بالكامل، وإنما يمكن فقط الاقتراب من ظلها.

وهذا في حد ذاته موقف أدبي وفلسفي مهم؛ لأن الكتب النادرة غالبًا لا تقدم أجوبة، بل توسّع مساحة الأسئلة. كما أن الكتاب يلامس فكرة “المرأة المختفية من الأرشيف”؛ وهذه قضية عالمية الآن في الدراسات التاريخية الحديثة؛ إذ بدأ كثير من الباحثين يعيدون قراءة الوثائق القديمة لاكتشاف كيف تم تهميش أدوار النساء أو اختزالهن عبر القرون. وفي العالم العربي تحديدًا، تبدو هذه المهمة أكثر تعقيدًا، لأن جزءًا كبيرًا من التاريخ القديم نفسه لم يُكتشف أو يُقرأ بالكامل بعد.

لكن اللافت أن بدور القاسمي تفعل ذلك دون عدائية مباشرة أو شعارات كثيفة وثقيلة. فهي لا تحاكم الماضي بلغة الحاضر، بل تحاول الإنصات إليه. وهذه نقطة نادرة في الكتابات المعاصرة.

وفي النهاية وتقديري، فإن القيمة الحقيقية للكتاب لا تكمن فقط في معلوماته التاريخية، بل في قدرته على إثارة شعور نادر لدى القارئ: أن التاريخ ليس شيئًا انتهى.. بل شيء لا يزال ينادينا.

Post tags :

شارك المقالة علي ...

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Email