شروط النهضة ..
قراءة في معادلة مالك بن نبي الحضارية
حمل الفيلسوف مالك بن نبي تلميذه المفكر عمر مسقاوي مسؤولية نشر كتبه بهدف مواصلة دراسة المشكلات الحضارية وطرح الأفكار الاجتماعية. كما دعا القراء للمساهمة في حفظ حقوق النشر عبر التبليغ عن أي طبعة صادرة عن غير دار الفكر.
في تقديمة للطبعة الفرنسية أوضح الدكتور عبد العزيز الخالدي أن مؤلفات مالك بن نبي نبعت من تجربة واقعية لمواجهة مشكلات العالم الإسلامي.
وقد ربط المؤلف هذه الحلول بتاريخ الجزائر والاستعمار، مبيناً أثر رواسب التراث الوثني الذي تشكل عبر قرون سادت فيها خرافات الدراويش. هذه الرواسب أوجدت وضعية اجتماعية سلبية للفرد الجزائري، مما مكن المستعمر من استغلاله والحط من حضارته، وغرس لديه ما يعرف بالقابلية للاستعمار.
إن إخراج الكتاب باللغة العربية جعله محور اهتمام المختصين والمهتمين بظاهرة تخلف المسلمين، سعياً لفهم الواقع الاجتماعي وآلياته. ومن خلال مناقشات بن نبي مع أقرائه، أدرك أنه لم يمنحهم التوضيح الكافي حول دور الفكرة الدينية كعامل اجتماعي موجه للتاريخ. لذا، استُغلت هذه الطبعة لإضافة فصل يعالج أثر الفكرة الدينية في الدورة الحضارية، اعتماداً على اعتبارات نفسية اجتماعية وتحليل تاريخي يتجاوز العقل التجريدي.
صور بن نبي حالة “آدم” بين المخلوقات، حيث أراد التغلب على خوفه في مواجهة الواقع. فمنحه الله عقلاً ويداً؛ ليتحول العقل إلى قوة مفكرة واليد إلى أداة فاعلة، وبذلك بدأت رحلة الإنسان في صياغة مصيره.
ويبين الكاتب أن عهود الملاحم كانت إشباعاً لرغبة الإنسان في الخلود وإرضاء العقيدة. ورغم البطولات التي سطرتها المقاومات الشعبية، من الأمير عبد القادر إلى الأمير عبد الكريم الخطابي، إلا أن بن نبي أعاب على المسلمين أن تحركاتهم لم تعالج الأسباب الجوهرية التي مكنت الاستعمار من التغلغل؛ فمشكلة كل شعب هي في جوهرها “مشكلة حضارته”.
كما أعاب على هذا الدور البطولي كونه ارتكز على “الفرد البطل” دون المجتمع؛ فبموت البطل يختفي المشروع، بينما الفكرة هي الوحيدة الكفيلة بنقل المقاومة من الفرد إلى الجماعة.
وركز الكاتب على الفكرة التي تنقل مشروع المقاومة إلى المجتمع، مستشهداً بكلمة جمال الدين الأفغاني وتأثيرها في العالم الإسلامي (عام 1900 وما بعدها). استطاعت هذه الفكرة تغيير الفكر الجماعي من الخمول إلى الإصلاح، وانتقلت المقاومة إلى المجتمع الجزائري بقيادة “جمعية علماء المسلمين”. لكن سرعان ما تراجع الفكر الإصلاحي ليحل محله “الانتهازية السياسية” التي اهتمت بالظهور الانتخابي بدلاً من حل مشكلات المجتمع.
وكان مالك بن نبي يعتبر الجهل نوعاً من “الوثنية” لأنه يجمد الأفكار ويقدس الأصنام. وقد تجلت هذه الوثنية قديماً في “فترة الدراويش” والزوايا، ثم زالت بالإصلاح، لكنها عادت بحلة جديدة مع السياسيين الذين نصبوا أنفسهم “أصناماً” جديدة. وبدلاً من توجيه الشعب للقيام بواجباته وتصفيته من “القابلية للاستعمار”، اكتفوا بالمطالبة بالحقوق كمعطى جاهز، وهو فهم خاطئ لعلم الاجتماع أدى إلى تبدد الطاقة الحضارية.
صور بن نبي كفاح “الطبقة الكادحة” من مزارعين وفلاحين، مؤكداً أن معاناة العامل البسيط هي الدور الأعظم في ميلاد الحضارات. فالفراعنة لم يكونوا ليبنوا الأهرامات، ولا الصينيون ليبنوا سورهم العظيم، لولا جهد الإنسان المكافح. والحقيقة الأزلية هنا هي أن الملك دون رعية لا يساوي شيئاً، بينما الرعية الواعية قادرة على تشييد حضارة.
يرى المؤلف أن تخلف العالم الإسلامي يعود للجهل بأسباب التخلف وذهنية “التكديس”؛ أي شراء منتجات الحضارات الأخرى (مادياً وفكرياً) وظنّهم أن ذلك هو الحضارة. والحال أن الحضارة لا تُقترض، بل تُبنى من عناصرها الثلاثة وفق المعادلة:إنسان + تراب + وقت = حضارة.
ولكي تتفاعل هذه العناصر، لا بد من “مُركّب” وهو الفكرة الدينية، التي تصنع الحافز وتوجه الطاقات الحيوية لخدمة شبكة العلاقات الاجتماعية.
تعتبر شبكة العلاقات الاجتماعية هي الضمانة لاستمرار أي فعل حضاري؛ فالحضارة في نظر بن نبي ليست مجرد أفراد، بل هي “الروابط” التي تجمع بينهم.
تقوم الفكرة الدينية في بداية النهضة بصهر المصالح الفردية لخلق هذه الشبكة، مما يتيح للأفراد العمل ككتلة واحدة.
يؤكد بن نبي أن أي خلل في هذه الشبكة يحول المجتمع إلى أفراد مشتتين (ذرات تائهة)، وبذلك تعجز عناصر الحضارة عن التفاعل مهما توفرت الإمكانيات المادية.

الدورة الخالدة
لكل حضارة دورة تاريخية (نهوض، ازدهار، انهيار). ويرد بن نبي سبب تخلفنا لجهل منطلق التاريخ واستيراد حلول لا تتلاءم مع واقعنا. ويشترط للنهضة:
1.مطابقة التاريخ للمبدأ القرآني:
يكمن تشكل الحضارة في وجود الفكرة الدينية التي تقوم بتركيب العناصر المادية الثلاثة. فالحضارة الإسلامية انطلقت من لحظة “الوحي” (الروح)، ثم تطورت إلى العقل والعلم، ثم انهارت حين سادت الغرائز. أما الحضارة المسيحية، فقد أثرت في “الجرمان” لأن نفوسهم كانت شاغرة (صافية)، فمرت بمرحلة الروح ثم العقل، حتى وصلت لمرحلة المادة (الشيوعية).
2. إمكانية تطبيق المبدأ القرآني الآن:
الإسلام صالح لبناء الحضارة في كل وقت، لكن الأزمة تكمن في انسياق المصلحين خلف السياسيين، مما يوجب العودة للأصل وتقويم المسار.
يرى بن نبي أن الحضارة لا تُقترض بـ “تكديس” المنتجات، بل تُبنى بتفاعل ثلاثة عناصر أساسية:
1. الإنسان: هو المحور والأساس. يقسم بن نبي سكان الجزائر إلى: أهل المدن (مستهلكون معطلون) وأهل البوادي (نقطة الانطلاق للعمل). والحل يكمن في “التوجيه” ،أي تنظيم طاقات الإنسان نحو هدف مشترك لتحويله من كائن مستهلك إلى عنصر فعال في شبكة العلاقات الاجتماعية.
2. التراب: يستمد قيمته الاجتماعية من قيمة مالكيه ومدى استثمارهم له. لذا دعا بن نبي لاستصلاح الأراضي والتشجير كرمز للرغبة في البقاء، فموت الأرض هو انعكاس لموت الإرادة.
3. الوقت: هو “المادة الخام” للحضارة. مشكلة المسلم هي ضياع الوقت في “العدم”. والحل هو تربية الفرد على الانضباط عبر تجارب عملية (مثل تجربة النصف ساعة) ليدرك قيمة الزمن كعامل حاسم في النهضة.
الفكرة الدينية والتحليل النفسي:
يقسم بن نبي أطوار الحضارة بناءً على السيطرة على الغرائز:
مرحلة الروح: تسيطر الفكرة الدينية على الغرائز (ميلاد الحضارة).
مرحلة العقل:مرحلة الأوج والازدهار.
مرحلة الغريزة:تتحرر الغرائز وتنهار الحضارة.
فكرة التوجيه:
يقصد بها تنظيم الثروات والطاقات المحلية لتحديد دور كل عنصر من أجل تحقيق الحضارة، وذلك بتوجيه الإنسان والثقافة ومختلف جوانب الحياة. ويرى بن نبي أن سبب تخلف المجتمع الإسلامي يكمن في كون ثرواته وجهت بطريقة خاطئة أو بقيت دون توجيه.
يُعرف بن نبي الثقافة بأنها مجموع الصفات القيمية والأخلاقية التي يكتسبها الإنسان من مجتمعه، وهي التي تحدد طريقة تفكيره ونظرته للأشياء. لذا، يجب تصفية العادات والتقاليد في إطار اجتماعي وخلقي يسمح للعوامل المشكلة للحضارة بالعمل.
معنى الثقافة في التربية: هي الرابط الذي يجمع كل طبقات المجتمع ويحمل أفكارها، فهي “المركب الاجتماعي” الذي يجمع الأفكار والأذواق ويؤدي للتطور.
معنى الثقافة في التاريخ:هي ما يورث العبقرية واللمسة الحضارية الخاصة، وباختلاف التاريخ تختلف الثقافة.
عناصر توجيه الثقافة
1. التوجيه الأخلاقي: تكمن أهمية العامل الأخلاقي في قدرته على إنشاء “قوة التماسك الاجتماعي” الضرورية لبناء شبكة العلاقات الاجتماعية، والتي بدونها لا يمكن للأفراد التعاون عملياً.
2. التوجيه الجمالي:الصور الشكلية هي مصدر الأفكار ومصنفة الذوق ، فالجمال هو الذي يجعلنا نستحسن أمراً أو نستقبحه، وهو الإطار الذي يُشكل وجه الحضارة.
3. المنطق العملي: ويقصد به العمل التطبيقي واستخراج الفوائد من الوسائل المتاحة والوقت، والتقليل من العشوائية. وهو ما يفتقده المسلم الحديث الذي يجب أن ينتقل من “وضع الكلام” إلى “وضع العمل”.
4. الصناعة:هي وسيلة المجتمع للمحافظة على كيانه. ويؤكد بن نبي على ضرورة توجيه الفن لحل مشكلات التربية المهنية وصناعة الفرد الحامل لرسالته التاريخية.
المبدأ الأخلاقي والذوق الجمالي في بناء الحضارة:
يرى بن نبي صلة وثيقة بينهما، وصاغها في المعادلة التالية: المبدأ الأخلاقي + ذوق جمالي = اتجاه الحضارة
وتعني أن اتجاه أي مجتمع يتحدد بنوع الأخلاق والجمال السائد فيه. فتقديم القيم الجمالية على الأخلاقية يؤدي للسيطرة والإجبار، بينما تقديم الأخلاقية على الجمالية يؤدي للتحجر والجمود.
توجيه العمل ورأس المال
توجيه العمل:هو الحلقة الثانية من مشكلة الإنسان. فالسائد في العالم الإسلامي هو مجرد “قتل للوقت” دون إنتاجية. العمل هو الذي يحدد دور الأشياء في الإطار الاجتماعي، ويجب الارتقاء به من مجرد “كسب عيش” إلى “جهد جماعي” يساهم في بناء البيئة الجديدة.
توجيه رأس المال: رأس المال هو آلية اجتماعية للتقدم المادي. المشكلة في الدول الإسلامية هي وجود “ثروة راكدة” لا تتحرك في الدورة الاقتصادية. دعا بن نبي لتحويلها إلى “رأس مال متحرك” بطابع ديمقراطي يسهم فيه كل طبقات المجتمع، ليتحقق العدل وتكتمل شروط تشييد الحضارة.
مشكلات اجتماعية من منظور النهضة
1. مشكلة المرأة:باعتبارها جزءاً من مشكلة الإنسان، يرى مالك بن نبي أن مشكلة المرأة ليست قضية منفصلة، بل هي في جوهرها “مشكلة الإنسان في المجتمع”. ويرى أن الحل يبدأ بالتحرر من “النزعة الجنسية” في تناول القضية؛ فدعاة التحرر يريدون تجريد المرأة من عفتها لإرضاء الغرائز، ومن يحاول إقصاءها يتحرك بدافع غريزي أيضاً. ويقترح عقد مؤتمر يجمع المختصين لوضع منهج عملي يحدد مهمة المرأة بما يحقق مصلحة الجماعة.
2. مشكلة الزي:اعتبر مالك بن نبي الملبس أحد عوامل التوازن الأخلاقي والاجتماعي، وقوة مؤثرة في شخصية مرتديها. ولذلك، دعا إلى ضرورة أن تواكب النهضةُ تطوراً في اللباس أيضاً نابعاً من احتياجات المجتمع الحقيقية، بعيداً عن “التقليد الممل”.
3. الفنون الجميلة: يعد الفن عند بن نبي وسيلة قوية للتأثير في الأنفس. ولإعادة الفن لمساره الحضاري، دعا بن نبي إلى تهذيبه عبر زرع القيم الأخلاقية، والجمع بين الموهبة والجهد، واندماج الفنانين في المجتمع ليكون الفن رسالة سامية.
الاستعمار والشعوب المستعمرة (المعامل الاستعماري)
يرى مالك بن نبي أن “المعامل الاستعماري” هو الوسيلة التي يفرض بها المستعمر سيطرته عبر تحطيم القوى المعنوية للفرد المُستعمر وتنقيص شأنه. ويعمل هذا المعامل على تقييد عبقرية الفرد وسلبه القدرة على إقامة حياته المستقلة أو نشر أفكاره، وذلك لإدراك المستعمر لخطورة القوة الكامنة في الشعوب.
ويفرق بن نبي تاريخياً بين الاستعمار كـ “نكسة إنسانية” تعود جذورها للرومان الذين اعتمدوا الغزو والسلب، وبين الافتتاح الإسلامي الذي كان يهدف لتوحيد الشعوب. وفي تحليل مفاجئ، يرى بن نبي أن للاستعمار جانباً إيجابياً غير مباشر؛ إذ ساهم في إيقاظ الشعوب المستعمرة من سباتها العميق. وبما أن المستعمر لا يستطيع التحكم المطلق في الزمان والمكان أو وأد العبقرية تماماً، فإن الفرد المسلم قادر على تحطيم المعتقدات الباطلة التي ورثها، والبدء في تشييد حضارته من جديد.
معامل القابلية للاستعمار: يميز مالك بن نبي بين نوعين من العوامل: العامل الباطني (القابلية للاستعمار): وهو أخطر العوامل، حيث يتقبل “الرجل الأهلي” صبغة الاستعمار داخلياً، ويعيش وفق النمط الذي رسمه له المستعمر، مما يؤدي لكبح عبقريته ذاتياً.
العامل الخارجي (الاستعمار): وهو الذي يمارسه المستعمر عبر التجهيل، وإعدام فرص العمل، وتجريد المجتمع من أخلاقه لبث الاضطراب والفتنة العرقية.
ويرى بن نبي أن الحل لا يكمن فقط في طرد الاستعمار كقوة خارجية، بل في التخلص من الرضوخ النفسي (الواعي وغير الواعي).
وهذا يتطلب دراسة مراوغات المستعمر، والعمل بجدية على تدارك نقاط الضعف الداخلية التي مهدت لوجوده.
مشكلة التكيف :
في ختام الكتاب، يسلط بن نبي الضوء على أزمة “التكيف” التي أصابت الشعوب المستعمرة؛ حيث أدى التعايش الاضطراري مع الوضع الاستعماري إلى ظهور مجتمع مهزوز يتميز بنزعات واستعدادات متناقضة.
وقد تجلى هذا الاضطراب في الأحوال الاجتماعية، وطرق التفكير، وحتى في الملبس، مما أحدث شروخاً واضحة داخل الأوساط العائلية الواحدة. ويخلص بن نبي إلى ضرورة تدارك “السلطة الوثنية” التي تتحكم في العقول وإزاحتها، لوضع المجتمع الإسلامي على سكة الحضارة الحقيقية.
ويتحقق ذلك عبر نشر ثقافة جامعة يشترك فيها جميع الأفراد بمختلف طبقاتهم وأعراقهم، مما يسمح للمجتمع باستعادة توازنه المفقود والتقدم نحو المستقبل بثبات.




