الرواية التي رُفضت وحوكمت وصارت أعظم ما كُتب في القرن العشرين.. الرجل الذي كتب رواية في يوم واحد واحتاج سبع سنوات ليكتبها “يوليسيس” لجيمس جويس
البداية: رواية لا يُصدّق أنها موجودة
تخيّل أن تُقرّر كتابة رواية عن يوم واحد فقط. يوم عادي. شخصيات عادية. مدينة عادية.
ثم تُمضي في كتابة هذا اليوم الواحد سبع سنوات كاملة. وتنتج في النهاية كتاباً يزيد على سبعمائة صفحة. كتاباً يرفضه كل ناشر في بريطانيا وأمريكا. يُصادره البريد الأمريكي. يُحاكَم ناشروه بتهمة نشر “مواد فاضحة”. ويُمنع من الدخول إلى الولايات المتحدة لسنوات.
ثم بعد مئة عام، يختاره المجلس الحديث للكتب الأدبية ليكون الرواية الأولى في قائمة أفضل مئة رواية ناطقة بالإنجليزية في القرن العشرين.
هذا هو “أوليسيس” لجيمس جويس. وهذه هي قصته.
● الرجل قبل الرواية: أيرلندي في المنفى الاختياري
جيمس جويس وُلد عام 1882 في دبلن لعائلة كاثوليكية متعلمة لكن كانت تُعاني من الفقر المتزايد. نشأ في بيئة تضغط عليه من كل جهة: المؤسسة الدينية تُحدّد ما تفكر فيه. الاستعمار البريطاني يُحدّد ما تقوله. والقومية الأيرلندية المتنامية تُحدّد إلى أي جهة تنتمي.
جويس رفض الثلاثة.
رفض الإيمان الكاثوليكي وإن ظلّت المسيحية تسكن كتاباته إلى الأبد. رفض الولاء للتاج البريطاني. ورفض أيضاً الخطاب القومي الأيرلندي الذي كان يرى فيه نوعاً آخر من الأصفاد المُذهَّبة.
في عام 1904، في السادس عشر من يونيو تحديداً، التقى بنورا بارناكيل، المرأة التي ستصبح رفيقة حياته وزوجته لاحقاً. خرجا معاً في أول خروج حقيقي. وهذا التاريخ بالذات، 16 يونيو 1904، اختاره جويس ليكون اليوم الذي تدور فيه أحداث روايته الكبرى.
بعدها بعام، غادر جويس أيرلندا. لم يعد إليها قط. أمضى بقية حياته في تريستا وزيوريخ وباريس. لكنه لم يكتب عن أي مكان آخر. كتب عن دبلن دائماً.
كتب عنها من المنفى بتفاصيل أكثر دقة وحدة مما كان يستطيع لو بقي فيها. طلب من أصدقائه المقيمين في دبلن تزويده بأسماء المحلات والشوارع وجداول قطارات الترام وتفاصيل المطاعم وأسعار السلع. بنى روايته عن مدينة لا يزورها من أدق التفاصيل التي يمكن تخيّلها.
● قبل الرواية: ماذا كان “أوليس” قبل أن يُكتَب؟
جويس بدأ بكتابة “أوليس” عام 1914. كان قد نشر قبلها مجموعة قصصية بعنوان “أهل دبلن” ورواية “صورة الفنان في شبابه”، وفيها ظهرت شخصية ستيفن ديدالوس لأول مرة.
ستيفن ديدالوس هو الصورة الأدبية لجويس نفسه. شاب أيرلندي من عائلة كاثوليكية، ذكي ومتمرد ومثقّل بأسئلة الإيمان والهوية والفن. وفي “أوليس”، يستكمل جويس رحلة هذه الشخصية ويُضيف إليها شخصية جديدة أعمق وأكثر إنسانية: ليوبولد بلوم.
وفي ذلك يكمن قلب الرواية.
● الشخصيات الثلاث: ثلاثة أبطال في يوم واحد
“أوليس” رواية عن يوم واحد، لكنها في الحقيقة رواية عن ثلاثة أشخاص تتقاطع مساراتهم في هذا اليوم وتنفصل وتتقاطع مرة أخرى.
ليوبولد بلوم هو المحور. رجل في الثامنة والثلاثين من عمره يعمل في الدعاية الإعلانية. مختلف الديانة في مجتمع كاثوليكي مما يجعله “آخر” حتى في مدينته. يعرف في صباح ذلك اليوم أن زوجته مولي ستستقبل عشيقها في المنزل بعد الظهر. ومع ذلك يخرج. يمشي في شوارع دبلن. يحضر جنازة صديق. يمر بمقاهٍ ومكتبات ومطاعم. يتحدث مع غرباء. يُراقب الناس. يُفكّر.
بلوم ليس بطلاً ملحمياً بأي معنى تقليدي. لا يُقاتل ولا يغزو ولا يُقرّر مصائر الأمم. لكنه بطل بمعنى آخر أعمق: يواجه الحياة بكامل هشاشتها ولا ينكسر.
وهذا بالضبط ما أراد جويس قوله: البطل الحقيقي ليس من يقتل التنانين بل من يستيقظ كل صباح ويواجه يوماً لم يختر أعباءه.
ستيفن ديدالوس الشاب المثقف الذي يحمل أسئلة أكبر منه. يُدرّس في المدرسة لكنه يُشعر بأنه أكبر من هذا. يكتب شعراً لا يُقدّر. يحمل ذنب الموقف من موت أمه. تقريباً في كل مشهد هو داخل رأسه أكثر مما هو في العالم. يُجادل في الأدب ويُنظّر في الفلسفة ويشرب وهو الذي لا يُحسن الشرب.

ستيفن هو جويس الشاب. والرواية في أحد طبقاتها هي جويس يُحاور نفسه الشابة، يراها بعين الرجل الناضج الذي أصبح عليه.
مولي بلوم حاضرة في كل الرواية دون أن تظهر تقريباً حتى النهاية. لكن حضورها الغائب يملأ كل شيء. هي التي يعود إليها بلوم. هي التي يتجنب مواجهتها. هي التي تنتهي عندها الرواية بأربعين صفحة من أشهر مونولوج داخلي في تاريخ الأدب.
جملتها الأخيرة هي آخر كلمة في الرواية كلها: “نعم”.
● الإطار الأسطوري: ما الذي يُخبّئه العنوان؟
“أوليس” هو الاسم اللاتيني لأوديسيوس، بطل ملحمة هوميروس. وجويس بنى روايته كمحاكاة ساخرة ومضادة وعميقة لهذه الملحمة.
في الأوديسة، التى قرأنا فيها وتم تحليلها على هذه الصفحة منذ يومين … أوديسيوس يتيه عشر سنوات في بحار الأساطير بين الوحوش والسحرة والآلهة قبل أن يعود إلى مملكته وزوجته الوفية.
في أوليس، بلوم يتيه يوماً واحداً في شوارع دبلن بين المقاهي والجنازات والمكتبات قبل أن يعود إلى زوجته التي تخونه.
كل شخصية في الملحمة اليونانية لها نظير في رواية جويس. بلوم هو أوديسيوس. مولي هي بنيلوبي التي تنتظر لكن بطريقة مختلفة جداً. ستيفن هو تيليماكوس ابن أوديسيوس الذي يبحث عن أبيه الغائب. ودبلن هي البحر الأبيض المتوسط.
لكن جويس لا يفعل ما يفعله الكتّاب الذين يستعيرون الأساطير تزيّناً. هو يُعيد توظيف الأسطورة لقول شيء مختلف تماماً: الحياة اليومية العادية هي الملحمة الحقيقية. تغيير حفاضة طفل، وإعداد الإفطار لزوج، وحضور جنازة صديق، هذه بطولات تساوي أو تتجاوز قتل الوحوش والعودة من الحرب.
● الأسلوب: حين تصبح اللغة هي الحدث
هنا يبدأ ما يجعل “أوليس” فريداً وصعباً وعبقرياً في آن واحد.
كل فصل من الثمانية عشر فصلاً مكتوب بأسلوب مختلف.
فصل يُكتب كمقالات صحفية بعناوين فرعية. فصل آخر يُكتب كمحاورة مسرحية بدون سرد بالمرة. فصل يمر فيه أسلوب الكتابة بتطور تاريخي كامل للإنجليزية من اللغة القديمة إلى العامية الحديثة في محاكاة لنمو الجنين. فصل كامل يدور كابوساً سريالياً حيث تظهر شخصيات من الماضي وتُحاكَم فيه الذات.
وفصل مولي الأخير، الشهير بين كل الفصول، مكتوب بجملة واحدة طويلة تمتد على أربعين صفحة بلا علامات ترقيم تقريباً. أفكار مولي تتدفق دون توقف: من ذكريات طفولتها في جبل طارق، إلى غضبها من عشيقها، إلى تساؤلاتها عن الجسد والشيخوخة والموت والحب، إلى استرجاع لحظة انتهت بها الرواية عند كلمة “نعم”.
تقنية “تيار الوعي” ليست اختراع جويس وحده، لكنه ذهب بها إلى أبعد مما جرؤ عليه أحد قبله.
الفكرة خلف هذه التقنية بسيطة وثورية في آن: الوعي البشري لا يعمل كجمل مرتبة ومنطقية. يعمل كتدفق. ذاكرة تُؤدي إلى صورة تُؤدي إلى صوت يُثير قلقاً يُذكّرك بشخص مات يُعيدك إلى لحظة من طفولتك تُقاطعها رائحة من الخارج تُغيّر كل شيء.
جويس أراد أن تعكس لغته هذا الواقع لا أن تُزيّفه بجمل مكتملة ومنطقية.
● الفضيحة والرقابة: الكتاب الذي لم يُنشر
“أوليسيس” بدأ ينشر على أجزاء في مجلة “ذا ليتل ريفيو” الأمريكية بين عامَي 1918 و1920. وفي عام 1921، صادرت السلطات الأمريكية عدة أعداد من المجلة وحاكمت ناشريها بتهمة نشر مواد فاضحة، تحديداً بسبب فصل “ناوسيكا” الذي يصور بلوم في موقف مخل بالآداب العامة الكنيسة. والدولة. وجماعات الآداب العامة. كلهم ضد الكتاب.
لم يجد جويس ناشراً في بريطانيا ولا في أمريكا. حتى جاءت سيلفيا بيتش، مالكة مكتبة “شكسبير آند كومباني” الشهيرة في باريس، وقبلت نشره. الطبعة الأولى صدرت في باريس عام 1922 وحُرم من دخولها إلى بريطانيا وأمريكا لسنوات.
وحين طُبعت تلك الطبعة الأولى، كان العمال في المطبعة الفرنسية لا يفهمون الإنجليزية. فأنتجوا نسخة تحتوي على آلاف الأخطاء المطبعية، جعلت بعض العبارات أكثر غموضاً وبعضها أكثر سرياليةً مما كتبه جويس أصلاً.
وكان جويس يُصحّح هذه الأخطاء وأحياناً يُقرّر إبقاء بعضها لأنها أضافت شيئاً لم يكن يتوقعه. وهنا قد تصنع الصدفة او الخطأ تاريخا لشخص لم يتوقع هذا النجاح..
● دبلن كما لم يُكتب عنها: مدينة من الأشباح
أحد أعظم ما فعله جويس هو ما لا يراه القارئ المتسرع: إنه وثّق دبلن عام 1904 بتفاصيل دقيقة لدرجة أن المؤرخين يستطيعون استخدام “أوليسيس” كمرجع تاريخي.
كل مطعم وكل حانة وكل محل وكل مسار للترام وكل شارع وكل اسم من أسماء الأعيان المحليين، كلها موجودة بدقة مدهشة. وهذا مع أن جويس كان يكتب من المنفى يستعيد ذاكرة مدينة لم يزرها منذ سنوات.
لكن الغريب أن بعض المواضع التي وصفها جويس بدقة كانت قد هُدمت أو تغيّرت قبل نشر الرواية عام 1922. مما جعل الكتاب توثيقاً لدبلن التي كانت، لمدينة تغيّرت، لذاكرة لا يمكن التحقق منها إلا في الكلمات.
يُقال إنه لو دُمِّرت دبلن، يمكن إعادة بنائها من “أوليسيس”.
هذا التوثيق المهووس ليس عرضاً للمعرفة. هو شيء أعمق: محاولة للإمساك بزمن يفلت. دبلن التي تركها جويس عام 1904 ظلّت حية فيه وفي كتابه بينما كانت تتغيّر في الواقع.
● ما بين السطور: ما لم يقله جويس صراحةً
“أوليس” مليء بالرسائل التي لا تُقرأ في القراءة الأولى.
الأول هو نقد لاذع للقومية الأيرلندية. في فصل “السيكلوبس”، تظهر شخصية تُسمّى “المواطن”، رجل يشرب الجعة ويُلقي خطباً نارية عن الحرية الأيرلندية ومجد الأجداد وضرورة طرد البريطانيين. جويس يُصوّره بسخرية لاذعة: خطيب ضخم الجسم فارغ الفعل. الحرية التي يخطب عنها لا تتعدى شعارات في الحانة. جويس، الذي رفض الاستعمار البريطاني، رفض أيضاً القومية الأيرلندية كبديل، لأنها في نظره كانت تُعيد إنتاج القيود باسم مختلف.
الثاني هو نقد الدين عبر التفاصيل لا عبر الحجج. جويس لم يكتب بياناً إلحادياً. بدلاً من ذلك، جعل ستيفن يرفض الصلاة عند فراش أمه المحتضرة دون تفسير طويل. وجعل مشهد الجنازة يصوّر الكهنة وهم يتفاوضون على الأجرة قبل الدفاع. وجعل فصل “الوليمة” يحوّل العشاء المقدس ضمنياً إلى وجبة دنيوية.
الثالث والأعمق هو السؤال عن مفهوم الأبوة. ستيفن يبحث عن أب. بلوم يحتاج ابناً. ابنه الحقيقي “رودي” مات بعد أحد عشر يوماً من ولادته وترك جرحاً في روح بلوم ومولي لم يلتئم. حين يلتقي بلوم بستيفن في الليل ويرعاه كأب يرعى ابناً، يُتمّ جويس لحظة توحّد رمزية: الأب الذي فقد ابنه والابن الذي يبحث عن أب.
لكن اللحظة لا تُكتمل. ستيفن يرحل. بلوم يعود وحيداً إلى منزله. الوصل الذي تمّ في ساعات الليل ينتهي مع الفجر.
الرابع هو أن مولي هي الرواية الحقيقية. ليس بلوم. ليس ستيفن. مولي، التي تظهر في آخر أربعين صفحة، هي من يُعطي الرواية معناها الأخير. مونولوجها لا يُبرّر ولا يُحكم ولا يُقرّر. يتدفق. وكلمتها الأخيرة “نعم” ليست موافقة على شيء بعينه بل قبول للحياة بكل تناقضاتها.
● مئة عام من المقاومة والتقديس
في السنوات الأولى بعد نشره، كان كثيرون يُعلنون أنهم قرأوا “أوليس” دون أن يكونوا قد فعلوا. كثير من النقاد ادّعوا أنه لا يُقرأ ومن ادّعوا أنه يُقرأ ادّعوا أنهم فهموه.
ثم جاءت الأجيال التالية من الكتّاب التي تشرّبت تقنياته وفكرته دون أن تقرأه دائماً مباشرة. فرجينيا وولف طوّرت تيار الوعي في اتجاهها الخاص. ويليام فوكنر أخذ منه ما أراد. وجيل الكتّاب اللاتينيين الكبار من بورخيس إلى ماركيز اعترفوا بدينهم له.
واليوم، في السادس عشر من يونيو كل عام، يُحتفل في دبلن بما يُسمى “يوم بلوم” (Bloomsday). ناس يرتدون ملابس عصر 1904. يمشون في المسارات التي مشى فيها بلوم في الرواية. يجلسون في المقاهي التي جلس فيها. يقرؤون فقرات من الكتاب بصوت عالٍ.
المدينة التي رفض جويس أن يعود إليها تحتفل كل عام بيوم تركها فيه وبدأت قصته.
● لماذا “أوليسيس” صعبة وكيف تُقرأ؟
سؤال يطرحه كل من يسمع عن الرواية: هل يجب عليّ قراءتها؟
الإجابة الصادقة: هي من أصعب الروايات التي ستواجهها. ليس لأن أفكارها معقدة فلسفياً بل لأن أسلوبها يتحدى الطريقة التي اعتدت قراءة الروايات بها. ستجد فقرات لا تفهمها. ستجد فصولاً تشعر أنك فقدت الخيط. ستجد مراجع ثقافية ودينية وأدبية يحتاج فهمها مراجع إضافية.
لكن ثمة طريقة للاقتراب منها: لا تُحاول فهم كل شيء في قراءة أولى. اقرأ بالتخلي عن الإجابات. دعها تتحدث إليك كما يتحدث موسيقى لا تفهم كلماتها لكن تشعر بها.
بعض القراء يدخلون من فصل مولي في النهاية ثم يعودون للبداية. بعضهم يقرأ بجانبه دليلاً للرواية. وبعضهم يعود إليها مرات ويجد في كل مرة شيئاً لم يره قبلها.
جويس نفسه قال: “كتبت هذه الرواية لأشغل المنتقدين لمئة عام.”
ونجح في هذا بجدارة.
●● الخاتمة: رواية كتبها أعمى رأى كل شيء
قضى جويس السنوات الأخيرة من حياته في حالة من ضعف البصر الشديد الذي كان يقترب من العمى الكامل. كتب “أوليسيس” وهو يُعاني. كتب روايته التالية “يقظة فينيغان” (Finnegans Wake) وبصره يتدهور.
رجل يرى العالم بصعوبة كتب أكثر الروايات تفصيلاً ودقة في وصف تفاصيل مدينة.
ربما هذا هو الدرس الأخير في قصة “أوليس”: الرؤية الحقيقية لا تحتاج عيوناً. تحتاج انتباهاً. تحتاج من يُدرك أن في اليوم العادي لأي إنسان عادي في أي مدينة عادية، ثمة ملحمة كاملة تنتظر من يُقرّر رؤيتها.
قال جويس في مكان ما: “في الأدب كما في الحياة، الأشياء الصغيرة هي التي تهم.”
وهذه الرواية الضخمة عن يوم واحد هي أطول إثبات ممكن لهذه الجملة الصغيرة.
والى روايات وكتب أخرى قريبا ان شاء الله




