الرواية التي تعلّمك أن الأحلام الكبيرة قد تكون أقفاصاً صنعناها بأيدينا.. الرجل الذي عمل في مصنع أحذية وكتب عن أوهام الثروة. “آمال عظيمة” لتشارلز ديكنز

الرواية التي تعلّمك أن الأحلام الكبيرة قد تكون أقفاصاً صنعناها بأيدينا.. الرجل الذي عمل في مصنع أحذية وكتب عن أوهام الثروة.

“آمال عظيمة” لتشارلز ديكنز

البداية: طفل في مقبرة يلتقي بمجرم، وتبدأ رحلة تغيّر كل شيء
في ضباب مستنقعات كينت الإنجليزية الباردة، يذهب طفل يتيم اسمه بيب إلى زيارة قبر والديه. وفي المقبرة، بين الأشجار والبرد والوحشة، يظهر فجأةً رجل مُقيَّد متسخ مُرعب يهدد الطفل ويطلب منه أن يأتيه بطعام وأدوات لتفكيك قيوده.
يفعل بيب ما طُلب منه. خوفاً في البداية. ثم شيء يشبه الشفقة.
هذا اللقاء العابر في مقبرة باردة بين طفل فقير ومجرم هارب هو البذرة التي ستتفجر منها رواية بأكملها. رواية عن الطموح والخزي والذنب والثروة والوهم وما يفعله المجتمع بالأحلام.
نُشرت “آمال عظيمة” عام 1861 وكان ديكنز حين كتبها في ذروة نضجه الأدبي. كان يعرف ما يريد قوله. وقاله بطريقة لن ينساها من قرأها.
● الرجل قبل الرواية: ابن السجين الذي عمل في المصانع
لا يمكن أن تفهم “آمال عظيمة” دون أن تعرف من كتبها ومن أين جاء.
تشارلز ديكنز وُلد عام 1812 في عائلة طبقتها المتوسطة المتهالكة. والده كان رجلاً محبوباً لكنه غير مسؤول مالياً. وحين كان ديكنز في الثانية عشرة من عمره، سُجن والده بسبب الديون. والسجن وقتها في إنجلترا كان يعني أن العائلة كلها تسكن داخله أحياناً.
وبينما والده في السجن، أُرسل تشارلز الصبي ليعمل في مصنع لصنع الأحذية. يلصق التسميات على زجاجات الورنيش ساعات طويلة مقابل أجر ضئيل. في الطابق الأرضي من مبنى قديم على ضفة النهر. أمام أعين المارة.
هذه التجربة أحرقت في ذاكرة ديكنز بما لا يُنسى. الإحساس بالإهانة. الخزي من رؤية الناس له وهو يعمل. التناقض بين ما يحلم به وما يعيشه. والسؤال الذي لم يهدأ: لماذا الثروة توزَّع بهذه الطريقة؟ لماذا يُولد بعضهم في القصر وبعضهم في المصنع؟
كل رواياته تحمل هذه الحرارة. وأكثرها صدقاً في هذا الخصوص هي “آمال عظيمة”.
● بيب: طفل المستنقعات الذي تغرّه لندن
بيب يتيم يعيش مع أخته الكبيرة وزوجها جو الحداد. أخته امرأة قاسية تُعامله بصلابة. وجو رجل طيب القلب بسيط يُحبّ بيب بصدق.
حياة بيب محدودة. يعلم أنه سيكبر ليصبح حداداً مثل جو. وهذا كان يمكن أن يكون حياة كافية.
ثم تأتي الدعوة.
السيدة هافيشام، امرأة غنية غريبة تعيش في منزل ضخم محاط بالأسرار، تُرسل في طلبه ليأتي “ليلعب” عندها. لماذا؟ لا أحد يعرف.
يذهب بيب. ويجد عالماً لم يتخيّله.
منزل ساتيس هاوس مُغلق على نفسه. النوافذ مسدودة. الشمعدانات تحترق نهاراً. والساعات كلها متوقفة على نفس اللحظة: الثامنة والأربعون دقيقة.
والسيدة هافيشام نفسها جالسة في فستان زفاف اصفرّ بمرور السنين. على المائدة بقايا كعكة زفاف تتداخل فيها خيوط العناكب. كأن الوقت توقف في تلك اللحظة ولم يتحرك منذ ذلك اليوم.
هذا المنزل له قصة. كان يُفترض أن تتزوج هافيشام في الثامنة وأربعين دقيقة من يوم معين. لكن خطيبها هجرها ولم يأتِ. وهافيشام قررت ألا يتحرك الوقت بعد تلك اللحظة. وظلت هكذا سنوات.
وفي هذا المنزل المجمّد في الماضي، يلتقي بيب بإستلا.
● إستلا: الجمال الذي يُؤلم عمداً
إستلا فتاة تربّتها هافيشام منذ طفولتها على هدف واحد: أن تكسر قلوب الرجال. أن تكون جميلة ولا مشاعر لها. أن تُقابل حب الرجال بالبرود والاحتقار.
وهافيشام تفعل هذا انتقاماً من الجنس الذكوري كله لأن رجلاً واحداً خانها يوم زفافها.
حين يرى بيب إستلا لأول مرة، يقع في حبّها فوراً. ليس لأنها لطيفة، بل لأنها جميلة وبعيدة المنال وتُشعره بأنه أدنى منها. وهذا الإحساس بالنقص يولد في داخله شيئاً يشبه الجوع لا يُسمّى بالضبط حباً لكنه يتصرف مثله.
يريد بيب أن يكون “سيداً” يستحق إستلا. يريد أن يكون أفضل مما هو عليه. أن يتخلص من يديه الخشنتين ومن ملابسه الرثة ومن كل ما يُذكّره بأنه ابن الفقر.
ثم تأتي الفرصة.
● الثروة المجهولة: الحلم الذي يُفقد صاحبه ذاته
محامٍ يزور بيب ويُخبره بأنه ورث ثروة كبيرة من مُحسن مجهول يُريد له أن ينتقل إلى لندن ويتعلّم حياة الطبقة الراقية. شرط واحد: ألا يعرف اسم المُحسن.
بيب يعتقد أن المُحسن هي هافيشام. أن الأمر كله مُدبَّر لتهيئته كزوج لإستلا. وفي هذا الاعتقاد الخاطئ يرتكب كل أخطائه.
ينتقل إلى لندن. يتعلّم كيف يمشي ويتكلم ويجلس كما يفعل النبلاء. يرتدي الملابس الفاخرة. ويبدأ يشعر بالخزي من ماضيه. من جو الطيب البسيط. من المستنقعات. من كل شيء كان عليه.
حين يزوره جو في لندن، لا يستطيع بيب إخفاء إحراجه. جو باليديَن المتشققتَين والحديث البسيط لا يتناسب مع الصورة الجديدة التي يبنيها بيب لنفسه.
وهذه اللحظة هي إحدى أصدق لحظات الرواية وأكثرها إيلاماً: حين يتخلى الإنسان عن من أحبّه حقاً من أجل تقريب نفسه ممن يحتقره.
● الكشف الذي يُهدم كل شيء: المُحسن ليس من تظن
ليلة عاصفة تطرق فيها الرواية بابها الأكثر درامية وأكثرها فلسفية.
رجل يطرق باب بيب في لندن. رجل قديم شائب. يبدو مألوفاً لكن بيب لا يستطيع في البداية أن يتذكر من أين. ثم يُعلن الرجل هويته.
ماغويتش. المجرم الهارب من المستنقعات. الرجل الذي أعطاه بيب طعاماً وأدوات وهو طفل خائف.
وهو المُحسن الحقيقي.
ماغويتش يروي قصته: بعد أن نُقل قسراً إلى أستراليا (النظام البريطاني كان يُرسل المجرمين إلى المستعمرات)، عمل وكافح وجمع ثروة. ولم ينسَ الطفل الصغير الذي أعطاه الطعام ذات ليلة باردة. وقرر أن يُحوّل ذلك الطفل إلى “سيد”. أن يُثبت للمجتمع الذي رفضه أن “مجرماً” مثله يستطيع أن يصنع نبيلاً.
هذا الكشف يُحطّم بيب. لأن الثروة التي ظنها علامة قبول اجتماعي مصدرها رجل يُحتقَر اجتماعياً. لأن حلمه بأن يكون “سيداً” يستحق إستلا كان مبنياً على خطأ فادح. ولأنه يكتشف أن كل ما فعله، كل الخزي الذي شعر به تجاه جو وماضيه، لم يكن يقود إلى المكان الذي تخيّله.
● ساتيس هاوس: أجمل رمز في الرواية
الاسم اللاتيني يعني “كافٍ”. الاسم نفسه سخرية.
لأن هافيشام جمّدت حياتها في لحظة واحدة. وقررت أن هذا يكفي: يكفي أن تعيش في ذلك الألم. يكفي أن تُوقف الزمن. يكفي أن تُربّي طفلة على الانتقام.
الساعات المتوقفة على الثامنة والأربعين دقيقة هي أبلغ صورة في الرواية. الزمن لم يتوقف فعلاً. الساعات هي التي توقفت. والحياة خارج النوافذ المغلقة تسير. لكن هافيشام في داخل بيتها تعيش في وهم أن اللحظة المؤلمة يمكن إيقافها إذا رفضت الاعتراف بما جاء بعدها.
وهذا ما يفعله كثيرون: يُوقفون ساعاتهم الداخلية عند لحظة موجعة ويظنون أن هذا يحميهم. لكنه لا يحمي. يُقيّد.
وإستلا التي ربّتها هافيشام على القسوة هي الضحية الأكبر. طفلة أُعدَّت كسلاح. ثم اكتشفت لاحقاً أن من صنعها لم يُعطها قدرة على الحب لأن من لا يُحبّ لا يستطيع تعليم الحب.
● جو الحداد: القلب الذي يبقى بعد أن تسقط الأقنعة
في كل فوضى الرواية وتعقيداتها، يبقى جو الحداد واحداً من أجمل الشخصيات في الأدب الإنجليزي.
رجل بسيط. لا يعرف الكثير. يديه مُتشققتان من العمل. حديثه غير مُهذَّب بمعايير النخبة الفيكتورية.
لكنه حين يمرض بيب، يأتي ويجلس ويُمرّضه. دون ضغينة. دون عتاب. دون تذكير بكل الخزي الذي أشعر به بيب منه.
ذلك المشهد، بيب المريض وجو يجلس بجانبه ببساطة لا تحتمل، هو الإجابة الحقيقية لكل أسئلة الرواية. الطبقة الاجتماعية لا تمنح الكرامة. المال لا يصنع النبالة. النبل في شيء آخر تماماً. وجو يعرفه دون أن يُعرّفه.
● السياق الذي كتبت فيه الرواية: إنجلترا تتحوّل وتتناقض
عام 1861 كانت إنجلترا في ذروة العصر الفيكتوري: الثورة الصناعية غيّرت كل شيء. الناس ينزحون من الريف إلى المدن. لندن تنمو بسرعة مذهلة. الطبقة المتوسطة ترتفع والفجوة بين الأغنياء والفقراء تتسع.
والمجتمع الفيكتوري كان يُقدّس شيئاً واحداً فوق كل شيء آخر: المظاهر. الملابس والأسلوب وطريقة الكلام وعنوان المنزل والمعارف الاجتماعية. من تعرف يُحدّد من أنت أكثر مما أنت عليه فعلاً.
وديكنز رأى هذا وكرهه. رأى مجتمعاً يُعاقب الفقر كأنه خطيئة ويُكافئ الثروة كأنها فضيلة. رأى كيف يُحوَّل البشر إلى درجات في سلّم اجتماعي وليس إلى بشر حقيقيين.
وكتب “آمال عظيمة” كرد على كل هذا.
النظام الجنائي البريطاني الذي كان يُرسل المجرمين إلى المستعمرات ظهر في الرواية عبر ماغويتش. وهذا النظام كان يُعامل الجريمة كمرض اجتماعي يجب نفيه بعيداً لا كظاهرة لها أسباب تحتاج معالجة. ماغويتش نُفي. ثم جمع ثروة. ثم أراد الانتقام من المجتمع الذي رفضه بأن يصنع له سيداً.
والثروة التي جمعها في أستراليا كانت في الحقيقة ثروة الإمبراطورية البريطانية التي بُنيت على نظام النفي والعمل القسري. الحضارة الفيكتورية الأنيقة في لندن لها وجه آخر في أستراليا والمستعمرات. وهذا الوجه الآخر هو ما صنع ثروة بيب.
● ما لم يقله ديكنز صراحةً، والأثقل مما قاله
“آمال عظيمة” تحمل رسائل لم تُقَل بصراحة كاملة.
الأول هو أن المجتمع الذي يُعرّف قيمة الإنسان بثروته يصنع بشراً يخجلون من أنفسهم. بيب لم يكن شخصاً سيئاً بطبعه. كان طفلاً طبيعياً. لكن حين تعلّم أن قيمته مرتبطة بمكانته الاجتماعية، بدأ يتعامل مع الآخرين بنفس المنطق. الخزي الذي شعر به تجاه جو ليس ضعفاً أخلاقياً فردياً. هو نتاج منطقي لمجتمع يُعلّم أبناءه أن الفقر عار.
الثاني هو أن الوفاء يبقى حيث لا يُتوقع. من وقف بجانب بيب حقاً حين سقط لم يكن إستلا التي أحبّها. ولم تكن هافيشام التي ظنها مُحسنته. كان جو الذي خجل منه. والذي لم يحتفظ بذلك الخزي ليعاقبه به لاحقاً.
الثالث هو نقد لمشروع الانتقام الذي لا ينتهي بخير. هافيشام ربّت إستلا لتُدمّر الرجال انتقاماً من خطيبها الذي خانها. والنتيجة: إستلا تعاني. وهافيشام تحترق. والخطيب لم يتأذ بالقدر الكافي. الانتقام لا يعود على من يُمارسه بما يريد. يعود عليه بأن يعيش في النار.
الرابع وهو الأكثر إزعاجاً: الأوهام التي نصنعها عن أنفسنا أحياناً تصبح أقفاصاً. بيب لم يكن ضحية بشكل كامل. اختار أن يُصدّق الوهم لأن الوهم كان أجمل من الحقيقة. واختار أن يخجل من جو لأن الخجل منه كان أسهل من مواجهة واقعه. والإنسان يفعل هذا كثيراً: يختار الوهم الجميل على الحقيقة المؤلمة ثم يُحمّل الآخرين مسؤولية ما أحدثه اختياره.
● النهايتان: ديكنز غيّر رأيه
ثمة تفصيل أدبي لطيف يستحق الذكر: ديكنز كتب نهايتَين للرواية.
النهاية الأولى كانت بيب يلتقي بإستلا بعد سنوات وهي متزوجة من رجل آخر. يرانها ويتمنى لها السعادة ويمضي. نهاية واقعية جافة تقول: ليس كل شيء ينتهي بالوصل.
لكن صديق ديكنز الروائي ويلكي كولينز نصحه بأن النهاية قاسية جداً على القراء. فغيّرها ديكنز.
النهاية الثانية التي نقرأها اليوم هي أن بيب وإستلا يلتقيان في أنقاض ساتيس هاوس المهدوم. ويتبادلان نظرة تُوحي بإمكانية مستقبل مشترك. وتُترك النهاية مفتوحة.
والجمال أن الأنقاض نفسها رمز: الوهم القديم هُدم. وعلى أنقاضه ربما يصبح شيء حقيقي ممكناً. لكن ديكنز لا يَعِد بشيء. يُلمح فقط. ويترك لك أن تُقرّر.
● الإرث: لماذا تُقرأ هذه الرواية بعد مئة وستين عاماً؟
لأن أسئلتها لم تنتهِ.
ما الذي يمنح الإنسان قيمته؟ هل هو مكانه في السلّم الاجتماعي؟ هل هو المال الذي يملكه؟ هل هو ما يُقدّمه للآخرين؟ هل هو أصوله وجذوره؟
وكيف يختلف الحلم الحقيقي عن الوهم المُخادع؟ كيف تعرف أنك تسعى لما تُريد فعلاً لا لما يُريد الآخرون أن تسعى إليه؟
وهل يمكن للإنسان أن يعود إلى من أحبّه بصدق بعد أن خانهم بحثاً عن شيء لم يكن يستحق الخيانة؟
هذه الأسئلة ليست فيكتورية. هي إنسانية.
● الخاتمة: الطفل الذي عمل في مصنع الأحذية وكتب رواية لن تُنسى
ديكنز مات عام 1870. وكان يطلب في وصيته أن يُدفن بهدوء دون إعلان ودون جنازة كبيرة. دُفن في كنيسة وستمنستر أبي.
لكن الخبر حين انتشر تجمّع الناس عند القبر وتركوا الزهور. ولم يكونوا من النخبة الأدبية فقط. كانوا من كل الطبقات.
لأن ديكنز كتب عنهم جميعاً. عن الأطفال الفقراء والمجرمين والسيدات المنتقمات والمحامين الفاسدين والحدّادين البسطاء والمحبّين التعساء.
وكتب “آمال عظيمة” من تجربة يعرفها: أن تكون في أسفل السلّم الاجتماعي وتحلم بأعلاه. وأن تكتشف لاحقاً أن السعادة الحقيقية لم تكن في ذروة السلّم بل في الأشخاص الذين تركتهم خلفك وأنت تتسلق.
قال مرة: “ليس من الشرف بأي حال أن تُحكم على الإنسان من مظهره.”
وكتب رواية بأكملها لإثبات هذه الجملة.

Post tags :

شارك المقالة علي ...

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Email