يأتي كتاب (الوجود: لماذا يُعدّ كونك إنساناً أصعب من كونك هامستراً أو سمكة رنجة؟)، لعالمي النفس الأستراليين روس جي مينزيس وابنته رايتشل إي مينزيس، ليقدم إحدى أكثر الصياغات وضوحا لهذا التحول الفكري، واضعا القارئ أمام سؤال ظل يؤرق الفلاسفة منذ آلاف السنين: هل نحن حقا من يختار، أم أننا نتوهم فقط أننا نختار؟
ولا يتعامل الكتاب مع هذا السؤال بوصفه تمرينا فلسفيا مجردا، بل باعتباره مدخلا لفهم الاضطرابات النفسية التي باتت تطبع المجتمعات الغربية، حيث تتزايد معدلات القلق والاكتئاب والعزلة والشعور بانعدام المعنى، رغم التقدم المادي والتكنولوجي غير المسبوق.
يرى المؤلفان أن الإنسان أصبح أسير تصور مبالغ فيه عن ذاته، وأن الثقافة الغربية الحديثة دفعت بالفرد إلى الاعتقاد بأنه محور العالم وصانع مصيره، وأن نجاحه أو فشله مرهونان بقدرته الشخصية وحدها. ومع الوقت، تحول هذا التصور إلى عبء نفسي هائل، لأن الإنسان وجد نفسه مطالبا بالنجاح الدائم، وبإدارة حياته وعلاقاته وعمله وصحته وسعادته، وكأن كل شيء يقع تحت سيطرته المطلقة.
ومن هنا ينطلق الكتاب في نقد ما يسميه "عبادة الذات" التي كرستها النيوليبرالية المعاصرة، حيث لم يعد الفرد مجرد مواطن أو عضو في مجتمع، بل مشروعا دائما لتحسين نفسه. فخطابات التحفيز، وكتب النجاح، ومنصات التواصل الاجتماعي، والخوارزميات الرقمية، كلها تدفع الإنسان إلى مراقبة ذاته باستمرار، وإلى الاعتقاد بأن أي إخفاق هو دليل على تقصيره الشخصي، لا نتيجة لشبكات معقدة من الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.












