قد يقول بعض الأمريكيين إن حرية التعبير بدأت مع التصديق على التعديل الأول للدستور عام ١٧٩١. وقد يشير فرنسي إلى إعلان حقوق الإنسان والمواطن عام ١٧٨٩. في الحقيقة، جذور حرية التعبير عريقة وعميقة وواسعة الانتشار. فبريكليس، رجل الدولة الأثيني، كان يُشيد بالمزايا الديمقراطية للنقاش المفتوح والتسامح مع المعارضة الاجتماعية منذ عام ٤٣١ قبل الميلاد.
تظل حرية التعبير من أكثر الحريات إثارة للجدل، لأن الكلام لا يبقى دوماً في حدود الأفكار، ويمكن أن يتحول إلى فعل يؤثر في الآخرين، ويغير مواقفهم، ويضر بسمعتهم أو كرامتهم، وقد يسهم أحياناً في التحريض على العنف والتمييز، لذلك تثير هذه الحرية سؤالاً فلسفياً وقانونياً مهماً: كيف يمكن صون حق الإنسان في القول، من دون أن يصبح هذا الحق ذريعة للإضرار بالآخرين، أو أن تتحول حمايتهم إلى وسيلة لإسكات الأصوات المخالفة؟
عن هذه المعضلة يجيب الباحث والحقوقي الدنماركي جاكوب مشانغاما في كتابه "حرية التعبير، تاريخ من سقراط إلى شبكات التواصل الاجتماعي"، الصادر حديثاً بنسخته الفرنسية عن دار فلاماريون (2026)، ففي قراءة تمتد على نحو 2500 عام، يتتبع المؤلف المسار التاريخي والفلسفي والقانوني لهذه الحرية، منذ جذورها الأثينية القديمة، مروراً بتطورها في الفكر السياسي الأوروبي، وصولاً إلى التحديات التي فرضها الإعلام الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي، ويقدم في الوقت عينه تاريخاً لانتصار الحرية وانتكاساتها والصراعات المتجددة لتوسيع مجالها أو السعي إلى ضبطه، محذراً من أن الحرية التي تبدو راسخة قد تفقد أرضها حين يتراجع الاستعداد للدفاع عنها، عندما تكون الأصوات المستهدفة بعيدة من قناعاتنا أو من انتماءاتنا السياسية والفكرية.
تعود الجذور التاريخية لحرية التعبير، كما يوضح مشانغاما، إلى الديمقراطية الأثينية، حين برزت أهمية النقاش العلني وحق المواطنين في المشاركة في الحياة السياسية ومساءلة أصحاب السلطة. وقد عبر مفهوم "إيسغوريا" (isegoria) عن حق المواطنين في الكلام في المجال العام، فيما ارتبط مفهوم "باريسيا" (parrhesia) بصراحة القول وجرأة التعبير عن الرأي، حتى حين ينطوي على مجازفة أو مواجهة مع أصحاب النفوذ.
المشاركة المحصورة
غير أن هذه التجربة، على أهميتها التاريخية، لم تكن نموذجاً مكتملاً للمساواة، إذ ظلت المشاركة السياسية محصورة في فئات محددة، ولم تشمل النساء والعبيد وسائر من كانوا خارج جماعة المواطنين. وهكذا، اجتمع الاعتراف بأهمية النقاش الحر مع استبعاد فئات من المجتمع في مفارقة تكشف عن أن تاريخ الحرية لم يكن يوماً منفصلاً عن حدود الجماعة التي تعترف بها أو عن المصالح التي ترسم نطاقها.
وإذ يتتبع الكتاب تجارب المدافعين عن هذه الحرية، بدءاً من ديموستينوس إلى التجارب السياسية اللاحقة، لا يرى في تاريخ حرية التعبير مساراً تصاعدياً لا رجعة فيه، فقد تعاقبت عصور الانفتاح ومراحل القمع، وتبدلت الحجج التي استندت إليها السلطات لتبرير الرقابة، من حماية النظام العام إلى صون العقيدة والأخلاق، كما تكرر مشهد سياسي لافت، جماعات تطالب بحرية التعبير ما دامت خارج السلطة، ثم تسعى إلى تقييدها عندما تصبح في موقع النفوذ، هنا يستمد الكتاب أحد خيوطه الناظمة الذي يسميه المؤلف "لعنة ميلتون"، مستحضراً الشاعر الإنجليزي جون ميلتون، صاحب النص الشهير في الدفاع عن الحرية ومناهضة الرقابة، الذي انتهى به الأمر، في ظل نظام كرومويل، إلى ممارسة الرقابة نفسها، تكشف المفارقة كيف تفرغ المصالح المبادئ من معناها، فيتحول المدافع عن الحرية إلى مقيد لها حين يمنح أفكاره حماية يحجبها عن خصومه.
لكن حرية التعبير لم تتبلور، في بداياتها، كحق قانوني واضح، فقد نشأت تدريجاً من نقاشات فلسفية حول التسامح وحرية الضمير واستقلال الفرد في مواجهة السلطة، وقد أسهم باروخ سبينوزا وجون لوك في بناء حجج مناهضة للرقابة، وفي الدفاع عن حق الإنسان في التفكير والاعتقاد والبحث.
تكمن أهمية كتاب مشانغاما في أنه يعيد هذه التحديات المعاصرة إلى جذورها التاريخية، مبيناً أن الأسئلة التي تثيرها المنصات الرقمية ليست جديدة، وإن تغيرت الوسائل والفاعلون، فمنذ أثينا بيريكليس، ظل الصراع قائماً بين حق الفرد في الكلام ورغبة السلطة في ضبط المجال العام، وبين الحاجة إلى حماية الأشخاص والخشية من أن تتحول هذه الحماية إلى ذريعة للرقابة، لكن المؤلف لا يدعو إلى تجاهل الأضرار التي قد يخلفها الكلام، بقدر ما يحذر من الثقة المفرطة بقدرة السلطة على التمييز بين التعبير المقبول والتعبير الذي ينبغي إسكات صاحبه.










