يتناول كتاب "استراتيجية إسرائيل الكبرى: السيطرة، التشكيل، والتكيف مع الوقائع الجديدة" للباحثين والمحللين الاستراتيجيين إيلاي ريتيج وإيتان شامير قراءة تفكيكية ونقدية تسبر غور التحولات الهيكلية والتكتيكية التي طرأت على العقيدة الأمنية والسياسية للدولة العبرية. يبتعد الكاتبان عن الانطباعات الصحفية السطحية والتحليلات العسكرية الجزئية، ليقدما سردية مكثفة تستكشف الركائز الأساسية التي صاغت مفهوم "الاستراتيجية الكبرى" لإسرائيل منذ نشأتها وحتى العصر المعاصر، موضحين كيف تتداخل العوامل العسكرية، والاقتصادية، والدبلوماسية، والتكنولوجية للتعامل مع بيئة إقليمية شديدة التقلب والعدائية.
يسلط ريتيج وشامير الضوء على الثنائية المحورية التي تحكم الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي والمتمثلة في السعي المستمر إلى "السيطرة" على المخاطر المباشرة وتشكيل بيئة أمنية ملموسة تضمن التفوق النوعي، بالتوازي مع القدرة البرجماتية على "التكيف" مع المتغيرات المتسارعة والمفاجآت الجيوسياسية. يستعرض النص كيف تطورت هذه العقيدة من الاعتماد التاريخي على "الجدار الحديدي" والردع العسكري المباشر والحروب الخاطفة، إلى تبني استراتيجيات المعارك بين الحروب (المعروفة بـ "مبام")، والاستفادة من التحولات التقنية كأمن الفضاء الإلكتروني (Cybersecurity)، ودبلوماسية الطاقة والإبرام المتسارع لاتفاقيات السلام والتطبيع الإقليمي لبناء تحالفات استراتيجية جديدة تتجاوز القضية الفلسطينية وتستهدف تحجيم النفوذ الإيراني وشبكات حلفائه.
يتجاوز الكتاب الطرح التوصيفي ليقدم تحليلاً نقدياً للقيود والمأزق الهيكلية التي تواجه هذه الاستراتيجية الكبرى اليوم في ظل تغير قواعد اللعبة والتحديات غير المتماثلة التي تفرضها الفصائل والجهات الفاعلة من غير الدول. وتبرز أطروحة المؤلفين أن النجاح في التكيف التكتيكي وضبط التوازنات الإقليمية لا يحجب الأزمة المفاهيمية الناتجة عن غياب رؤية سياسية حاسمة طويلة الأمد بشأن الصراع مع الفلسطينيين، وهو ما يجعل "السيطرة" حلاً مؤقتاً ومحفوفاً بالمخاطر وتكاليف الاستنزاف الدائم. ينتهي الكتاب بنسيج سردي متماسك ينبض بالعمق الأكاديمي والواقعية الجيوسياسية، يترك القارئ أمام فهم دقيق وشامل لآليات صنع القرار في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، مؤكداً أن الاستراتيجية الكبرى الناجحة لا تتطلب فقط امتلاك القوة المرعة والقدرة على التكيف مع الأمر الواقع، بل تتطلب بالأساس الشجاعة لإعادة تعريف الأهداف الوطنية الممتدة في عالم يعاد تشكيله باستمرار.











