يتناول كتاب "النيوليبرالية، الأزمة، واللاوعي: الجذور التحليلية-النفسية للصمود النيوليبرالي" للباحث والأكاديمي هنري ماهر قراءة تفكيكية ونفسية-سياسية فريدة تسبر غور اللغز المحوري المحيط بالنظام الاقتصادي العالمي المعاصر: كيف تنجو النيوليبرالية وتستعيد عافيتها باستمرار عقب كل أزمة مالية أو اجتماعية طاحنة كادت تعصف بها؟ يبتعد الكاتب عن التحليلات الاقتصاديّة والسياسية التقليدية التي تعزو هذا الصمود إلى مجرد موازين القوى أو القمع المؤسسي، ليقدم سردية مكثفة تغوص في أدبيات التحليل النفسي (مستفيداً من أفكار سيغموند فرويد وجاك لاكان)، كاشفاً أن الرأسمالية النيوليبرالية ليست مجرد سياسات تنموية أو أنظمة أسواق، بل هي بنية نفسية ورغبية متغلغلة تشكل لاوعي الذات المعاصرة وتحدد أنماط تفكيرها وشعورها.
يسلط ماهر الضوء على الميكانزمات النفسية التي تستخدمها النيوليبرالية لتوجيه القلق والاستياء الجماهيري لصالحها بدلاً من تحويله إلى فعل ثوري مضاد. يستعرض النص كيف يعيد النظام النيوليبرالي صياغة المفاهيم الذاتية عبر تحويل الأفراد إلى "مشاريع استثمارية" مستقلة تتحمل وحدها مسؤولية الفشل أو النجاح، مما يترجم الأزمات الهيكلية المتكررة (مثل الركود والاقتطاعات والبطالة) ليس كإخفاقات للنظام نفسه، بل كتقصير فردي وشعور بذنب شخصي لدى الفرد. كما يكشف الباحث كواليس إدارة الأزمات النيوليبرالية، مبيناً كيف يتم استغلال حالات الخوف واللايقين لتعميق منطق المنافسة والسوق، وتفريغ أي غضب جماعي في صراعات جانبية أو طقوس استهلاكية تعزز من تبعية الفرد للنموذج ذاته.
يتجاوز الكتاب النقد الاقتصادي التقليدي ليقدم أطروحة أصلية في العلاقات الدولية والتحليل الاجتماعي، داعياً إلى فهم النيوليبرالية بوصفها "دعامة لاوعية" تمنح الأفراد شعوراً بالهوية والأمان المعرفي حتى في أحلك أوقاتها. وتبرز رؤية المؤلف أن تفكيك الهيمنة النيوليبرالية وإيجاد بدائل اقتصادية وسياسية حقيقية لن يتحققا عبر صياغة برامج وسياسات عقلانية فحسب، بل يتطلبان أولاً تفكيك الرغبات والمخاوف والتمثلات النفسية العميقة التي تجعل الأفراد متمسكين بهذا النظام رغم كل ما يسببه من استغلال وإنهاك. ينتهي الكتاب بنسيج سردي متماسك ينبض بالعمق الفلسفي والتحليلي، يترك القارئ أمام فهم دقيق للركائز الخفية التي تضمن استمرار النظام الاقتصادي العالمي، مؤكداً أن معركة التغيير السياسي هي في جوهرها معركة تحرير للذات واللاوعي من أسر المنطق النيوليبرالي.











