يتناول كتاب "لكل غزة" للمؤرخ والناقد الثقافي الإيطالي تومازو مونتاناري (بالمشاركة الفنية مع الرسام ماركو سورو)، الصادر عن دار فيلترينيللي، قراءة توثيقية ورثائية جادة تسبر غور الفجوة الأخلاقية والإنسانية التي أحدثها العدوان والإبادة الجماعية في قطاع غزة. يبتعد الكاتب عن التحليلات الجيوسياسية الباردة ولغة الأرقام الصماء، ليقدم سردية مكثفة تعتبر غزة ليس مجرد حيز جغرافي محاصر في الشرق الأوسط، بل مركزاً متقدماً للمضمون الأخلاقي الإنساني، ومرآة تصدم الضمير الغربي والمؤسسات الدولية التي غرق جزء كبير منها في التواطؤ أو الصمت المريب.
يسلط مونتاناري الضوء على التناقض الصارخ بين المبادئ والقيم التي تتغنى بها الحضارة الأوروبية—كحقوق الإنسان، وصيانة التراث، والكرامة الإنسانية—وبين موقفها الفعلي تجاه المأساة الفلسطينية، متتبعاً كيف يُستخدم التضليل الإعلامي والرقابة الذاتية لشرعنة العنف ومحو الذاكرة التاريخية والثقافية للمدينة. يستعرض النص التآلف البصري والسردي بين كلماته الناقدة وبين الرسوم التعبيرية لماركو سورو، كاشفاً كيف تتحول القوة الناعمة والفن والشهادة الحية إلى أدوات مقاومة فكرية ترفض اختزال الضحايا في مجرد إحصائيات، وتكشف بشاعة استخدام التجويع، وتدمير الجامعات والأحياء السكنية، واستهداف الهوية الثقافية كوسيلة للمحو والتجريف الحضاري.
يتجاوز الكتاب الطرح الاحتجاجي التقليدي ليقدم وثيقة سياسية وأخلاقية تحث المجتمعات والمثقفين على الخروج من حالة السلبية، مبيناً أن "من أجل غزة" يعني في جوهره الدفاع عن بقايا المعنى الإنساني والديمقراطي في العالم المعاصر. وتبرز أطروحة المؤلف أن مأساة غزة أسقطت القناعات الزائفة وأعادت تعريف الحدود بين الإنسانية المتضامنة وبين المنظومات السلطوية التي تضحي بالبشر لحساب المصالح الجيوسياسية والتفوق العسكري. ينتهي الكتاب بنسيج سردي متماسك ينبض بالعمق الأخلاقي والصرامة الفكرية، يترك القارئ أمام صرخة تحذيرية وشهادة تاريخية متماسكة تؤكد أن الدفاع عن غزة هو دفاع عن المستقبل المشترك للإنسانية جمعاء.











