يقدم الباحثان ستانلي كوينترل وماكسيم كاربينكو في كتابهما المعنون "بوتلر: كيف أعادت روسيا بناء الفاشية ولماذا يكرر العالم حقبة الثلاثينيات" دراسة تحليليّة سياسيّة وتاريخية تناقش التحولات الأيديولوجية والجيوسياسية العميقة في روسيا المعاصرة، ورصد كيف تم انبعاث الأيديولوجيا الفاشية وصياغتها بنمط حديث ليخدم السلطوية الروسية الحالية، مع مقارنة ذلك بالمشهد السياسي العالمي الذي سبقت فيه الحرب العالمية الثانية خلال ثلاثينيات القرن الماضي.
ينطلق الكتاب من المصطلح المبتكر "بوتلر" (وهو نحت لفظي يجمع بين اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأدولف هتلر) ليشرح كيف تطورت الدولة الروسية من تجربة الديمقراطية الوليدة عقب انهيار الاتحاد السوفيتي إلى نظام شمولي يعتمد الاستبداد، وتأليه الحاكم، وقمع المعارضة، وتسخير وسائل الإعلام للترويج للخطاب القومي المتطرف. يقدم المؤلفان تحليلاً لآليات الهندسة الاجتماعية والسياسية التي تتبعها السلطة الروسية لبناء هذا النموذج الفاشي المعدل، حيث يتم استخدام التاريخ وروايات المظلومية القومية وتغذية مشاعر الكراهية ضد الغرب لتعبئة الجماهير وإضفاء الشرعية على السياسات التوسعية العدوانية.
لا يقف الكتاب عند التحليل الداخلي لروسيا بل يتوسع ليقارن الوضع السياسي العالمي الراهن بالفترة المفصلية في ثلاثينيات القرن العشرين. يوضح الكاتبان أن العالم اليوم يعيد ارتكاب نفس الأخطاء التاريخية، ولا سيما من خلال سياسات المهادنة والتردد التي تتبعها القوى الغربية والديمقراطية في مواجهة الانتهاكات الجيوسياسية والتمدد العسكري. تشمل هذه المقارنة رصد تصاعد التيارات القومية المتطرفة والشعبوية في مختلف دول العالم، وتراجع الثقة في المؤسسات الدولية والتحالفات المناهضة للاستبداد، مما يكرر الظروف والمناخ السياسي الذي مهد الطريق للحرب العالمية الثانية.
تأتي أهمية هذا العمل التحليلي من قدرة الكاتبيْن على تفكيك خطاب القوة والمظلومية التاريخية الذي تعتمده روسيا، وربطه بالأسباب الهيكلية التي تسمح للنظم الفاشية بالصعود والاستمرار. يوضح المؤلفان أن انبعاث الفاشية في روسيا لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة استغلال الفراغ الأيديولوجي، والرغبة في استعادة الأمجاد الإمبراطورية الغابرة، وتوظيف أدوات العصر الحديث كالحروب السيبرانية وحملات التضليل الإعلامي المنظمة لاختراق الديمقراطيات الغربية وإضعافها من الداخل.
في الختام، يمثل هذا الكتاب جرس إنذار ودعوة ملحة للمجتمع الدولي والسياسيين لإعادة تقييم المخاطر الجيوسياسية الراهنة وعدم الانخداع بسيناريوهات التهدئة غير الفعالة. يشدد الكتاب على أن مواجهة هذا النموذج الفاشي المتجدد تقتضي الاستفادة الحقيقية من دروس التاريخ، واستعادة وحدة الصف الإنساني والديمقراطي، والوقوف بحزم ضد المحاولات الشمولية لإعادة رسم حدود العالم بالقوة، منعًا لتكرار مآسي الماضي القريب.












