يتناول كتاب "قدّاس لغزة" للكاتب والصحفي الأمريكي كريس هيدجز والرسام والفنان المصور جو ساكو، الصادر عن دار "فانتاغرافيكس"، قراءة توثيقية ورثائية مريرة تسبر غور الشهادات الحية والتجارب الإنسانية للنازحين الفلسطينيين الذين عاشوا ويلات العدوان والإبادة الجماعية في قطاع غزة. يبتعد الكتاب، الذي يجمع بين السرد الصحفي التحقيقي الرصين والرسوم البيانية المأساوية، عن أرقام الإحصاءات الصماء والخطابات السياسية العابرة، ليقدم سردية مكثفة تعتمد على مقابلات ميدانية أجراها المؤلفان في القاهرة مع تسع وعشرين عائلة فلسطينية نجت مؤخراً من أهوال الحرب، متتبعين تفاصيل الفقد، والاقتلاع القسري، والمحو الشامل للمجتمعات والأحياء السكنية.
يسلط الكتاب الضوء على الشهادات الفردية والجماعية التي توثق الأيام الأولى للعدوان، والتهجير المستمر تحت القصف، والترهيب الممنهج عبر القتل العشوائي والاغتيالات المحددة، فضلاً عن المعاناة اليومية الناجمة عن المجاعة وتدمير المنظومة الصحية والخدمية. يستعرض النص عبر التآلف بين القلم والنبرة الرثائية لهيدجز وبين الرسوم البصرية الحية لساكو كيف يتعرض الشاهد الفلسطيني لمحاولة محو تاريخي وثقافي تُسلب منه فيها أرضه وذاكرته، كاشفاً الخلل في التعامل الدولي والإعلامي الغربي الذي يختزل الضحايا في مجرد أرقام أو رموز سياسية، بينما يكشف الكتاب عن القوة الأخلاقية والكرامة الإنسانية للاجئين الذين تمسكوا بإنسانيتهم وشهادتهم الحية وسط أحلك ظروف الدمار.
يتجاوز الكتاب التوثيق الصحفي التقليدي ليقدم وثيقة تاريخية وإنسانية حاسمة تقاوم محاولات المحو وتزييف الذاكرة الجماعية، مؤكداً أن ما جرى في غزة ليس مجرد نزاع عسكري طارئ بل هو استمرار لعملية اقتلاع وتجريد قسرية ممتدة. وتبرز أطروحة الكاتبين أن تسجيل هذه الشهادات وسرد قصص الشجاعة والتضحية والتضامن بين الضحايا يمثلان خط الدفاع الأخير عن الحقيقة وكرامة الإنسان ضد آلة الحرب وسياسات الصمت الدولي. ينتهي الكتاب بنسيج سردي متماسك ينبض بالأسى الصادق والشفافية الأخلاقية، يترك القارئ أمام شهادة استثنائية تعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني، مؤكداً أن صيانة الذاكرة الحية وإبراز الصوت الحق هما السبيل الوحيد لمواجهة الإبادة ومقاومة نسيان التاريخ.













