يقدم الدبلوماسي والإعلامي الفرنكوفوني فرست ميلول في كتابه الجديد "La bascule" قراءة كواليسية مكثفة للتحولات الجيو-سياسية الحادة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في الأรشق الأخيرة.
يتناول المؤلف، الذي يعمل مراقباً وسياسياً متابعاً للتطورات الميدانية والدبلوماسية انطلاقاً من تل أبيب، مسار الشرق الأوسط من النشوة الدبلوماسية التي رافقت توقيع اتفاقيات إبراهيم إلى صدمة الانفجار في السابع من أكتوبر، وصولاً إلى ملامح النظام الإقليمي الجديد المتشكل على وقع الأزمة.
تتلخص الأطروحة المحورية للكتاب في تفكيك مقولة أن أحداث السابع من أكتوبر قضت على اتفاقيات إبراهيم؛ إذ يرى ميلول أن تلك الأحداث لم تدفن المسار الإقليمي الدبلوماسي، بل جعلت الحاجة إلى إطار إقليمي أوسع وأكثر صلابة أمراً محتماً وفرضاً لا مفر منه لضمان الاستقرار.
ثلاثية السرد وتتبع التحولات
يصيغ المؤلف تحليله عبر مسار سردي ثلاثي الأبعاد يعكس التطورات التاريخية والدبلوماسية في المنطقة:
كواليس اتفاقيات إبراهيم (2018-2023):
يستعرض الكتاب في قسمه الأول التفاصيل غير المعلنة التي رافقت بناء جسور التطبيع الإقليمي، ممتدة من دبي والمنامة إلى الرباط، وصولاً إلى التوافقات الجيو-اقتصادية في قمة مجموعة العشرين بنيودلهي. يبرز ميلول كيف تشكلت هذه الديناميكية حول المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة، قبل أن تصطدم باختبار صلب.
اختبار السابع من أكتوبر والهزات الدبلوماسية:
ينتقل الكتاب للحديث عن التداعيات المباشرة للصراع، مسلطاً الضوء على ارتداداته الدبلوماسية الدولية والإقليمية. يحلل المؤلف الأفول التدريجي للتأثير الفرنسي في المنطقة كما ظهر في خطابات الخطط الدبلوماسية واللقاءات الدولية، مروراً بالتوترات التي تشكلت مع مواقف بركسل وباريس، والقطيعة أو التباعد الرمزي مع بعض القوى الإقليمية، والصدام السياسي والإعلامي المباشر مع أنقرة.
تشكل "صلح وستفاليا" شرق أوسطي:
في الفصل الأخير، يطرح ميلول مفهومه الأساسي المتمثل في نشوء ما يسميه "صلح وستفاليا شرق أوسطي". والمقصود بهذا المفهوم هو إرساء نظام إقليمي لا يلغي الحروب بالضرورة، لكنه يعيد ضبط الصراعات وحصرها بين دول وسيادات محددة ومعروفة، مما يقلل من نفوذ الفاعلين غير التابعين للدول، وذلك تحت وطأة الضغوط الدولية ومبادرات التسوية المعروضة والقرارات الأممية ذات الصلة.
أهمية الكتاب ورؤيته النقدية
يستمد الكتاب قيمته الاستثنائية من نفاذ المؤلف المباشر إلى دوائر صنع القرار ومراكز الدبلوماسية الغربية والخليجية. يعتمد العمل على شهادات وملاحظات ميدانية تجعل القارئ يتابع التفاصيل وكأنه داخل الغرف المغلقة.
يرسم "La bascule" خريطة جديدة لمنطقة تعيد تعريف أمنها وسيادتها وسط اضطرابات غير مسبوقة، مؤكداً أن مستقبل الشرق الأوسط يتوقف على القدرة على تحويل الأزمات الكبرى إلى قواعد لعبة جديدة ومستقرة.













