"علم غير المعقول": كتاب جديد لماسيمو بوليدورو يفكك البيولوجيا النفسية للمعتقدات الزائفة ويكشف آليات تزييف الواقع في عصر السوشيال ميديا
شهدت الأوساط العلمية والثقافية صدور كتاب استقصائي معرفي بالغ الأهمية يحمل عنوان "La scienza dell'incredibile: Come si formano credenze e convinzioni e perché le peggiori non muوno mai" (علم غير المعقول: كيف تتشكل المعتقدات والقناعات ولماذا لا تموت أسوأها أبداً) عن دار النشر الإيطالية العريقة "جيانغياكومو فلترينيلي". يقع هذا المؤلف ضمن سلسلة "الكتب الاقتصادية العالمية للحقوق" في مائتين وستة وخمسين صفحة من القطع المتوسط. ويقدم تشريحاً علمياً ونفسياً دقيقاً لكيفية صياغة العقل البشري لمنظومة معتقداته، كاشفاً الأسرار الكامنة وراء تمسك ملايين البشر بالأفكار الأكثر غرابة أو عبثية، وتحويلهم لمجرد أوهام وإيحاءات عابرة إلى حقائق صلبة لا تقبل التشكيك، مما يجعله وثيقة معرفية ضرورية لفهم السلوك الإنساني المعاصر وفك شفرات التزييف الفكري الرائج.
يستمد هذا العمل مصداقيته الفكرية الكبيرة من الهوية الأكاديمية والمهنية المرموقة لمؤلفه ماسيمو بوليدورو، الكاتب والباحث وأستاذ التواصل العلمي في الجامعات الإيطالية. يُعرف بوليدورو بأنه الشريك المؤسس، رفقة عالم لاهوت التبسيط العلمي الشهير بييرو أنجيلا، للجنة الإيطالية للتحقق من الادعاءات القائمة على العلوم الزائفة "سيكاب" (CICAP). ويمتلك بوليدورو مسيرة مهنية طويلة في ملاحقة الأوهام والخرافات وتفكيك بنية التفكير اللامنطقي. وفي هذا الكتاب، يبتعد المؤلف عن أسلوب الوعظ الأكاديمي التقليدي، ليأخذ القارئ في رحلة عبر قصص واقعية لا تصدق، بهدف استكشاف الجذور البيولوجية والنفسية العميقة التي تدفع الكائن البشري إلى البحث الدائم عن "صناعة المعنى" وتفسير كل ما يحيط به، حتى لو قاده ذلك إلى تبني أشد الأفكار مجافاة للمنطق الصريح.
ينطلق هيكل التحليل في الكتاب من حقيقة سيكولوجية أساسية، وهي أن المعتقدات والقناعات الشخصية تمتلك قدرة هائلة على تشويه وتبديل الطريقة التي ندرك ونبصر بها العالم من حولنا. يوضح بوليدورو أن هذه المنظومة العقلية المشوهة تظهر بوضوح لدى أولئك الذين يرون المؤامرات في كل زاوية، والذين يبحثون عن الطمأنينة الزائفة في أحضان الوسطاء الروحيين والدجالين والمعالجين المزيّفين بمختلف أصولهم ومشاربهم، وصولاً إلى الجماعات الراديكالية التي ترتكب الفظائع والجرائم بذريعة الدفاع عن معتقدات مقدسة. ويفرد المؤلف مساحات هامة لتحليل الدور الخطير والمدمر الذي تلعبه منصات التواصل الاجتماعي وشبكات الإنترنت في توجيه ومضاعفة تلك المعتقدات، عبر تزييف وعي الجماهير واستغلال الانحيازات الإدراكية الجاهزة وترسيخ الانقسام الفكري.
ويشرح الكتاب بكثير من الأدلة العلمية أن فهم الأصول الجنينية لقناعاتنا يمثل البوابة الأساسية لفهم ذواتنا وفهم الحقيقة الموضوعية على نحو أفضل. ومن هنا، يقدم بوليدورو للقارئ دليلاً عملياً للتعرف على أدوات التحقيق والاستقصاء العلمي الصارم، وكيفية اختبار موثوقية وصحة الأفكار الشائعة. إن هذا التمرين الفكري، بحسب المؤلف، يساهم في جعل الفرد واعياً بحدوده المعرفية وأخطائه العقلية الفطرية، ويجعله مستعداً وشجاعاً لتغيير آرائه وقناعاته إذا ما واجه أدلة علمية وبراهين قاطعة تخالف ما يؤمن به، فضلاً عن منحه مهارة التعامل السليم والهادئ مع الأشخاص الرافضين للاستماع للغة العقل والمنطق.
وقد حظي كتاب "علم غير المعقول" بإشادات نقدية رفيعة من كبار العلماء والمفكرين في إيطاليا؛ حيث كتب عالم الأحياء والفيلسوف الإيطالي البارز تيلمو بيفاني تصديراً للكتاب، واصفاً إياه بأنه "كتاب ثمين ونادر يدربنا على قول (لا) للاختصارات العقلية السريعة والخدع النفسية". ويخلص بوليدورو في نهاية أطروحته إلى أن الترياق الوحيد والفعال لحماية المجتمعات من وباء التحيز، والتعصب، والخرافات السائدة، لا يكمن في فرض المعرفة قسراً، بل في زراعة ورعاية صفة إنسانية واحدة لا تنضب: وهي "الفضول المعرفي اللامتناهي".







