"القارة المجهولة": كتاب جديد لإيمانويل كوتشيا يعيد قراءة فلسفة الحب الحديث ويفكك أوهام العاطفة التلقائية في عصر الاستلاب
شهدت الأوساط الفكرية والفلسفية المعاصرة صدور مؤلف جديد بالغ الأهمية للفسيلسوف الإيطالي البارز إيمانويل كوتشيا، والذي يحمل عنوان "Il continente ignoto: Filosofia dell'amore moderno" (القارة المجهولة: فلسفة الحب الحديث)، والصادر عن دار النشر العريقة "جيوليو إيناودي" ضمن سلسلة "ستيلي ليبيرو بيغ" في مائتين وست عشرة صفحة من القطع المتوسط. يأتي هذا العمل الفلسفي المتميز والمثير للجدل ليقدم تشريحاً بنيوياً صارماً لواحد من أكثر المشاعر الإنسانية هيمنة على حياتنا، ومحاولة سبر أغوار تلك المساحة الوجدانية المجهولة؛ حيث يطرح كوتشيا أطروحة مركزية تفيد بأن الإنسان المعاصر بات يعيش حالة من الهوس المزمن والكامل بفكرة الحب، والوقوع تحت وطأة فرضية الواجب العاطفي المتمثلة في ضرورة أن يُحِب وأن يُحَب، لكون الثقافة المعاصرة جعلت من العاطفة ركيزة أساسية للهوية الشخصية، ورغم هذا التمحور الشديد حول إيروس، فإننا في الحقيقة لم نتعلم قط كيف نحب بشكل صحيح.
يستمد هذا العمل الاستقصائي رصانته ومصداقيته من الهوية الأكاديمية والفكرية الفريدة لمؤلفه إيمانويل كوتشيا، وهو أستاذ الفلسفة المعروف بصاحب الرؤى التجديدية في الأنثروبولوجيا وفلسفة الطبيعة، وصاحب المؤلفات الشهيرة السابقة مثل "الميتافورموز" و"فلسفة المنزل". ينتهج كوتشيا في كتابه الجديد مساراً حفرياً يمتد بين الفلسفة، والسياسة، والدين، والقانون، والآداب العالمية، ليفكك خرافة القرنين الماضيين التي روجت للحب باعتباره مجرد عاطفة عفوية، تلقائية، وفطرية تندلع تلقاء نفسها. ويعيد الفيلسوف التذكير برؤية الشاعر الروماني القديم أوفيد في كتابه الشهير "فن الهوى"، مؤكداً أن الحب في جوهره ليس مشاعراً عشوائية بل هو "تكنولوجيا اجتماعية ونفسية" بالغة التعقيد تتطلب التعلم، والمران، والوعي بأدواتها وآلياتها، بدلاً من التصرف كعقليات autodidacts (عصاميين هواة) في مواجهة أعنف العواطف الوجودية.
ينطلق هيكل التحليل في الكتاب من رصد التناقضات الصارخة والبنيوية التي تنطوي عليها الحياة العاطفية في العصر الحديث، كاشفاً الجانب المظلم والمسكوت عنه في تاريخ العلاقات؛ حيث يوضح كوتشيا بكثير من الجرأة كيف تحول الحب عبر العصور التاريخية المختلفة إلى أداة طيعة وفعالة لممارسة الهيمنة والتمييز المبني على النوع الاجتماعي (الهيمنة الجندرية). ويشير الفيلسوف إلى أن التسامح المفرط والتهاون الكبير الذي أبداه البشر تجاه هذه التناقضات العاطفية المدمجة والانتهاكات المبطنة، كان يتناسب طردياً مع حجم التوقعات الأسطورية والآمال الضخمة التي علقوها على عتبة المشاعر. فنحن مستعدون دائماً للتضحية بالسعادة الشخصية واستقرار الذات في سبيل نيل رضاء المحبوب؛ لأن المطلب الحقيقي الخفي للإنسان المعاصر ليس الوصول إلى الطمأنينة، بل التحقق عبر عين الآخر والاعتراف به كذات مرغوبة.
ويكشف الكتاب مفارقة بنيوية أخرى تقع في صلب المجتمعات الحديثة؛ فبينما كانت الحياة الإيروتيكية تمثل تاريخياً التطلع الأكثر راديكالية وثورية للتحرر التام من القيود والتمرد على القواعد والاتفاقيات، سارعت الأنظمة الاجتماعية والمؤسسة العائلية التقليدية إلى تدجين هذه المشاعر الجياشة وتحويل العواطف الحرة إلى مؤسسات بيروقراطية وقوانين جافة تحكمها عقود الواجب والملكية. ويفضح كوتشيا البعد الاقتصادي غير المرئي للحب، واصفاً إياه بأنه "المحرك السري لكيفية إنتاج الثروة وتوزيعها على المقربين والأقارب". فالروابط العاطفية هي التي توجه منطق الاستهلاك والادخار والميراث، مما يعني أن الرأسمالية تتغذى بشكل مباشر على البنية السيكولوجية للمشاعر وتستغل التزاماتنا العاطفية لإدامة عجلتها الإنتاجية.
إن القيمة الفلسفية والوجودية الأسمى لكتاب "القارة المجهولة" تكمن في كونه يقدم دليلاً إرشادياً لإعادة بناء فهمنا لذواتنا وللعالم الخارجي؛ إذ يثبت كوتشيا بكثير من الأدلة السيكولوجية والأنثروبولوجية أن "الأنا" الإنسانية ليست كياناً أصلياً مستقلاً ينشأ من العدم قبل الولادة، بل هو كائن يتشكل قطعة بقطعة، وفكرة تلو فكرة، وحساً بعد حس، بناءً على قائمة الأشياء والمسارات التي اخترنا أن نحبها. لا يمكن للذات أن تعيش أو تنجو في عزلة انطوائية، بل تحتاج إلى نشاط استكشافي إيروتيكي يومي لا ينقطع وموجه نحو العالم المحيط. ومن هنا، يخلص الفيلسوف إلى أن الإنسان مدفوع دوماً بحتمية حب العالم والانفتاح عليه كشرط بنيوي لاستمرار بقاء الوعي وصيانة كينونته حتى الرمق الأخير.
حظي العمل بإشادات نقدية واسعة فور صدوره من كبار المفكرين والمنصات الثقافية؛ حيث وُصفت أطروحة كوتشيا بأنها ترياق فكري شجاع يواجه زيف العلاقات السائلة في العصر الرقمي والتسليع النيوليبرالي للعواطف. نجح الكاتب في تقديم نص يدمج بين حدة السخط والعمق التحليلي لواقع المشاكل المعاصرة، مؤكداً أن ارتياد هذه "القارة المجهولة" وفهم آليات عمل الحب يمثل الخطوة الأولى والضرورية لاستعادة السيطرة على حيواتنا ومقاومة استلاب المجتمع الحديث.







