يتناول كتاب " ترامب وانهيار الديمقراطية الأمريكية" للباحث والمفكر الماركسي ديفيد نورث قراءة تفكيكية وتحليلية جادة تسبر غور الجذور الاجتماعية والاقتصادية للتحولات السياسية العاصفة التي شهدتها الولايات المتحدة خلال العقد الأخير. يرفض الكاتب، انطلاقاً من موقعه كرئيس للجنة التحرير الدولية لموقع السوشالست والويب ست والمؤلف البارز في أدبيات الاشتراكيين، السرديات الليبرالية والشائعة التي تختزل ظاهر الظاهرة الترومبية في مجرد انحراف شخصي أو صدفة تاريخية أو نتاج لغضب الطبقة العاملة البيضاء، ليقدم سردية مكثفة تعتبر صعود دونالد ترامب ونشوء الفاشية الجديدة النتيجة الحتمية والأصيلة لمنظومة رأسمالية وصلت إلى مرحلة الانحطاط الهيكلي والتناقض المطلق مع الأشكال الديمقراطية.
يسلط نورث الضوء على مفهوم "الأولغارشية المالية" باعتبارها الطبقة الحاكمة الفعلية التي احتكرت الثروة والسلطة في واشنطن على مدى العقود الأربعة الماضية، متتبعاً كيف أدت سياسات إزالة القيود عن الأسواق، وتفكيك القاعدة الصناعية، والحروب الإمبريالية المتواصلة منذ نهاية الحرب الباردة عام 1991 إلى تركيز الثروة في أيدي فئة قليلة من المليارديرات وكبار أرباب المال والتكنولوجيا على حساب تدهور مستويات معيشة الملايين. يستعرض النص التناقض الصارخ بين ادعاء المؤسسات الأمريكية حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان في الخارج، وبين نقل الممارسات الإمبريالية—كالرقابة، والقمع الشرطي، وتهميش القانون—إلى الداخل، كاشفاً الخلل الهيكلي في الحزبين الجمهوري والديمقراطي اللذين يخدمان نفس مصالح الطبقة المالكة، مما أدى إلى فراغ سياسي استغلته قوى اليمين المتطرف للتغلغل في أحشاء الدولة.
يتجاوز الكتاب التحليل السياسي السطحي للانتخابات وأحداث الشغب، مثل أحداث السادس من يناير، ليقدم قراءة تاريخية توثيقية تتبع المسار الزمني لأنهيار النظام الدستوري الأمريكي خطوة بخطوة. وتبرز أطروحة المؤلف أن المواجهة الحقيقية مع الفاشية والاستبداد في أمريكا لا يمكن أن تتأتى عبر الرهان على المؤسسات القضائية أو القيادات الديمقراطية التي تحمي ذات النظام الطبقي، بل تتطلب بالأساس بناء حركة سياسية مستقلة للطبقة العاملة تربط بين النضال ضد التفاوت الاقتصادي والحرب وبين الدفاع عن الحقوق الديمقراطية. ينتهي الكتاب بنسيج سردي متماسك ينبض بالعمق الأكاديمي والتحليلي الناري، يترك القارئ أمام فهم دقيق وشامل لأزمة النظام السياسي الأمريكي المعاصر، مؤكداً أن انهيار الديمقراطية في رأس الرأسمالية العالمية ليس حادثاً عارضاً، بل هو إعلان عن انغلاق الأفق التاريخي لمنظومة لم تعد قادرة على التوفيق بين السيطرة الأولغارشية والحريات الأساسية.











