Skip to main content
كيف تُسوَّق الإبادة الجماعية: تواطؤ الإعلام في تدمير غزة

كيف تُسوَّق الإبادة الجماعية: تواطؤ الإعلام في تدمير غزة

August 12th, 2026

صورة
في بداية حرب غزة، هزّت صور الموت والدمار الجماعي العالم، وكشفت التصريحات الإبادية لقادة الكيان عن حجم الأهوال القادمة. لكنّ وسائل الإعلام الأمريكية سارعت إلى التقليل من شأن الإبادة، وإخفائها، وإعادة تغليفها في إطار "الحرب على الإرهاب". وهذا ما يكشفه الكتاب الذي بين أيدينا اليوم: "كيف تُسوَّق الإبادة الجماعية: تواطؤ الإعلام في تدمير غزة". ونشر الكتاب في أبريل نيسان 2026 عن دار بلوتو برس، لندن. ويُؤكد مؤلفه الصحفي "آدم هـ. جونسون" بأن هذه الإبادة ما كانت لتستمر لولا التواطؤ الفعال والمستمر لوسائل الإعلام الأمريكية. ورصد المؤلف حصاد عام من هذا التواطؤ. ونقدم اليوم عرضًا موجزًا له:

أكبر فضيحة إعلامية في القرن الحادي والعشرين

لعبت وسائل الإعلام الأمريكية، ذات التوجه الليبرالي الوسطي، دورًا محوريًا في تهيئة الظروف السياسية والأيديولوجية والأخلاقية التي سمحت بوقوع المجازر في غزة بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأكتوبر/تشرين الأول 2024. وهذا الدور كان خيارًا واعيًا لها منذ البداية لتقديم رواية مريحة للجمهور الغربي، حتى لو كان الثمن هو التستر على واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.

وقد استند الكتاب إلى قاعدة بيانات ضخمة تضم أكثر من: 12,000 مقال، و5,000 مقطع تلفزيوني من تسع وسائل إعلام رئيسية، وشهادات من داخل غرف الأخبار، ليُثبت أنها ساهمت في "إضفاء الشرعية" على الحرب من خلال ما يسميه المؤلف "خنادق التبرير": نظام من الأعذار والذرائع يتراوح بين خطاب "التعقيد والواقعية السياسية" و"مكافحة معاداة السامية"، وحتى حسابات انتخابية مرتبطة بالرئيس الأمريكي جو بايدن آنذاك.

ويُصرّ المؤلف على استخدام مصطلح "الإبادة الجماعية"، تماشيًا مع توصيفات منظمات حقوق الإنسان والمؤسسات الأكاديمية، مؤكدًا أن محاولة تجنب هذا المصطلح تُعدّ بمثابة إنكار للواقع. ويجادل بأن دور وسائل الإعلام الرئيسية كان أخطر من دور وسائل الإعلام اليمينية المتطرفة، لأن الأخيرة تُعلن صراحةً عداءها للفلسطينيين، بينما تُقدّم الأولى نفسها كصوت العقل والاعتدال؛ لكنها في جوهرها وفّرت غطاءً أخلاقيًا وسياسيًا لاستمرار القصف والتجويع والتهجير. وما حدث يُمثّل "أكبر فضيحة إعلامية في القرن الحادي والعشرين"، بل وأخطر من تواطؤ وسائل الإعلام في غزو العراق عام ٢٠٠٣. وإن فهم هذه الفترة ضروري ليس فقط لتوثيق التاريخ، بل أيضًا لتفكيك آليات التلاعب بالرأي العام التي سمحت بارتكاب الإبادة الجماعية أمام أعين العالم.

التلفيق الإعلامي لتبرير الحرب وجرائم إسرائيل

في الأيام الأولى للحرب، كانت أكثر الروايات الإعلامية تأثيرًا: قصة "قطع حماس لرؤوس 40 رضيعًا" في مستوطنة كفار عزة. وقد انتشرت هذه القصة بسرعة عبر وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى، ورددها مسؤولون إسرائيليون، ووصلت حتى إلى بايدن، الذي ادعى أنه شاهد صورًا لهذه الفظائع بنفسه. والحقيقة هي أن القصة كانت محض افتراء، صنعتها وروجتها مصادر إسرائيلية، بما في ذلك منظمة زاكا اليمينية المتطرفة، بهدف تصوير حماس في الوعي الغربي ككيان شبيه بتنظيم داعش.

لم تكتف وسائل الإعلام الأمريكية بنقل القصة، بل ساهمت في ترسيخها من خلال عشرات التقارير التلفزيونية والمقالات التي كررتها دون تدقيق، مستخدمةً لغة عاطفية وصورًا رمزية للغاية. وكان هذا التضخيم الإعلامي جزءًا من حملة علاقات عامة أوسع نطاقًا لتصوير الفلسطينيين على أنهم إرهابيون لإغلاق الباب أمام أي حلول سياسية أو مشروعات لوقف إطلاق النار. وتكرر تشبيه حماس بداعش مئات المرات في الشهر الأول بعد 7 أكتوبر. ولاقت هذه الرواية صدىً لدى قادة غربيين مثل بايدن وماكرون، الذين دعوا إلى تشكيل تحالف دولي ضد حماس، على غرار الحرب ضد داعش.

وفي المقابل، قوبلت بالقمع الإعلامي أي محاولة لتقديم سياق تاريخي أو تفسير سياسي لهجوم حماس. ودُعي خبراء مؤيدون لإسرائيل للظهور على الهواء، واستُبعد المتخصصون في الشؤون الفلسطينية. وأتهمت شبكات أمريكية حماس بأنها المسئولة وحدها عن كل ما يحدث في غزة بعد السابع من أكتوبر 2023. وإن أخطر ما في هذه الدعاية السوداء هو الاستخدام الانتقائي لقضية العنف الجنسي. فقد سارعت الصحافة الأمريكية إلى تبني روايات "الاغتصاب الجماعي" التي ارتكبتها حماس، رغم ضعف الأدلة وتضارب الشهادات، متجاهلةً تمامًا التقارير الموثقة عن الاعتداءات الجنسية التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بحق أسرى فلسطينيين. ويكشف هذا التبني عن ازدواجية معايير صارخة، حيث استُخدمت روايات لتأجيج الحرب، وقُمعت أخرى لأنها تقوض الرواية الرسمية الإسرائيلية والأمريكية.

صورة
الإعلام الأمريكي وبناء سردية منحازة لإسرائيل

بنى الإعلام الأمريكي خطابًا يبرر المجازر الإسرائيلية عقب هجوم السابع من أكتوبر، ويقوم على سردية لاأخلاقية وغير عادلة، أساسها التمييز بين إنسانية الإسرائيليين ولاإنسانية الفلسطينيين!!:

1 ـ تطبيع القتل الجماعي: تبنى المراسلون والمعلقون خطابًا يصوّر الفلسطينيين على أنهم "قتلة ساديون مدفوعون بالكراهية"؛ بينما يصوّر الإسرائيليين كضحايا قُتلوا دفاعًا عن وجودهم. وذلك، لتطبيع مشاهد القصف الجماعي والمجاعة والتهجير التي انتشرت بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

2 ـ استخدام تعبيرات مضللة: استُخدمت كلمات مثل: مجزرة وهمجية ووحشية وذبح مئات المرات لوصف قتل الإسرائيليين؛ بينما نادرًا ما استُخدمت لوصف قتل الفلسطينيين، على الرغم من تجاوز عدد الضحايا الغزيين عشرات الآلاف في الأشهر الأولى من الحرب .

3 ـ ميزان مختل للحقوق: تكررت لمئات المرات عبارة حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها؛ بينما لم تُذكر حقوق الفلسطينيين إلا مرات معدودة.

ومن أبرز الأمثلة على هذه التغطية المنحازة قصف المستشفى المعمداني في غزة 17/10/2023، الذي أسفر عن مقتل أكثر من 250 مدنياً. فسارعت وسائل الإعلام الأمريكية إلى تبني الرواية الإسرائيلية التي ألقت باللائمة على صواريخ المقاومة، وشككت في أعداد الضحايا بإضافة عبارة "وزارة الصحة التي تديرها حماس". ويبدو التحيز واضحًا عند تناول أسرى الجانبين: يُشار إلى الإسرائيليين بـالرهائن والأطفال؛ بينما يُشار إلى الفلسطينيين المحتجزين دون محاكمة، بمن فيهم مئات القُصّر، بـالسجناء. وهذا يبين منح الإعلام الأمريكي الإنسانية للإسرائيليين وحرمان الفلسطينيين منها.

بايدن الوسيط العاجز القلِق الحزين!!

كان لوسائل الإعلام الأمريكية دور في صياغة روايات سمحت للبيت الأبيض بالتهرب من المسؤولية المباشرة عن المجازر التي وقعت في غزة خلال السنة الأولى من الحرب. وبدلاً من محاسبة الإدارة على دعمها العسكري والسياسي لإسرائيل، ركزت التغطية الإعلامية على تصوير بايدن في ثلاثة صور مختلفة:

1 ـ بايدن العاجز!!: صوّرته تقارير على أنه غير قادر على وقف الحرب، رغم السوابق التاريخية التي تؤكد أن بايدن كان يملك نفوذًا كافيًا لفرض وقف إطلاق النار؛ لكنه اختار عدم استخدامه.

2 ـ  بايدن الغاضب بشدة!!: زعمت مقالات وتحليلات أن بايدن كان منزعجًا أو غاضبًا من نتنياهو؛ لكنه لم يُترجم هذا الغضب والانزعاج إلى أي تغيير في سياسته أو وقف تدفق الأسلحة الأمريكية. واعتمدت هذه الروايات على تسريبات من مساعدي بايدن وحلفائه في مراكز الأبحاث لتقديم صورة إنسانية متعاطفة لتخفيف الضغط الشعبي.

3 ـ بايدن الوسيط!!: تكتيك دعائي يصوّر الولايات المتحدة كوسيط محايد يسعى إلى تحقيق السلام، من خلال الحديث عن مفاوضات وقف إطلاق النار، التي لم تكن سوى تبادل أسرى أو إعادة صياغة لشروط الاستسلام التي فرضتها إسرائيل. وقد منحت هذه الرواية البيت الأبيض غطاءً إنسانيًا زائفًا.

كانت هذه الأنماط الإعلامية أدوات منهجية لتبرئة الإدارة الأمريكية من التواطؤ في حرب الإبادة، ولإقناع الرأي العام الليبرالي بأن بايدن لم يكن يريد الحرب، لكنه أُجبر على دعمها. لذا، تلقى ملايين الأمريكيين صورة مشوهة: رئيس حزين عاجز؛ بينما هو في الواقع شريك فاعل في استمرار القصف والتجويع والإبادة.

تطبيع جرائم الحرب في غزة

استخدمت وسائل الإعلام الأمريكية تكتيكًا خطيرًا في تغطية المجازر الإسرائيلية في غزة، وهو "تطبيع جرائم الحرب باعتبارها كوارث طبيعية". فبدلاً من تسمية الجاني ومحاسبته؛ عُرض القصف والقتل الجماعي كما لو كان زلزالًا أو إعصارًا أو حدثًا مأساويًا بلا يد بشرية ظاهرة تسببت فيه. ولجأت صحف كبرى، مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست وسي إن إن، إلى هذا التكتيك لتجنب الصدام مع الإجماع السياسي الأمريكي المؤيد لإسرائيل. واتسمت العناوين التي غطت قصف غزة بالإبهام والتضليل: "انفجار يودي بحياة المئات"، "المستشفيات تواجه تحديات مستحيلة"؛ بينما في حرب أوكرانيا، كان الجاني واضحًا: "روسيا تقصف المدن"، "بوتين يوسع هجومه". ةتكشف هذه المقارنة عن ازدواجية المعايير في تحديد المسؤولية.

وهناك نوعان من هذا الخطاب:

1 ـ الأخبار العاجلة: تُحجب فيها هوية الجاني في العناوين الرئيسية، تاركةً القارئ أمام مأساة مجردة من سياقها السياسي.

2 ـ التحقيقات المعمقة: وهي تقارير مفصلة وغنية بالقصص الإنسانية؛ لكنها تتجنب الإشارة إلى أن القصف والتجويع سياسات إسرائيلية معلنة، وتكتفي بوصف المعاناة كمصير محتوم.

وكان لجماعات الضغط الإسرائيلية دور واضح في هذا التضليل، ومنها رابطة مكافحة التشهير (ADL)، التي تُقدّمها وسائل الإعلام كمنظمة حقوقية، بينما هي أداة ضغط مؤيدة لإسرائيل تستخدم سلاح "معاداة السامية" لإسكات أي انتقاد لسياسات الاحتلال، مما أخاف هذا السلاح الصحفيين،  ودفعهم إلى ممارسة الرقابة الذاتية، لا سيما الصحفيين العرب، الذين يخشون اتهامهم بالتحيز أو استهدافهم من قبل هذه الجماعات.

نيويورك تايمز  وعسكرة المدنيين وتشويه العمل الإنساني في غزة

لعبت نيويورك تايمز الدور المحوري في تضخيم الروايات الإسرائيلية المشكوك فيها، وقدمتها على أنها حقائق، مما مكّن من تجريم المدنيين والعاملين في المجال الإنساني في غزة. ففي 26/1/2024، وبالتزامن مع إصدار حكم محكمة العدل الدولية بارتكاب إسرائيل "أفعالاً قد ترقى إلى الإبادة الجماعية"، سارعت نيويورك تايمز، في نمط إعلامي متكرر، إلى نشر قصة تزعم "تورط موظفي الأونروا مع حماس" لصرف الأنظار عن الإدانة الدولية، وروجت لهذه الأكاذيب والتهم من خلال:

1 ـ تسويق وتكرار الأكاذيب الإسرائيلية: من قصة الأطفال المذبوحين، ومقاطع الفيديو المفبركة حول مراكز القيادة تحت المستشفيات، وادعاءات أنفاق الإرهاب والوثائق السرية. وهي أكاذيب نُشرت دون تدقيق جدي، واستُخدمت لتبرير قصف المستشفيات والمدارس ومخيمات اللاجئين.

2 ـ عسكرة المدنيين: مثل وصف المدن الرئيسية بأنها معاقل حماس، مما يحوّل المخيمات والمنازل والمدارس إلى أهداف عسكرية، ويُضفي شرعية على قتل المدنيين باعتبارهم مقاتلين محتملين.

3 ـ تجاهل السياق التاريخي والسياسي: تجاهلت الصحيفة سعي إسرائيل الطويل إلى إنهاء الأونروا لأنها تُذكّر العالم بحق العودة. وكررت ادعاءات أمنية كاذبة. وكانت النتيجة كارثية، إذ علّقت عشرات الدول الغربية تمويلها لوكالة الأونروا مؤقتًا، مما فاقم المجاعة في غزة، قبل أن تستأنف دعمها لاحقًا بعد انكشاف ضعف الأدلة. لكن الضرر كان قد وقع. ونجحت إسرائيل في تقويض مصداقية الأونروا الوحيدة القادرة على توفير الحد الأدنى من الاحتياجات لملايين الفلسطينيين.

كم عدد الفلسطينيين الذين يجب أن يموتوا؟!

لعبت هيئات التحرير والبرامج الإخبارية الأمريكية دورًا في تشكيل حدود النقاش السياسي المتعلق بالحرب، وعُرضت الرواية بطريقة أحادية الجانب، غير دقيقة تاريخيًا، ومنحازة بشدة لصالح إسرائيل:

1 ـ عدم عدالة الطرح والتمثيل: بين أكتوبر 2023 وأكتوبر 2024، استضافت برامج مثل: "واجه الصحافة" و"هذا الأسبوع" و"واجه الأمة" فلسطينيًا واحدًا فقط، مقارنةً بعشرات الإسرائيليين ومسؤولي البيت الأبيض. وفي المقابلات مع نتنياهو، لم تُطرح أي أسئلة جدية حول جرائم الحرب أو التجويع؛ واقتصر النقاش على "العدد المقبول من المدنيين الذين يجب قتلهم".

2 ـ التوجيه اللغوي: استُخدمت مصطلحات مثل "مجزرة" و"ذبح" و"وحشي" عشرات المرات لوصف العنف ضد الإسرائيليين؛ بينما نادراً ما استُخدمت هذه المصطلحات لوصف العنف ضد الفلسطينيين، على الرغم من أن عدد الضحايا الفلسطينيين كان أكبر بكثير.

3 ـ التغطية المنحازة: ذُكرت مزاعم الاغتصاب الجماعي ضد الإسرائيليين مراراً وتكراراً؛ بينما لم يُذكر في التقارير الموثوقة أي شئ عن الاعتداء الجنسي على الأسرى الفلسطينيين. كما استُخدم وصف "وزارة الصحة التي تديرها حماس" لتكذيب أرقامها عن عدد الضحايا الفلسطينيين؛ بينما قُدِّم عدد الضحايا الإسرائيليين كحقيقة ثابتة.

4 ـ افتتاحيات داعمة لإسرائيل: دعمت افتتاحيات واشنطن بوست ونيويورك تايمز الهجوم الإسرائيلي، مع تعاطف حزين محدود مع الفلسطينيين لم يصل إلى حد الدعوة إلى وقف دائم لإطلاق النار. وتبنّت الصحيفتان خطاب البيت الأبيض الذي يدعو إلى "هدنة مؤقتة" للسماح بإيصال مساعدات محدودة قبل استئناف القصف.

5 ـ نقاش سطحي مختزل: تعمدت وسائل الإعلام الأمريكية حصر النقاش في معادلة سطحية، وهي: هل تبذل الولايات المتحدة ما يكفي للحد من عدد الضحايا المدنيين؟، متجاهلةً أنها طرف مباشر في الحرب والحصار والتجويع.

الحياد الانتقائي في الإعلام الأمريكي

عقب السابع من أكتوبر، فرضت وسائل الإعلام والمؤسسات الليبرالية في الولايات المتحدة معايير جديدة للحياد، أو ما يُسمى بـ"الحياد الانتقائي"، لإسكات الأصوات المتعاطفة مع الفلسطينيين، ومعاقبة الصحفيين والباحثين الذين حاولوا تقديم سياق إنساني أو سياسي للكارثة في غزة. وهذا على خلاف سياستها في حرب أوكرانيا. ففي أول 100 يوم من حرب أوكرانيا، قُتل 262 طفلًا، بينما في غزة، قُتل أكثر من 10,000 طفل.

ومع ذلك، حظيت تغطية الأطفال الأوكرانيين باهتمام إعلامي أكبر بنسبة 33% من تغطية الأطفال الفلسطينيين. وحظي مقتل الصحفيين في غزة بتغطية إعلامية مماثلة تقريبًا لمقتل 8 صحفيين في أوكرانيا، مما يعني أن وفاة كل صحفي أوكراني حظيت بـ 24 إشارة إعلامية مقارنة بـ 2.5 إشارة فقط للصحفي الفلسطيني. واستُخدمت مصطلحات مثل "جرائم حرب" و"إبادة جماعية" في وسائل الإعلام الأمريكية أكثر من 17 مرة في سياق أوكرانيا مقارنة بغزة، على الرغم من أن حجم الدمار والخسائر البشرية في غزة كان أكبر بكثير.

انعكس هذا الحياد الانتقائي على سياسات غرف الأخبار، فتم استبعاد الضيوف الفلسطينيين أو العرب بحجة "التحيز"، وتم استبدالهم بمسؤولين إسرائيليين. وعوقب الصحفيين والكتاب على منشوراتهم المتعاطفة مع غزة أو المنتقدة للسياسات الإسرائيلية، حتى وصل الأمر أحيانًا إلى الفصل أو إنهاء العقود. وأظهرت تقارير أن الصحفيين من أصول عربية أو مسلمة استُهدفوا بشدة أكبر، وطُلب منهم إثبات "حيادهم" أكثر من زملائهم، وتعرضوا لحملات تشويه ودعوات للفصل.

اتهامات معاداة السامية واستهداف الاحتجاجات الجامعية

استُخدمت تهمة "معاداة السامية" كسلاح سياسي وإعلامي لتجريم الحركة الطلابية الأمريكية التي احتجت على حرب غزة. وواجهت حملة واسعة من وسائل الإعلام وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل وإدارات الجامعات والشرطة، والتي أسفرت عن اعتقال أكثر من 3100 طالب، وفصل أو تعليق دراسة آلاف آخرين.

لم تُبرَر الحملة بمفاهيم تقليدية مثل الأمن أو النظام؛ بل صِيغت بمصطلحات ليبرالية، مثل سلامة الطلاب ومكافحة معاداة السامية، رغم ضعف وتناقض الأدلة على انتشار معاداة السامية في الجامعات. وفي نفس الوقت، كانت التغطية محدودة للغاية لظاهرة الإسلاموفوبيا أو العنصرية ضد العرب والفلسطينيين. وتجاهلت وسائل الإعلام المشاركة الواسعة لليهود التقدميين في احتجاجات غزة، مثل تنظيمهم "موائد التحرير" خلال عيد الفصح في الجامعات الكبرى، والتي جسدت قيم العدالة والتحرير في التراث اليهودي. ولم تتعرض وسائل الإعلام إلى حملات التحرش بأساتذة يهود ينتقدون إسرائيل، مثل الباحث الإسرائيلي الأمريكي راز سيغال، الذي أُلغي تعيينه في جامعة مينيسوتا بعد حملة ضغط اتهمته بـ"التطرف".

صورة
ليبرالية التبرير و وصناعة الأكاذيب

لعبت منشورات مثل مجلة أتلانتيك وذي مورنينغ التابعة لنيويورك تايمز دورًا مهمًا في تشكيل الرأي الليبرالي لدى النخب حول حرب غزة. ومن خلال خطاب "الجدية السياسية" و"التفكير الاستراتيجي"، لعبت مجلة " أتلانتيك" دورًا محوريًا في إقناع النخبة الليبرالية الأمريكية بعدم واقعية الدعوة إلى وقف إطلاق النار في غزة، وادعت أن عدد الضحايا الفلسطينيين محل شك. ولم يكن هذا الخطاب مجرد تحليل أكاديمي؛ بل أداة لتبرير استمرار القصف والتجويع، وعرض الحرب كخيار حتمي، كاشفًا بذلك عن أزمة أخلاقية عميقة في الإعلام الليبرالي الأمريكي:

1 ـ بين أكتوبر وديسمبر 2023، نشرت أتلانتيك أكثر من 130 مقالًا عن غزة. كان معظمها إما مؤيدًا للهجوم الإسرائيلي أو محايدًا، ولم تتضمن دعوة صريحة لوقف إطلاق نار دائم. وروّجت المجلة لروايات دعائية، مثل قصة الأطفال المذبوحين. ووصفت الفلسطينيين بـالبرابرة لتجريدهم من إنسانيتهم، وإقناع القراء باستحالة التفاوض معهم.

2 ـ كانت الأصوات الفلسطينية المنشورة انتقائية، واقتصرت على كتّاب يرددون الخطاب الصهيوني الليبرالي، دون أي دعوات جادة لوقف الحرب أو محاسبة إسرائيل على جرائمها.

3 ـ غابت القصص الإنسانية البارزة، مثل مقتل الطفلة هند رجب، أو اغتيال الكاتب رفعت العرير.

4 ـ خصصت المجلة عشرات المقالات لمهاجمة الاحتجاجات المناهضة للحرب في الجامعات الأمريكية.

5 ـ ساهمت المجلة في التشكيك في عدد الضحايا الفلسطينيين من خلال مقالات تتهم الأمم المتحدة بالمبالغة في الأرقام، رغم أن هذه الأرقام مدعومة من منظمات دولية موثوقة تاريخيًا.

الخلاصة

إن كتابة نقد إعلامي لإبادة جماعية جارية هو فعل غريب؛ لكنه نقد ضروري. فإبادة بهذا الحجم لا يمكن أن تحدث دون غطاء دعائي وإعلامي يضلل الرأي العام. وكان دور الإعلام الأمريكي، وخاصة المرتبط بالبيت الأبيض الديمقراطي، حاسماً في توفير هذا الغطاء من خلال خطاب ذي حدين: التظاهر بالتعاطف الإنساني في العناوين الرئيسية، مع الاستمرار في دعم الأسلحة والتمويل والسياسات التي سمحت باستمرار عمليات القتل الجماعي.

قد لا يسجل التاريخ هذه الإبادة على أنها "خطأ ليبرالي". وقد تُهمَل هذه الإبادة في الذاكرة الجماعية، وتُقدَّم لاحقاً على أنها "رد فعل مفرط" أو "وضع سياسي معقد"، ويُبرَّأ المسؤولون عنها، ويُعاد دمجهم في الحياة السياسية والأكاديمية. فغياب المساءلة سيجعل من تجربة غزة نموذجًا يُعاد استخدامه في الأزمات المستقبلية، حيث ستُوظَّف نفس الأدوات للتبرير والتلاعب الإعلامي تحت شعار "المصداقية الأمريكية". وهذا ما سيحدث في التحديات العالمية المقبلة، مثل تفاقم عدم المساواة، وأزمات المناخ، وتدفقات اللاجئين.

إن الإبادة الجماعية في غزة لم تكن مجرد مأساة محلية؛ لكنها كانت تجربة عالمية في كيفية استخدام الإعلام والسياسة لتطبيع القتل الجماعي، وإخفاء المسؤولية، وخلق روايات بديلة تُبرِّر الجريمة وتمنع المساءلة. وهذا النموذج سيستمر في المستقبل ما لم يحدث تغيير جذري في المشهد السياسي والإعلامي الغربي.

المصدر | عربي 21

Share this article on...

Comments

No comments yet. Be the first to comment!