Skip to main content
ما بعد القضبان.. كتاب لأسير فلسطيني عن معركة الوعي في مواجهة هندسة الخضوع

ما بعد القضبان.. كتاب لأسير فلسطيني عن معركة الوعي في مواجهة هندسة الخضوع

August 12th, 2026

صورة
هذه النصوص الدراسية التي بين أيدينا هي ما خطه قلم الشهيد الأسير وليد دقة، طارقاً بها خزان الوعي الفلسطيني، في ثلاثة أجزاء متكاملة ما قبل الوعي 2010م، الذي تناول الحلول السياسية للقضية الفلسطينية، بطروحات الدولة الفلسطينية، ووهم حل الدولتين، ومتخيلات حل الدولة الديمقراطية الواحدة، وصهر الوعي أو إعادة تعريف التعذيب 2009م، وفيه قدم سياسات الصهيونية تجاه الحركة الوطنية الفلسطينية عبر البحث عن الآليات الممنهجة، التي تعمد إليها إسرائيل لصهر وعي الأسرى بصفتهم رأس حربة النضال ضدها، أما الجزء الثالث ملهى الاغراء والإغواء 2022-2023م، فيتناول محاولات الاخضاع والسيطرة وإعادة الهيكلة للوعي الجمعي الفلسطيني داخل المعتقلات الإسرائيلية، باعتباره صورة مصغرة عن فلسطين، تستخدمها إسرائيل كمختبر لسياساتها بحق الفلسطينيين، وكسر إرادتهم، وما بعد صهر الوعي، ومحاولات الاخضاع والسيطرة وإعادة الهيكلة للوعي الجمعي الفلسطيني داخل المعتقلات الإسرائيلية، واتباع نظام الإغراء والإغواء الذي يعتمد آليات العصبة والتفتيش والإغراء والإغواء؛ لتحقيق مآرب البيروقراطية الناعمة بهدف اختراق جسم الحركة الفلسطينية الأسيرة، والحركة الوطنية الفلسطينية.

أنجز دقة دراسته داخل سجون جلبوع الإسرائيلي المقام على أراض مدينة بيسان المحتلة، في جزءه الأول صهر الوعي أو إعادة تعريف التعذيب الذي كتبه بخط يده عام 2010م، أما جزءه الثاني فقد أعلن عنه بعد استشهاده، أنجز الشهيد الجزء الثالث عام 2022-2023م، خلال وجوده في سجن عسقلان، وحرره صوتياً، عبر مكالمات هاتفية مباشرة أو تسجيلات، لكن الأسير الشهيد لم يتمكن من الاطلاع على مخطوطه قبل طباعته بسبب استفحال مرضه، ونقله إلى عيادة سجن الرملة، ليعلن عن استشهاده في 7 إبريل/ نيسان 2024م، قبل الإعلان عن صدور مخطوطه هذا أو أجزاء منه في مجلة الدراسات الفلسطينية عام 2024م.

ما قبل صهر الوعي:

هناك تنافر شديد وكراهية تراكمت بين الشعب الفلسطيني والإسرائيلي على مدار تاريخ الصراع، هي عبارة عن محاولة لمناقشة أثر المتغيرات الحداثوية، ومرور الزمن على القضية الفلسطينية، تتناول مقولة الشعب والكفاح المسلح، في ظل إمكانية فشل العملية السياسية في التوصل إلى حل، بعد أن بددت إسرائيل عبر الاستيطان إمكانية حل الدولتين، وأنشأت على الأرض واقع الدولة العنصرية الواحدة.

في زمن دولة الحواجز لا تتغير الإجابات فحسب، وإنما تتغير الأسئلة التي لم تعد تستهدف معرفة المسافة، فأنت لا تسأل أحداً عن المسافات بين الأماكن، فالمسافات لا تعني شيئاً لتحديد قرب أو بعد المكان الذي تنوي الوصول إليه أنت، في زمن الحواجز تسأل مباشرة عن الزمن، وليس عن المسافة، كما لا يمكنك أن تستدل على المسافة، كما لا يمكنك أن تستدل على المسافة من خلال الإجابات التي تتلقاها بشأن الزمن، فالزمن الذي يفترض أن يكون أداة قطع المسافات، أصبح أداة فلسطينية معطلة، لقد عطلت إسرائيل زمن الفلسطيني على الحواجز، وحولت السؤال المحيط المكاني ما هي المسافة بين رام الله ونابلس إلى سؤال زماني كم فلسطيني يستغرق من الوقت الوصول من رام الله إلى نابلس؟

لقد كفّت الحواجز الإسرائيلية منذ زمن بعيد، كما كفّ تقطيع الجغرافيا والشعب الفلسطيني إلى معازل، عن أن تكون أدوات للسيطرة المكانية، وعلى الحاضر الزماني للشعب الفلسطيني، وأصبحت أدوات للسيطرة على مستقبله باستهداف مقولة الشعب، إن الاحتلال، بهذا المعنى، يحتاج إلى تعريف، فهو لم يعد استيطانياً أو اقتلاع أو عنصرياً فحسب، وإنما احتلال شمولي، يتدخل في أدق تفاصيل حياة الفلسطيني، ويحاول التأثير ليس على العملية السياسية فقط، وإنما على العمليات الاجتماعية والنفسية للأفراد والجماعات( ص30).

نجحت إسرائيل في تجزئة وتوزيع الشعب الفلسطيني على خمسة تقسيمات كبرى، وتعمل، مستغلة الحواجز، والاستيطان، والشوارع الالتفافية الخاصة بالمستوطنين، على تقسيم الضفة الغربية إلى معازل صغرى، وتحاول تكريس هذا الواقع ضمن استراتيجية تستهدف الإجهاز على مقولة الشعب الفلسطيني.

تمثل رواية غسان كنفاني، عائد إلى حيفا، إنذاراً مبكراً لما قد يفعله عامل الزمن بهوية الإنسان الفلسطيني، فخلدون، الطفل الذي فقدته أسرته أثناء نكبة، أصبح، بعد مرور عشرين عاماً، جندياً إسرائيلياً اسمه دوف، إن الفلسطينيين لم يخسروا وطناً جغرافياً فحسب، أصبح رغم بقاء معالم المكان كما تركتها الأسرة العائدة إلى حيفا، إنساناً آخر، وقضية أخرى(ص32).

"إن هذا البلد غير قابل للقسمة إلى وطنين، قسمة ممكن تقيم عدلاً نسبياً، وما دام القلب لا يقسم، فإن الشراكة بقلب واحد هي الخيار الممكن الوحيد المتبقي، الذي يحتاج إلى الكثير من التعاون والتنسيق"...أصبح تقسيم السلطة لا تقسيم الوطن في إطار الدولة الديمقراطية الواحدة لكلا الشعبين هو الحل والنظام الوحيد القادر على جعل هذا الشراكة ممكنة"

تراجع دقة عن طرحه هذا جملة وتفصيلاً في المرحلة الأخيرة من حياته، حين انتقد عام 2021م، منطق المفاضلة بين الحلول من طرف الفلسطينيين، أكان ذلك في وثيقة الأسرى، أم حملة الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية، أم مؤتمر المسار الفلسطيني البديل نحو عقد ثوري جديد، أم مسار الثورة الشاملة في فلسطين كافة.

كما رفض دقة الانتقال من حل إلى حل آخر إذا ما فشل ما قبله ( الدولة الميثاقية، الدولتان، الدولة الواحدة) لأن ذلك ينطوي على قدر هائل من التنازلات الفلسطينية عن ثوابت كبرى، منها حق العودة، تقرير المصير، فلسطين 1948، القدس في مقابل تمترس صهيوني وصلف في الإصرار على استعمار فلسطين كلها، وإفراغها من أهلها، ويرفض، ثانياً الانطلاقة الواقعي من البحث عن حلول واقعية، لأن ذلك ينطوي على فقدان الثقة بالوسائل التي من شأنها تحقيق تلك الحلول من حركة الكفاح المسلح حتى المقاطعة في الوقت الذي يجب الحفاظ على ثوابت الرواية الوطنية الفلسطينية بغض النظر عن الوسائل والغايات، وبدلاً من ذلك يقول دقة" إن مشروع دولة كل مواطنيها الذي اجترحه من استثناهم المشروع الوطني الفلسطيني التقليدي وخذل أسراهم، لم يفشل لأنه مشروع نضال مستمر حقق الكثير وحمى الرواية الوطنية والأجيال من الأسرلة، وإنما بسبب عنصرية دولة العرق إسرائيل، وهذا المشروع إذا تضافر مع المبادرات الفلسطينية الأخرى داخل فلسطين وخارجها يمكن أن يساهم بفاعلية في مشروع الحرية والتحرير(ص17).

الكفاح المسلح الفلسطيني:

لا شك أن الكفاح المسلح الذي خاضته فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وانطلق في بدايته ككفاح لاجئين ينشدون العودة، كان من أهم إنجازاته خلال العقود الأربعة الماضية أنه أسس للهوية الوطنية الفلسطينية الحديثة عبر النضال ومراكمته لقيم جامعة، وحفاظه على أمل اللاجئين وطموحاتهم الوطنية المشتركة التي ما كان بالإمكان الحفاظ عليها؛ إلا عبر البندقية التي من انطلقت من مخيمات الشتات باتجاه الوطن.

لم يعد جوهر الخلاف بين فتح ـ السلطة وحماس الحركة تحديداً يدور حول حل الدولة في حدود 4 حزيران 1967م، التي أصبحت بمعنى ما حدود الاجماع الوطني الفلسطيني، دائماً حول وسائل النضال الكفاح المسلح، وتستخدم لغة هذا الخلاف مفردات ورمزية الكفاح المسلح في سياق جديد، لا سياق حركة التحرر الوطني الفلسطيني كما كان في الماضي، وإنما في سياق غيابها وفي الصراع على السلطة تحت الاحتلال، فمن يمارس المقاومة المسلحة كفصيل بمفرده بمعزل عن المقاومة كأداة بأن فلسطين لن تحرر بقوى فصيل واحد، إنما هو في الحقيقة لا يدرك الأهمية الرمزية لهذا الكفاح ودوره التاريخي في صناعة وتعزيز مقولة الشعب الفلسطيني، وعندما تمارس رمزية الكفاح المسلح وتستخدم خارج هذا السياق، تصبح رمزية مدمرة وممارسة خطيرة، تهدد وحدة الشعب الفلسطيني، وتعمل على تفكيكه والإصرار عليها يحول الكفاح المسلح فعلياً من وسيلة إلى هدف قائم بذاته، ويصبح الشعب والمناضلون هم الوسيلة(ص41).

صهر الوعي:

يشعر الأسير الفلسطيني في سجون الاحتلال بحالة من العجز النابع من صعوبة توصيف حالة القمع التي يعيشها منذ بداية انتفاضة الأقصى فقد أصبح القمع والتعذيب مركباً وحداثوياً يتماشى مع خطاب حقوق الإنسان، إذ يحتاج الأخير ومؤسساته إلى جهد خاص لإثبات بعض الخروقات التي غالباُ ما تقدم من جانب القضاء والإعلام الإسرائيلي على أنها الاستثناء في قاعدة الالتزام بحقوق الإنسان والأسرى فيصير الكشف تغطية والشفافية تعتيماً، والحقائق إخفاء للحقيقة.

لا يشبه القمع والتعذيب في السجون الإسرائيلية حالات القمع والتعذيب التي تصفها أدبيات السجون في العالم، ليس هناك حرمان فعلي من الطعام أو الدواء، ولن تجدوا من هم محرومون من الشمس ومدفون تحت الأرض، لا يكبل الأسرى كما في الروايات بسلاسل مشدودة لكتل حديدية طوال الليل والنهار، فلم يعد جسد الأسير في عصر ما بعد الحداثة هو المستهدف مباشرة، وإنما المستهدف الروح والعقل" نحن هنا لسنا في سجن أبو زعبل، ولا حتى أبو غريب، أو غوانتانامو من حيث شروط الحياة ففي كل هذه السجون تعرف معذبك وشكل التعذيب وأدواته المستخدمة، وأنت تملك يقينا على شكل تعذيب حسي مباشر لكنك في السجون الإسرائيلية تواجه تعذيباً أشدة وطأة بحضاريته يحول حواسك وعقلك لأدوات تعذيب يومي، فيأتيك هادئاً متسللا،ً لا يستخدم في الغالب هراوة ولا يقيم ضجة إنه يعيش معك رفيق الزنزانة والزمن والباحة الشمسية والوفرة المادية النسبية"(ص81).

إن حالة فقدان القدرة على تفسير الواقع والإحساس بالعجز وفقدان الحيلة لا يقتصر على السجون فقط، ولا هي من نصيب الأسرى وحدهم، وإنما هي حالة فلسطينية عامة، حيث تتطابق ظروف المواطن الفلسطيني مع ظروف الأسرى، ليس في شكل القمع فحسب، أو حيث يحتجز المواطنون في معازل جغرافية منفردة، كما هم الأسرى معزولون بعضهم عن البعض الأخر في أقسام وعنابر لا صلة بينها إلا بإرادة السجان، وإنما هناك تشابه جوهري يتصل بالهدف الذي يريد سجانهم تحقيقه في كلا الحالتين، والهدف الذي ندعي بأن يريد تحقيقه هو إعادة صياغة البشر وفق رؤية إسرائيلية عبر صهر وعيهم، لا سيما صهر وعي النخبة المقاومة في السجون، بالتالي فإن دراسة حياة الأسرى كعينة مصغرة عن حياة المواطنين في الأراضي المحتلة يمكنها تبسيط الصورة وإيضاحها لفهم المشهد الفلسطيني برمته (ص82).

إعادة تعريف التعذيب:

يتخذ دقة من الأسرى الفلسطينيين عينة تمثيلية للشعب الفلسطيني نادرة في صدقيتها، فنراه يحلل آليات الرقابة والاخضاع، والسيطرة، والتنظيم التي تتوسلها السجون الصهيونية التي تعتبر عالماً مخبرياً مصغراً لفلسطين خارج السجون من أجل كسر إرادة الفلسطينيين ضمن عمليات هندسة اجتماعية محكمة تتضمن ضرب بنيتهم التحتية، مستخدماً ثلاث مقاربات نظرية لتوضيح هذا (التمرئي) هي عقيدة الصدمة لدى نعومي كلاين، والمراقبة والمعاقبة لدى ميشيل كوفو، والحداثة السائلة لدى زيجمونت باومان.

من صور التعذيب المصغرة التي يستخدمها السجان الإسرائيلي مع الفلسطينيين أثناء الإضراب عن الطعام:

ـ إبقاء النور مضاءً في الغرف على مدار ساعات الليل والنهار؛ بهدف استنزاف أعصاب الأسرى بمنعهم من النوم.

ـ مصادرة كل وسيلة بحوزة الأسرى مهما كانت تافهة وبسيطة، ولكنها قد تريحهم جسدياً، كالمخدات أو العبوات البلاستيكية التي تستخدم لملء الماء، ووضعها بجانب الأسرة حتى لا يضطر الأسير للسير نحو الحنفية كي يشرب، ولمنع أي مظهر للتضامن بين الأسرى كتوزيع الماء باستخدام تلك العبوات.

ـ اتخاذ قرار بمصادرة ملح الطعام الذي يستخدمه الأسرى أثناء الإضراب عن الطعام تفادياً لتحول الأضرار الصحية الناجمة عن الجوع إلى عاهة أو خلل صحي مستديم.

ـ خلق حالة من التوتر والقلق؛ وذلك بإخراج الأسرى من غرفهم بحجة التفتيش عن ممنوعات، بالرغم من تفريغ الغرف من كل محتوياتها ولم تترك فيها إلا فرشة لكل أسير.

ـ تشغيل مكبرات الصوت بصورة مزعجة وتوزيع نشرات تهدف إلى إضعاف قناعة الأسير بخطورة الإضراب وقيادته، كأن يبث أن الاضراب هو خطوة دفعت بها حماس خدمة لأجندات سياسية خاصة، وليس بهدف تحقيق أي مطلب من مطالب الإضراب، وأن القائد الفتحاوي فلان قد كسر إضرابه وتناول الطعام!

ـ إقامة حفلات المشاوي للشرطة وبعض السجناء الجنائيين يومياً في باحة السجن، وتناول الطعام أمام أعين الأسرى المضربين بصورة استعراضية(ص101).

إن السجن الحديث، بصورة عامة، ليس سيطرة وحجزاً للجسد فقط، وإنما هو سيطرة على زمن الأسير، فلم يعد زمن الأسير ملكه ولا يمكنه تنظيم ساعات النهار وفقاً لبرنامج يحدده لذاته، إنه لا يمضي وقته داخل الزنزانة حراً، بزمنه بعيداً عن تدخل السجان وسيطرته، بل إن زمنه خاضع للسجان الذي يقسم وحداته بحيث لا يمكنه التصرف به أو برمجته وفقاً لرغباته وحاجاته، يضيف إلى خروج الأسير للباحة الشمسية في ساعات محددة يقررها السجان، فإن الأسير في السجون الإسرائيلية مجبر يومياً على مغادرة زنزانته ثلاث مرات يومياً حتى يتم فحصه أمنياً(ص113).

ما بعد صهر الوعي:

ما بعد صهر الوعي ملهى الإغراء والإغواء، هو نص فكري كثيف يصور تحولات أنظمة الرقابة والاخضاع والسيطرة والتنظيم في السجون في تصادّ مع تحولات الحركة الوطنية خلال الفترة 2010-2023م، ففي استكمال لتأمله في المشروع الاستعماري الصهيوني، والمقارنة بين السجن الأصغر بصفته عالمياً مصغراً للمعازل الكبرى التي صارت سجناً مفتوحاً على امتداد فلسطين، يرصد دقة النقلة التي حدثت في نظام السجن الصهيوني، من مراقبته الفلسطينيين إلى مراقبة والسيطرة الإسرائيلية من نظام المراقبة الدائري إلى نظام الإغراء والإغواء في ما بعد صهر الوعي.

يرى دقة أن تفكيك المشهد الفلسطيني الراهن يشبه نزع العصبة الفعلية التي يضعها الصهاينة على أعين المعتقلين والعصبة الاستزلامية على أعين السياسيين الذين خضعوا لآليات راقب نفسك بنفسك، وساهموا في تكريس التحول من مراقبة الأقلية للأكثرية، إلى مراقبة الأكثرية للأقلية، الذي تجاوز التنسيق الأمني، فيه حتى صيغته التي نص عليها اتفاق أوسلو، وأشار دقة إلى ارهاصاته من خلال الكتابة عن الاحتلال الشمولي، والسيطرة بالزمن في كتابات سابقة، فيبدو من خلال الشهادات المروعة بعد بدء الإبادة أن سلطات السجون الصهيونية بدأت بتطبيق ما يشبه نظام الهايبروبتيكون المراقبة المفرطة، فقد أتاحت حالة الطوارئ، وقانون الساعة، وإقرار قانون الإعدام في مارس 2026م، وما ترافق معها من إجراءات إسرائيلية فاشية ضد الأسرى الفلسطينيين، وتعديلات هائلة في قوانين السجن ما قبل الإبادة، ونسف جميع مكتسبات الحركة الفلسطينية الأسيرة، على مدار ستة عقود، واستدخال نظام رقابة كاملة ومفرط، يراقب المراقبون أنفسهم، بمن فيهم رموز الكابور، وضباط السجون (ص22).

إن من أخطر العصابات هي النخب السياسية المستعمرة التي ينجح المستعمر في استغلال ما تعتقده هذه النخب أنها مساومات مشروعة، وأن مجمل وجودها وأمنها، بل والقليل مما تبقى في خطابها من مفردات ومصالح وطنية، مرتبط ارتباطاً عضوياً بما يقدمه لها المستعمر من تسهيلات وامتيازات، ويحول وجود مثل هذه النخب، بصفتها عصبة على شكل سلطة أو سلطتين في الحالة الفلسطينية دون قدرة الجماهير المستعمرة على إدراك مشهد الاستعمار بكامله (ص133).

إن جعل السجين رقماً يرتدي نفس الملابس التي يرتديها جميع الأسرى، استدعت فيه قيم الذات أو الذات كقيمة، أن تكون أو لا تكون لمقاومة في هذا النظام، بالتالي فقد كانت هي الدافع والمحرك الأساسي للمقاومة، وليست القيم الوطنية قيم التحرر، فيعيد الأسير في مواجهة التشييئ لملمة أشيائه، كما العصفور الذي يبني عشه قشة قشة، ليستعيد ذاته ومكانته وصورته في النظام الاجتماعي السجن، هذا إلى جانب المنظومة الوطنية والفصائلية التي بنتها الحركة الأسيرة، وشكلت حاضنة لهذا النضال الذي أفشل نظام التشييئ، وأوجدت سبلاً للتراتبية وإعادة انتاج الذات، وقد وضعت لهذا الغرض نظماً داخلية ومنظومة تنافسية قوامها القيم الوطنية والآليات الديمقراطية والقدرات التنظيمية والثقافية التي أتاحت حراكاً داخلها، وجددت دماء الحركة الأسيرة وقيادة فصائلها.

في السجون العادية، أو حالات الاستعمار العادي هناك سجان وسجين، وهناك مستعمِر ومستعمَر، ورد الفعل العقلاني الطبيعي هو المقاومة، لكن في السجون الإسرائيلية وفي ظل السينوبتيكون لم يعد هذا التقسيم بهذا البساطة، ولم يعد واضحاً لا للأسرى، ولا للمواطن الفلسطيني وأقحم الأسير والمواطن في هذه العملية، وهما يهتديان ببوصلة المرحلة التي أصبح عنوانها الرئيسي هو المساومة والفصائل، وإن كانت معارضة أو موالاة، شكلت عصبة شوشت رؤية الجماهير للواقع، من خلال اشتراكها الفاعل أو السلبي في ملهي الإغراء والإغواء من أجل الحفاظ على ما تبقى من إنجازات واستقرار، أو الحفاظ على وجودها، أو ربما الحفاظ على لقمة العيش داخل السجون، وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة(ص154).

منذ أسر دقة عام 1986م، حتى الإعلان عن استشهاده7 أبريل/ نيسان2024م، تعرض لجور نظام المحاكم الإسرائيلية، والاستهداف مصلحة السجون الصهيونية، وصلت حد الاغتيال، وعلى امتداد 38 عام في الأسر، رفضت المحاكم الإسرائيلية عشرات الالتماسات المتعلقة بتحديد فترة حكمه، وتخفيض الثلث وإزالة تصنيف أسير عالي خطر الهرب " سغاف، والزواج والانجاب ووداع أفراد العائلة"، تمكن دقة من الزواج برفيقة دربه سناء سلامة عام 1999م، غير أن القوانين العنصرية لدولة الاحتلال لم تتح لهما فرص الإنجاب على الرغم من جميع الالتماسات في هذا الصدد، إلى أن ولدت ابنتهما ميلاد في مدينة الناصرة 2020م، من نطفة محررة، بعد استثناء من صفقات الافراج وتبادل الأسرى عام 2008، 2011، 2014م، ومن ثم أصدرت محكمة الاحتلال في بئر السبع حكماً جائراً بحق دقة عبر زيادة عاميين إضافيين على محكوميته بادعاء ضلوعه في قضية إدخال هواتف نقالة من أجل تسهيل تواصل الأسرى مع ذويهم عام 2025م.

"لن أسمح لهم بكتابة السطر الأخير"، لم يكتب العدو السطر الأخير، وإنما كتبه دقة شاهداً على ما قبل صهر الوعي، واستشهادياً للحيلولة دونه، وشهيداً جراء تحققه حين لم تستطع الحركة الوطنية الفلسطينية درأه، واليوم ما يزال دقة يكتب السطر الأخير عبر فاعلية نصوصه التي تعلمنا كيف يرى المقاتل الذي تجمدت محاجره في جليد العدو لحظة الانتصار في عيون الرفاق الذين استمروا على الدرب.

المصدر | عربي21

Share this article on...

Comments

No comments yet. Be the first to comment!