في أصول الفقه السياسي وقضاياه عند الشيخ الإمام محمد الغزالي
لا تزال شخصية الشيخ محمد الغزالي السقا رحمه الله في حاجة إلى مزيد من الدراسات التي تسلط الضوء على مشروعه الفكري، وتبسط مختلف المفردات التي عني بها، ولئن كان الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله قدم شهادة مهمة عن شخصيته ومواقفه في خدمة الدعوة الإسلامية وأهم كتاباته، فإن الحاجة تشتد لبحث جوانب أخرى من مشروعه، ومن ذلك فكره السياسي.
لقد اعتاد المتتبعون لأدبيات الدعاة على تصنيفهم بكونهم أصحاب مواقف وآراء أكثر من كونهم حاملي رؤى وأنساق فكرية، وهو التصنيف الذي ربما يحتاج لكثير من المراجعة، على الأقل في حالة الشيخ محمد الغزالي السقا، الذي تثبت كتاباته، أنه لم يكن فقط رجلا منبريا، يصرف المواقف المعبئة التي تستحث همة الأمة إلى ما ينبغي الالتفات إليه، وإنما حمل منذ كتاباته الأولى رؤية فكرية واضحة، تركز على محورية المسألة الاجتماعية والسياسية في التصور الإسلامي.
تأريخ كتابات الشيخ محمد الغزالي تقدم صورة أولية عن موقع هذه المسالة في كتاباته، فقد انطلق منذ بواكيره الفكرية الأولى من قضية العدالة الاجتماعية، ومحاربة الامتيازات الطبقية، فألف كتابه الأول “الإسلام الأوضاع الاقتصادية“، ثم عرج على نقد المناهج الاشتراكية في كتابه الثاني “الإسلام والمناهج الاشتراكية“، واستمر على نفس نهجه في مواجهة الاستهدافات التي توجه إلى الإسلام من قبل خصومه، فألف كتابه: “الإسلام المفترى عليه من الشيوعيين والرأسماليين” الذي أحال عليه سيد قطب في كتابه: “العدالة الاجتماعية في الإسلام”.
وليس من غريب المصادفات أن يكون مشروع الشيخ محمد الغزالي واحدا من الاهتمامات المركزية في اشتغال الدكتور محمد عمارة، فقد حرص على تقديمه، وعرض العناوين الكبرى التي انتظمها مشروعه الإصلاحي، فجعل من مواجهة الاستبداد السياسي والمظالم الاجتماعية العنوان الأبرز في كتاباته، بالإضافة إلى مواجهة الهيمنة الغربية وتيارات العلمانية والمادية والإلحاد والتغريب، ومواجهة الحرفية والجمود والتقليد، وتجديد الذات الإسلامية وإحياء الأمة.
ومع الجهد الكبير الذي بذله الدكتور محمد عمارة في تسليط الضوء على العناوين الإصلاحية في مشروع الشيخ محمد الغزالي، فإن كل عنوان من العناوين التي استخلصها محمد عمارة وسلط أضواء عامة عليها، تحتاج أن تتحول إلى مشروع بحثي مستقل، يركز فيه الباحثون النظر في رؤية الشيخ الغزالي، والنسق الذي يحكمها، وكيفية الإفادة منها في ترشيد نظر الأمة إلى العديد من القضايا.
يمثل كتاب “في أصول الفكر السياسي وقاضايه عند الشيخ الإمام محمد الغزالي” للأستاذ إبراهيم بوغضن واحدا من الأبحاث الجادة التي اضطلعت بتتبع رؤية الشيخ الغزالي للمسألة السياسية، وبيان نسقيتها، وتأثيرها على التيار الإصلاحي الكبير داخل الصحوة الإسلامية، الذي تبنى فكرة التغيير السلمي من داخل المؤسسات السياسية، وتبنى فكرة المشاركة السياسية، وتطلع إلى أن تكون الديمقراطية سبيلا للإصلاح السياسي. فقد ركز الباحث اهتمامه، وحدد هدفه من اشتغاله البحثي في إبراز الجهود التي ساهم بها الغزالي في تطوير الفكر السياسي الحديث من منظور إسلامي.

لماذا الشيخ محمد الغزالي؟ ولماذا بالتحديد جهوده في تطوير الفكر السياسي؟
يقرر الباحث بأن اختياره الغزالي، واختياره على وجه التحديد البحث في جهوده لتطوير الففكر السياسي، لم يكن بدافع من مكانه الشيخ الغزالي المنبرية أو الدعوية أو حتى الفقهية والفكرية والدعوية، ولا بدافع من موقعه داخل الحركة الإسلامية بصفته واحدا من منظريها ومرشدي خطها الفكري والدعوي والسياسي، وإنما كان دافعه هذه الأشياء مجموعة، وشيء آخر يرتبط بتجربته الطويلة، ومعاصرته لهموم الأمة، هذا فضلا عن العقل الإصلاحي الذي امتلكه، والذي لا يختلف كثيرا عن عقل مفكري الإصلاح من أمثال الشيخ جمال الدين الأفغاني، والإمام محمد عبده، ورشيد رضا وحسن البنا وغيرهم.
يتبنى الباحث توصيف المستشار طارق البشري لكتابات الشيخ الغزالي وتـأثيرها في تكوين الخلفية الإسلامية والسياسية للحركة الإسلامية، ويعتبر أن كتابات الشيخ الغزالي رحمه الله هي من أنضج ما كُتب من فكر سياسي بمنظور إسلامي في هذه الفترة.
ويبقى الدافع الأساس وراء اختيار الباحث لشخصية الغزالي، وأيضا لإسهامه في تطوير النظرية السياسية للحركة الإسلامية، كون مشروعه الفكري شكل على امتداد خمسين سنة “العنوان والمظلة لتيار الاجتهاد والتجديد في فكرنا الإسلامي المعاصر على امتداد عالم الإسلام”، إذ كان له الفضل في صناعة نخب الصحوة الإسلامية وجماهيرها، وفقهائها ودعاتها، وجماعاتها وجمعياتها، وتياراتها وحركاتها، فضلا على تأثيره على المعاهد الدينية الرسمية والشعبية، ليس فقط في مصر، بل في العالم العربي والإسلامي.
ويرى الباحث أن هذا التأثير بهذا الامتداد لم يحصل إلا لقلة قليلة من قادة النهضة الإسلامية في هذا العصر أمثال رواد الإصلاح كجمال الدين الأفغاني، محمد عبده، رشيد رضا، حسن البنا، وأبي الأعلى المودودي، وأبي الحسن الندوي، ومالك بن نبي، وسيد قطب، ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي.
في أهمية استقراء أصول الفكر السياسي عند الشيخ محمد الغزالي
هناك أكثر من جانب يبرر الاشتغال على الفكر السياسي للشيخ محمد الغزالي والبحث عن أصوله، الأول، يعود إلى شخصية الشيخ الغزالي نفسه، بوصفه علما من أعلام الدعوة والصحوة الإسلامية، نذر حياته كلها في الدعوة والحركة ونشر العلم وترشيد فقه الدعوة، وخلف وراءه حياة حافلة في خدمة الإسلام، وأنتج مكتبة إسلامية واسعة متنوعة المشارب الفكرية والفقهية والدعوية والأدبية.
والثاني، هو ما يتميز به فكره ومشروعه الإصلاحي من الاستجابة لمختلف التحديات التي واجهها المسلمون في واقعهم الحضاري، فكان لا يترك مجالا ولا موضوعا فيه قدر من التحدي للمسلمين إلا صدح فيه بالحق، وقال رأيه بدون مواربة، تشهد على ذلك عناوين كتبه المتعددة التي انصبت جهودها في إيقاظ همم المسلمين والتنبيه على مظاهر التخلف التي ينبغي عليهم تجاوزها.
والثالث، أن الجانب السياسي، شكل أحد أهم مخرجات المشروع الفكري للشيخ محمد الغزالي، حتى إن مقدم الكتاب الأستاذ وصفي عاشور أبو زيد، لم يجد أي حرج في مقارنة كتاب الشيخ الغزالي “الإسلام والاستبداد السياسي” بكتاب الكواكبي: “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، واعتبرهما مصدرين أساسيين صدرا في تاريخ الإسلام عن الاستبداد: تشخيصا وتفكيكا وتحذيرا وتنبيها لعالم المواجهة. فقد عد الشيخ محمد الغزالي الاستبداد أكبر علة من علل الأمة، والسبب الرئيس في تخلفها وتراجعها الحضاري، فكان بحق كتابه من أنفس الكتب التي أغنت المكتبة الإسلامية في تشخيص واقع الاستبداد وبيان محدداته وآلياته وآثاره، إذ جمع في هذا الكتاب بين قراءة واقع الاستبداد المعاصر وتحليل جذوره من خلال الاستناد إلى رؤية شرعية تحاور النصوص القرآنية والنبوية وآثار الصحابة الكرام في الموضوع، وكان متفدرا في تسليط الضوء على الفهوم التراثية التي تبرر الاستبداد وتؤسس له، ونقدها نقدا قاسيا بالإحالة إلى مقاصد الشريعة السمحة.
بين يدي الكتاب
حرص الباحث أن يجعل من مقدمات الكتاب أرضية مناسبة لتفكيك جملة من الإشكالات الرئيسة في الفكر السياسي للإسلامي. فقد اختار أن ينطلق في مقدمة كتابه من إعادة طرح الإشكالية الإصلاحية التي شغلت أمير البيان شكيب أرسلان: “لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟ ليجعلها مدخلا لبيان أهمية البحث وتقرير أهدافه، وبسط الصعوبات التي واجهته، وتبرير مفردات المنهج الذي سلكه، ليعرج في الأوليات المفاهيمية إلى مكانة الفقه والفقيه في تاريخ الإسلام، وبيان المفهوم القرآني للفقه عند الشيخ محمد الغزالي، ثم مفهومه للفقه السياسي.
وقد قسم الباحث كتابه إلى ثلاثة أبواب رئيسة، فخصص الأول، لبحث مصادر الفقه السياسي وأدوات التفقه فيها، مركزا في ذلك على المصادر الرئيسة (القرآن حاكما ومهيمنا، والسنة النبوية، والتصرفات النبوية، والتجربة السياسية للخلفاء الراشدين، والقواعد العامة التشريعية) وعلى ما أسماه الباحث بالمصادر التكميلية، ويقصد بها التحربة التاريخية للأمة والتجربة الإنسانية في الغرب والشرق. وبخصوص أدوات التفقه، فقد سلط الضوء على سبع أدوات، منها أداة التأويل المقاصدي، والتفهيم بالنموذج، والمقارنة، والانخراط المباشر في الفعل السياسي الإصلاحي، والجدل والمناظرة، والموازنة والترجيح ثم الجمع بين فقه الواقع وفقه النص. وفضلا عن أدوات التفقه السياسي، فقد حرص الباحث ضمن الباب الأول دائما أن يسلط الضوء على موقف الشيخ الغزالي من بعض مفردات الفقه السياسي الحديث، كالديمقراطية، والاشتراكية والقومية.
أما الباب الثاني من كتابه، فقد تناول فيه رؤية الغزالي لفلسفة الحكم في الإسلام، فركز في الفصل الأول على أركان النظام السياسي الإسلامي (مرجعية الشريعة في الحكم، العدل، الحرية، ولاية الأمة، الشورى) وتناول في الفصل الثاني من هذا الباب وظائف الحكم في الإسلام، فتناول كلا من وظائف الحاكم في الإسلام، وظائف مؤسسة الدولة. أما الفصل الثالث، فقد اختار أن يعرض فيه لإشكالية دقيقة ترتبط بالعلاقة بين السياسية والأخلاق في ممارسة السياسة في الإسلام في منظور الشيخ الغزالي، فسلط الضوء على نظرية الإسلام في بين الدين والسياسة والأخلاق، وكيف تصوغ عقيدة التوحيد هذه العلاقة، ومنهجية القرآن في بناء الأفراد والأمم من خلال الجمع بين وازع القرآن وازع السلطان، كما عالج في الفصل نفسه النظام الروحي في الإسلام، وكيف تجتمع ضمنه الأخلاق الربانية بالأخلاق السياسية، هذا فضلا عن تناوله للعلاقة بين المفهوم العام للأخلاق والمفهوم الشخصي لها.
وقد خصص الباحث الفصل الرابع من هذا الباب لموضوع المرأة في النظام السياسي الإسلامي في منظور الشيخ الغزالي، فاستعرض آراء الفقهاء من تقلد المرأة للمناصب السامية والأسس المعيارية لرؤية الغزالي لقضية المرأة، وكيف حرر مفهوم القوامة، وكيف فسر عددا من الأحاديث التي يحتج فيها لمنع تقلد المرأة للمسؤوليات العامة، منتصرا في ذلك كله إلى معيار الكفاءة، وأنه هو المعيار الوحيد لتولي جميع الولايات العامة، مستعرضا نماذج من فتاوى الشيخ الغزالي التجديدية في عدد من القضايا النسائية.
وقد اختار الباحث أن يجعل من الباب الثالث محطة لعرض عدد من المسائل الفكرية في الفكر السياسي المعاصر، والتوقف عند رؤية الغزالي لها، ومن ذلك قضية الحاكمية، إذ قدم حفرا تاريخيا مهما عن نشأة هذا المفهوم وتطوره في الفكر الإسلامي المعاصر، مركزا فيه على مظاهر الغلو المعرفي في تأطير مفهومه، وكيف انتقد الغزالي مفهوم سيد قطب للحاكمية، متوقفا بشكل تفصيلي على منهج الشيخ الغزالي في تفكيك مسألة الحاكمية، وتحرير النظر فيها وفقا للمنظور القرآني.
وبالإضافة إلى مفهوم الحاكمية، تناول الفصل الثاني من هذا الباب الخاص بتحرير الإشكالات الفكرية في قضايا الفكر السياسي المعاصر، قضية تطبيق الشريعة في الدولة الحديثة في منظور الشيخ الغزالي، فحاول الباحث أن يعرض ابتداء للإطار العام للنظر في قضية تطبيق الشريعة، مبنيا الحاجة إلى الوعي بأن تطبيق الشرعية مرتهن أساسا لشرط تطوير الفقه، وأنه لا يمكن فكل هذا الإشكال من غير معالجة معادلة العلاقة بين وازع القرآن ووازع السلطان.
وقد تناول الباحث في هذا الفصل الفرق بين الشريعة والقانون الوضعي، وسلط الضوء على رؤية الشيخ الغزالي لهذا الموضوع، وبخاصة قضية تطبيق الحدود، مقدما في ذلك نماذج من اجتهاداته في مجال القصايا والعقوبات، وأيضا رؤيته لقضية الأقليات والجماعات الدينية غير المسلمة. وقد خصص الباحث الفصل الثالث من هذا الباب لتحرير رؤية الشيخ محمد الغزالي لمسألة العلمانية أو العلاقة بين الدين والدولة، فيما تناول الفصل الرابع منه مسألة الطاعة السياسية في رؤية الشيخ الغزالي، مستعرضا في ذلك سبعة قواعد في منهج التغيير الاجتماعي عنده، فذكر من ذلك قاعدة” أن الدولة المحترمة وليد طبيعي لمجتمع محترم”، وقاعدة “الإنسان الصالح صانع التغيير والنهضة”، ثم قاعدة “وما انهدم خلال قرون لا يبنى خلال شهور” وقاعدة” السكوت عن المنكر إذا ترتب على تغييره منكر أكبر منه، وقاعدة “ما غلب خيره شره أبيح وما غلب شرخ خيره حرم” وقاعدة “الوعي بسنن الله في الأنفس والآفاق” وأخيرا قاعدة “كل جهد يبذل في محاربة الباطل لا يذهب سدى”. كما خصص هذا الفصل لعرض قراءة الشيخ الغزالي لبعض تجارب الخروج على الدولة مثل ثورة الحسين بن علي، مسلطا الضوء على نماذج من مواقف الغزالي الجريئة في الصدع بالحق.
مركزية الفقه السياسي في المشروع الإصلاحي للشيخ الغزالي
وإذا كان من الجائز في هذه القراءة أن نقدم بعض الخلاصات التي انتهى إليها الكتاب، أو تبيت من خلال منهجه وقضاياه، أن قضية الفقه السياسي شكلت القضية المركزية في فكر الشيخ الغزالي، وأن قضية الاستبداد كانت في عمق هذه القضية، وأن الشيخ الغزالي سبق غيره في تأصيل الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، وأن كتاباته في هذا المجال شكلت المنارة التي على هديها تحقق التراكم البحثي والفكري والأكاديمي في هذا المجال، وأنه على الرغم من أن تناول الشيخ الغزالي لهذه القضايا لم يكن أكاديميا، وكان في الغالب عارضا أو أدبيا أو دعويا أو عاما، إلا أن نظراته وإشاراته، شكلت أرضية مهمة لمن بعده من الباحثين والمفكرين الذين التقطوا رؤيته وحاولوا إعادة صياغتها بأشكال مختلفة لتطور بذلك الرؤية المعاصرة للفكر السياسي الإسلامي المعاصر.
وما من شك أن نظرة الغزالي لقضية المرأة، شكلت الأساس المتين لنقلة بعيدة في الفكر السياسي الإسلامي، حول قضايا المرأة وأهليتها وحقوقها، وتوليها للولايات العامة، ومشاركتها للرجل في العمل الاجتماعي والسياسي، واستقلال ذمتها في العمل الاقتصادي والاستثماري، وغير ذلك من القضايا التي كان للشيخ الغزالي جولات قوية فيها، ومعارك شرسة ضد ما كان يسميه بالفقه البدوي الذي يتمترس خلف قراءات تراثية ذكورية بعيدة عن فهم مقاصد الشرع وتصرفات النبي السياسي وخبرة التجربة السياسية الراشدة في الإسلام.
وأما الخلاصة الثالثة، فتتعلق بجهود الشيخ الغزالي في إرساء فقه التكيف مع مفردات الفكر السياسي المعاصر، عبر التأصيل للفكر الديمقراطي من داخل المرجعية الإسلامية، هذا فضلا عن التأصيل للموقف من الدستور ومؤسسات الدولة والمشاركة السياسية وقضايا المرأة وحقوق الأقليات، وخلق جسر التواصل بين الشريعة وبين القانون.
وتكتسب الخلاصة الرابعة أهميتها من المرونة التي تميز بها فقه الشيخ محمد الغزالي في التغيير الاجتماعي، إذ تبنى بذلك الموازنة بين فقه الشرع وفقه الواقع، والتمييز بين مراتب الأعمال، وإعمال المنطق المقاصدي، وفقه الأولويات والموازنات، وتجنب كثير من الفهوم الراديكالية التي تأصلت في الفكر الإسلامي حول الموقف من الحاكم ومن مؤسسات الدولة، فاختار الشيخ محمد الغزالي منهجية الثبات على الحق، وتقييم أداء الحاكم والمؤسسات بحسب ترجيح الخير من الشر، والمصلحة من المفسدة، والتدرج في الإصلاح، والرهان على إصلاح المواطن، دون تقديم أي شيك بياض للسلطة السياسية.
على أن هناك خلاصة خامسة لا تخلو من أهمية، كون الكاتب نجح في أن يستقرئ تراث الشيخ محمد الغزالي ويحصر آراءه في بعض القضايا الإشكالية التي تعرضت بسببها تجربة الأمة للانكسار التاريخي، ومن ذلك أزمة الانفصال بين القيادة السياسية والقيادة الفكرية، وسؤال المشروعية السياسية، وسؤال أولوية الحفاظ على بيضة الأمة أم معاجلة إشكال الحكم، وقضية الاستبداد السياسي، وقضية الطاعة السياسية، هذا فضلا عن تجارب الخروج على الحكم وأثرها على مسار الأمة. فهذه الإشكالات لا تزال آثارها وتداعياتها سائرة إلى اليوم، ولا تزال تجر وراءها نزعات طائفية وصراعات عقدية ومذهبية. وما من شك أن استقراء مواقف الشيخ محمد الغزالي بهذا الخصوص ورؤيته الإصلاحية، تساعد على تأطير صحيح لهذه الإشكالات، وتشكل إسهاما في حصر دائرة الخلافات، ومساعدة على تلمس الوعي الوحدوي الذي يمكن الأمة من مواجهة رهانات عدوها الممعن في استدامة تفتتها وتجزئتها.
المصدر | عربي 21



