لم يعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي مجرد محطة سياسية أُغلِق ملفها، بل تحوّل – كما تكشف كتب 2026 – إلى حالة ذهنية مستمرة، وإلى سؤال مفتوح يعيد طرح نفسه بصيغ مختلفة مع كل أزمة دولية جديدة. فبريكست، الذي قُدِّم يومًا باعتباره استعادة للسيادة، يبدو في هذه الكتابات أقرب إلى نقطة بداية لسلسلة من المراجعات العميقة.
ما بعد بريكست… حين يتحول القرار إلى سؤال مفتوح

في هذا السياق، يبرز كتاب “عالم أكثر شجاعة” Braver New World للكاتب John Kampfner بوصفه مدخلًا تحليليًا مهمًا لفهم هذه اللحظة. لا يكتفي كامبنر بسرد التحولات، بل يذهب إلى تفكيك الخطاب السياسي الذي رافق الخروج، كاشفًا عن الفجوة بين الشعارات والواقع. فبريطانيا، كما يصورها، لم تتحول إلى قوة أكثر استقلالًا، بل إلى دولة تبحث عن شبكة علاقات جديدة تعوض ما فقدته.
ويمتد هذا الطرح ليطرح تساؤلات أكثر عمقًا: هل يمكن لدولة بحجم وتأثير بريطانيا أن تعيد تعريف نفسها خارج إطار إقليمي كانت جزءًا منه لعقود؟ أم أن الخروج، بدل أن يحررها، جعلها أكثر حاجة إلى إعادة التفاوض مع نفس الدائرة الأوروبية ولكن بشروط مختلفة؟ هذه الأسئلة، التي يطرحها كامبنر بوضوح، تشكل الخلفية الفكرية التي تنطلق منها بقية كتب العام.
العلاقة الخاصة… من يقين تاريخي إلى قلق استراتيجي

إذا كان الخروج من أوروبا قد فتح باب الأسئلة، فإن العلاقة مع الولايات المتحدة لم تعد تقدم اليقين الذي اعتادت عليه النخبة البريطانية. فلطالما وُصفت هذه العلاقة بـ“الخاصة”، لكنها في كتب 2026 تبدو أقرب إلى علاقة غير متكافئة، تخضع لتقلبات السياسة الأمريكية أكثر مما تستند إلى ثوابت استراتيجية.
في هذا الإطار، يحضر كتاب “نقاط الاختناق” Chokepoints للمحلل Edward Fishman بوصفه نصًا مرجعيًا لفهم طبيعة القوة الأمريكية في عالم اليوم. يشرح فيشمان كيف تستخدم واشنطن أدوات غير تقليدية – من العقوبات إلى الهيمنة التكنولوجية – لإعادة تشكيل النظام الدولي. وبالنسبة لبريطانيا، فإن هذا الطرح يضعها أمام معضلة حقيقية: هل تندمج في هذه الاستراتيجية باعتبارها حليفًا تقليديًا، أم تحاول الحفاظ على هامش استقلالي يسمح لها بالمناورة؟
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى كتب أخرى تناولت العلاقة نفسها من زوايا مختلفة، مثل كتاب ” التحالف الأنجلو-أمريكي في عصر جديد” The Anglo-American Alliance in a New Era للباحث David Reynolds، الذي يعيد قراءة تاريخ العلاقة بين البلدين، ليصل إلى نتيجة مفادها أن “الخصوصية” لم تكن يومًا ثابتة، بل كانت دائمًا نتاج توازن مصالح متغير.
بهذا المعنى، لا تعود العلاقة مع واشنطن مسألة تحالف ثابت، بل ملفًا مفتوحًا على إعادة التفاوض، وهو ما يعكس تحوّلًا عميقًا في التفكير السياسي البريطاني.

في كتاب “نقاط الاختناق” ، يأخذنا إدوارد فيشمان، المسؤول الأمريكي السابق البارز في مجال العقوبات، في رحلة عميقة إلى كواليس السلطة ليكشف لنا التاريخ الخفي للعقدين الماضيين من السياسة الخارجية الأمريكية. فبينما كان فلاديمير بوتين وشي جين بينغ وآية الله خامنئي يُثيرون الفوضى على الساحة الدولية، بنى قادةٌ مُخالفون داخل الحكومة الأمريكية ترسانةً جديدةً مُرعبةً من الأسلحة الاقتصادية. وقد اعتمد الرؤساء الأمريكيون المتعاقبون على هذه الأسلحة لمواجهة أخطر التهديدات الأمنية الوطنية، سواءً كان ذلك خيرًا أم شرًا. يُقدّم
أما كتاب ” التحالف الأنجلو-أمريكي في عصر جديد” ففيه سردًا شيقًا لأحد أهم التطورات التحويلية في عصرنا، مُزيلًا الغموض عن كيفية تسخير الحكومة الأمريكية لقوة وول ستريت ووادي السيليكون وشركات النفط الكبرى ضد أعداء أمريكا. في قلب هذا السرد، يبرز الدبلوماسيون والمحامون والخبراء الماليون الرواد الذين أشرفوا على تصعيد الحروب الاقتصادية الأمريكية ضد روسيا والصين وإيران.
بين القارتين… وهم الجسر وإشكالية الموقع

وسط هذا التذبذب بين أوروبا وأمريكا، تظهر فكرة جذابة في ظاهرها: أن تلعب بريطانيا دور “الجسر” بين الضفتين. غير أن كتب 2026 تتعامل مع هذه الفكرة بكثير من الحذر، بل وأحيانًا بالشك.
في كتاب “مثلث القوة” The Triangle of Power للسياسي Alexander Stubb، تُطرح خريطة عالمية تقوم على توازن بين قوى كبرى، ما يدفع بعض المفكرين البريطانيين إلى تصور لندن كوسيط بين هذه القوى. لكن القراءة النقدية لهذا الطرح داخل بريطانيا تكشف عن مفارقة: كيف يمكن لدولة خرجت من الاتحاد الأوروبي أن تلعب دور الوسيط بينه وبين الولايات المتحدة، وهي لم تعد جزءًا كاملًا من أي منهما؟
ثم يجادل الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، مؤلف الكتاب، بأننا نعيش لحظة مفصلية في التاريخ، شبيهة بأحداث أعوام 1918 و1945 و1989. نظام دولي جديد يتشكل، مدفوعًا بثلاث قوى رئيسية: الغرب العالمي، والشرق العالمي، والجنوب العالمي. في قلب هذا النظام، يتصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، حيث يسعى كلاهما إلى إبرام اتفاقيات ثنائية وتحالفات إقليمية، لكن الجنوب العالمي هو من سيحدد في نهاية المطاف ما إذا كان المستقبل سيتجه نحو التعاون أم نحو التشرذم.
هذا السؤال يتردد أيضًا في كتاب ” بريطانيا في عصر التنافس” Global Britain Revisited للباحثة Anand Menon، الذي يعيد تقييم شعار “بريطانيا العالمية” الذي رُوِّج له بعد بريكست. يرى مينون أن هذا الشعار، رغم جاذبيته، لم يتحول إلى استراتيجية متماسكة، بل ظل أقرب إلى تصور نظري يفتقر إلى أدوات التنفيذ.
ويصف الكتاب وهو مراجعة متكاملة للأمن والدفاع والتنمية والسياسة الخارجية، رؤية الحكومة لدور المملكة المتحدة في العالم خلال العقد المقبل والإجراءات التي سنتخذها حتى عام 2025. وهكذا، تتحول فكرة “الجسر” من حل سهل إلى إشكالية معقدة، تكشف عن التحدي الحقيقي الذي تواجهه بريطانيا: ليس فقط في اختيار موقعها، بل في امتلاك القدرة على تثبيت هذا الموقع.
أوروبا من جديد… من القطيعة إلى الشراكة الذكية

ومع تزايد هذا الإدراك، تعود أوروبا إلى قلب النقاش، ولكن بصيغة مختلفة تمامًا عن تلك التي سبقت بريكست. لم تعد الكتب تتحدث عن عضوية أو انسحاب، بل عن أشكال جديدة من العلاقة، تقوم على المرونة والتدرج.
في هذا السياق، يمثل موضوع Common Endeavour الصادر عن Fabian Society محاولة واضحة لإعادة تصور العلاقة مع الاتحاد الأوروبي. يدعو التقرير إلى بناء شراكة عملية تشمل مجالات الأمن والطاقة والتجارة، دون العودة إلى نموذج العضوية الكاملة. وهو طرح يعكس إدراكًا بأن القطيعة التامة لم تعد واقعية في عالم مترابط اقتصاديًا وأمنيًا.
ويتقاطع هذا الطرح مع ما يقدمه كتاب “التحديث السنوي للسياسة البريطانية 2026” UK Politics Annual Update 2026، الذي يرصد التحولات الفعلية داخل السياسة البريطانية، مشيرًا إلى أن الخطاب الرسمي بدأ بالفعل في الابتعاد عن ثنائية “الخروج أو البقاء”، لصالح مقاربات أكثر براغماتية.

كما يُسلّط الكتاب الضوء على عالم السياسة البريطانية سريع التغير. يستكشف الكتاب صعود حركة “إصلاح المملكة المتحدة”، وتطور نظام الحزبين، وكيف تغير نشاط جماعات الضغط ومشاركتها في ظل حكومة حزب العمال. تُقدّم أمثلة معاصرة وواضحة تُنير القوى التي تُعيد تشكيل السياسة البريطانية للطلاب والقراء على حدٍ سواء؛ وفيما يُغطي الكتاب التغييرات الدستورية، والتحديات البرلمانية، وديناميكيات مجلس الوزراء، وتطور العلاقات بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويُقيّم قيادة كير ستارمر تحت الضغط، وواقع الحكم بعد الفوز. بفضل التحليل والتقييم والتعليقات المُعدّة للامتحانات، يُعدّ الكتاب رفيقًا أساسيًا للنجاح في المستوى المتقدم (A Level).
كما يضيف كتاب Europe After Brexit: British Perspectives 2026 للباحثة Catherine Barnard بعدًا قانونيًا مهمًا، حيث يناقش كيف يمكن إعادة بناء الأطر التنظيمية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، بطريقة تسمح بالتعاون دون التضحية بالسيادة الوطنية.

وهكذا، تعود أوروبا لا كخيار سياسي حاد، بل كضرورة استراتيجية لا يمكن تجاهلها. ولفهم تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على الاتحاد الأوروبي، نحتاج إلى دراسة العمليات السياسية والدبلوماسية التي أوجدها أو أثارها. فمنذ تصويت 23 يونيو، شهد العالم 13 جولة من المفاوضات والمناقشات المترابطة في بريطانيا وبقية دول الاتحاد الأوروبي. ومنذ البداية، أحاطت بها تساؤلات حول مستقبل المملكة المتحدة، ووحدة الاتحاد الأوروبي وتوجهاته، والقيادة على الصعيدين الوطني والدولي، والثقة والتضامن بين مختلف الأطراف. هذه العمليات التي يُدار من خلالها ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد تؤدي بسهولة إلى توتر العلاقات بين جميع الأطراف نتيجة لتضارب وجهات النظر حول العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية المستقبلية داخل المملكة المتحدة، وبين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، وداخل الاتحاد الأوروبي نفسه. وقد تكون النتيجة النهائية خلافات حادة وانقسامًا وضررًا لجميع الأطراف. لا ينبغي استبعاد احتمال “خروج بريطانيا القاسي” الذي تتدهور فيه العلاقات بين جميع الأطراف. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي استبعاد احتمال أن يُسهم خروج بريطانيا القاسي في خلق أزمة تؤدي على المدى البعيد إلى نتيجة إيجابية من خلال فرض تغييرات ضرورية على الاتحاد الأوروبي والسياسة الأوروبية.
نحو سياسة خارجية متعددة المسارات

مع تلاقي هذه الرؤى، تتبلور فكرة مركزية في كتب 2026: أن بريطانيا لم تعد قادرة على الاعتماد على محور واحد في سياستها الخارجية.
هذا ما يتجلى بوضوح في كتاب Networked Power: Britain in a Multipolar World للمفكر Mark Leonard، الذي يدعو إلى تبني نموذج “القوة الشبكية”، حيث تبني الدولة علاقاتها عبر شبكة واسعة من الشراكات بدل التحالفات الثنائية التقليدية.
ويرى ليونارد أن العالم لم يعد منقسمًا إلى معسكرات واضحة كما في السابق، بل أصبح أكثر سيولة، ما يفرض على بريطانيا أن تكون أكثر مرونة في تحركاتها، وأن تستثمر في علاقات مع قوى متوسطة وصاعدة، بدل الاكتفاء بمحور واشنطن–بروكسل.
ويتقاطع هذا الطرح مع كتاب “بريطانيا والقوى المتوسطة”Middle Powers and the UK للباحث Robin Niblett، الذي يركز على أهمية بناء تحالفات مع دول مثل كندا وأستراليا والهند، باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع لتقليل الاعتماد على القوى الكبرى.
بهذا المعنى، لا تعود السياسة الخارجية مجرد إدارة لعلاقات قائمة، بل تصبح عملية إعادة تصميم شاملة لشبكة العلاقات الدولية. فلم تعتد المملكة المتحدة على اعتبار نفسها “في الوسط”. فعلى مدى عقود، استندت هويتها الاستراتيجية على ركيزتين: كونها مهندسة رائدة للنظام الليبرالي ما بعد الحرب، وقوة عابرة للأطلسي محورية تتمتع بنفوذ مميز في واشنطن وبروكسل والأسواق العالمية. إلا أن العالم الذي دعم هذه الأدوار يتلاشى. فالصراعات تعيق طرق التجارة، والصدمات المناخية تُلحق الضرر بسلاسل التوريد، والتكنولوجيا أصبحت ساحة معركة لتحقيق ميزة استراتيجية، والمنافسة بين القوى العظمى تُؤثر الآن على كل شيء، بدءًا من الوصول إلى أشباه الموصلات وصولًا إلى تأمين الشحن.
كتب تكتب مرحلة انتقالية

عند قراءة هذه الكتب مجتمعة، يتضح أنها لا تقدم مجرد تحليلات منفصلة، بل ترسم معًا صورة لمرحلة انتقالية تعيشها بريطانيا بكل تعقيداتها. من John Kampfner الذي يطرح الأسئلة الأولى، إلى Edward Fishman الذي يكشف طبيعة القوة الأمريكية، مرورًا بتحليلات Anand Menon وMark Leonard، يتشكل نسيج فكري يعكس قلقًا مشتركًا ورغبة في إعادة التأسيس.
إنها كتب لا تبحث عن إجابات نهائية بقدر ما تحاول رسم حدود الممكن. ففي عالم يتغير بسرعة، لم يعد السؤال هو أين تقف بريطانيا اليوم، بل كيف يمكنها أن تتحرك بمرونة بين مواقع متعددة دون أن تفقد توازنها.
وربما لهذا السبب تحديدًا، تبدو كتب 2026 أقرب إلى خرائط مفتوحة، لا تحدد طريقًا واحدًا، بل تقترح مسارات متعددة لدولة لا تزال، حتى الآن، تعيد اكتشاف نفسها بين واشنطن وبروكسل.



