في زمنٍ لم تعد فيه الحروب تُخاض بالدبابات والطائرات وحدها، بل عبر الشبكات الرقمية والسرديات الإعلامية والدورات الاقتصادية، برز تيار فكري جديد يسعى إلى تفسير الصراع بوصفه ظاهرة مركبة، ممتدة، وغير مرئية في كثير من الأحيان. ضمن هذا السياق، يبرز كتابا Modern Hybrid Warfare: Russia versus the West وRussia’s Hybrid Warfare Offensive Against the West كعدستين متكاملتين لفهم هذا النمط المستجد من الحروب.
الكتاب الأول “الحرب الهجينة الحديثة: روسيا في مواجهة الغرب”.. Modern Hybrid Warfare: Russia versus the West وهو تحليل محدث للحرب السيبرانية والحرب الهجينة في ظل الصراع الراهن بين روسيا وأوكرانيا. يستكشف هذا الكتاب ويفكك جهود روسيا في توظيف أدوات الحرب الهجينة الحديثة ضد الغرب، بما في ذلك العمليات السيبرانية، وعمليات التأثير في بيئة المعلومات، وسياسات الطاقة، فضلاً عن العمليات العسكرية التقليدية خلال حقبة ما بعد الاتحاد السوفيتي، مع تركيز خاص على الحرب الروسية الأوكرانية.

كما يقدم الكتاب خريطة استراتيجية شاملة، يفكك من خلالها بنية الحرب الهجينة الحديثة، بما تتضمنه من عمليات سيبرانية، وحروب معلومات، وتوظيف للطاقة، إلى جانب الاستخدام المحسوب للقوة العسكرية التقليدية. وهو ينظر إلى روسيا ليس فقط كفاعل دولتي، بل كنظام تأثير متكامل يجمع بين أدوات القوة الصلبة والناعمة، من الدعاية الرقمية إلى المناورات الجيوسياسية.
أما الكتاب الثاني”الهجوم الروسي بالحرب الهجينة ضد الغرب” وRussia’s Hybrid Warfare Offensive Against the West ، فيتعمق زمنياً، ممتداً إلى عام 2000 مع صعود فلاديمير بوتين، حيث يحلل تطور العقيدة الروسية عبر عقود. لكنه لا يكتفي بالوصف، بل يطرح أسئلة جوهرية: أين ينتهي التجسس وتبدأ الحرب الهجينة؟ وهل الهجمات السيبرانية امتداد للعمل الاستخباراتي أم إعلان حرب بصيغة جديدة؟ هنا تتلاشى الحدود التقليدية، ويتشكل فضاء رمادي تختلط فيه المفاهيم وتتشابك الأدوات. ويخلص إلى أن النظام سيستمر حتى مع تراجع الغرب، بل إن نهاية الهيمنة الغربية قد تفتح المجال لبناء عالم أكثر توازناً، تتمتع فيه الدول غير الغربية بصوت ونفوذ وازدهار أكبر. وبدلاً من الخوف من المستقبل، ينبغي على الغرب أن يتعلم من التاريخ ويتعاون مع بقية العالم لصياغة نظام أكثر عدلاً.
ومعاً، يؤكد الكتابان فكرة مركزية مفادها أن الحرب الحديثة لم تعد حدثاً مؤقتاً، بل أصبحت حالة مستمرة، لا تُرى دائماً لكنها تُدار في الخلفية—عبر الشاشات، وشبكات الطاقة، وخوارزميات المنصات الرقمية. ومن هذا المنظور، لا تبدو أوكرانيا سوى ساحة ظاهرة لصراع أوسع وأكثر تعقيداً. لكن، إذا كانت روسيا قد طورت أدوات هذا النمط الجديد من الصراع، فإن الغرب بدوره أعاد تشكيل أدواته، لا سيما في المجال الاقتصادي.
تحالفات متصدعة ونظام عالمي يتشكل

إذا كانت الحرب الهجينة تمثل التمدد الأفقي للصراع، فإن الحرب الاقتصادية تمثل تعمقه داخل بنية النظام العالمي نفسه. في كتاب ” نقاط الاختناق: القوة الأمريكية في عصر الحرب الاقتصادية” Chokepoints: American Power in the Age of Economic Warfare، ينتقل الصراع من الفضاء الرقمي إلى شرايين الاقتصاد العالمي: العملة، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا.
يكشف إدوارد فيشمان عن تحول جذري: فبدلاً من الحصار العسكري، أصبح بالإمكان خنق اقتصاد دولة كاملة عبر العقوبات والسيطرة على البنية المالية والتكنولوجية. في هذا السياق، تتحول الولايات المتحدة إلى بوابة تتحكم في تدفقات المال والتقنية والطاقة، بينما تدخل روسيا والصين وإيران في سباق محموم لإعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية.
غير أن الصراعات لا تُفهم دون النظر إلى طبيعة التحالفات التي تديرها. وهنا يأتي كتاب ” حلفاء في الحرب: كيف شكّلت صراعات القوى المتحالفة الحرب والعالم” Allies at War : How the Struggles Between the Allied Powers Shaped the War and the World ليقدم مرآة تاريخية تكشف أن حتى أقوى التحالفات كانت تعاني من الشكوك والتنافس والتباين في المصالح؛ كما يقدم الكتاب سرداً مشوقاً لأحد أهم التحولات في عصرنا، موضحاً كيف سخّرت الولايات المتحدة قوة وول ستريت، ووادي السيليكون، وشركات الطاقة الكبرى ضد خصومها. وفي قلب القصة يقف دبلوماسيون ومحامون وخبراء ماليون صاغوا ملامح الحروب الاقتصادية المتصاعدة ضد روسيا والصين وإيران.
من خلال سرد تاريخي حي، يُظهر الكتاب أن قادة الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية لم يكونوا كتلة متجانسة، بل شركاء تجمعهم الضرورة وتفرقهم الحسابات. هذا التوتر التاريخي يعكس بصورة لافتة واقع التحالفات اليوم، حيث تبدو متماسكة ظاهرياً لكنها تخفي انقسامات عميقة.
ومن هذا الإطار التاريخي، ينتقل التحليل إلى مستوى أكثر شمولاً مع كتاب The Once and Future World Order، الذي يعيد التفكير في فكرة “النظام العالمي” ذاتها.
يطرح أمِتاف أشاريا رؤية مغايرة، مفادها أن النظام العالمي لم يكن يوماً حكراً على الغرب، بل هو نتاج تراكمي لحضارات متعددة عبر آلاف السنين. وعليه، فإن تراجع الهيمنة الغربية لا يعني الفوضى، بل قد يفتح الباب أمام نظام أكثر تعددية وتوازناً، تتسع فيه أدوار القوى غير الغربية.
الحرب الهجينة واتساع نطاق الصراع

لكن هذا التحول لا يبقى في حدود النظرية، بل يتجسد عملياً في أشكال جديدة من القوة، كما يوضح كتاب ” الموت مهنتنا: المرتزقة الروس وعصر الحروب الخاصة” Death Is Our Business، الذي يرصد صعود المرتزقة والشركات العسكرية الخاصة كأدوات نفوذ.
في يونيو 2023، جهزت مجموعة فاغنر قافلة مسلحة تضم دبابات وقاذفات صواريخ، وانطلقت فيما بدا وكأنه رحلة للسيطرة على موسكو. كان أدولف هتلر آخر من حاول القيام بمثل هذه المغامرة. بدأت قوة فاغنر من خلال المحسوبية، ثم نمت من خلال السرقة والابتزاز الدوليين، حتى بلغت من القوة حدًا كشف ضعف الجيش الروسي التقليدي، وأصبحت تهديدًا للدولة الروسية، وهو تهديد لم يُقضَ عليه بشكل قاطع إلا بعد تفجير طائرة خاصة تقل قادة فاغنر الأساسيين في الجو.
يبدو من غير المعقول أن يتمكن يفغيني بريغوجين، وهو مجرم محلي، من بناء جيش خاص على وشك سحق ثاني أكبر دولة في العالم. في الواقع، كان ذلك حتميًا بعد إضعاف الجيش الروسي، والاستخدام المتزايد للجماعات المتعاقدة في مهام خارجية مشبوهة، والصراعات على السلطة داخل الكرملين، وقدرة الميليشيات الجديدة على احتكار الاقتصاد الأسود واستغلاله. يروي كتاب “مطرقة بوتين” ، الذي يستند إلى مصادر داخلية فريدة وخبرة متخصصة، قصةً آسرة ومرعبة عن قوة عظمى باعت روحها لميليشيا لا ترحم.
في هذا العالم، تتحول الحرب إلى نشاط قابل للتعاقد، وتصبح الفوضى مورداً يمكن استثماره. تجسد مجموعة فاغنر هذا التحول بوضوح، إذ تجمع بين القوة العسكرية والمصالح الاقتصادية والأهداف السياسية، لتشكل نموذجاً جديداً للقوة يتجاوز الدولة التقليدية.
في هذا السياق، تبدو الحرب الهجينة—كما تصورها الكتابان الأولان—وكأنها لغة العصر الاستراتيجي، حيث تختفي الخطوط الفاصلة بين السلم والحرب، ويتحول الخصم إلى هدف دائم لعمليات استنزاف دقيقة ومتواصلة. هذه الفكرة لا تنفصل عن منطق “نقاط الاختناق” الذي يطرحه كتاب Chokepoints، إذ تكشف المقاربة الأمريكية أن السيطرة لم تعد على الأرض فقط، بل على العُقد الحيوية التي يقوم عليها النظام العالمي: الدولار، التكنولوجيا، سلاسل الإمداد، والموارد النادرة.
ومن هنا، يظهر توازٍ لافت: بينما تعتمد روسيا على المرونة والتخفي والتشويش، يعتمد الغرب—وخاصة الولايات المتحدة—على التحكم والاحتواء والضغط الهيكلي. كلا الطرفين، إذن، لا يخوض حرباً تقليدية بقدر ما يمارس شكلاً مختلفاً من الصراع طويل النفس، حيث تصبح النتيجة النهائية أقل أهمية من القدرة على إضعاف الخصم تدريجياً.
غير أن هذا الصراع لا يجري في فراغ، بل داخل شبكة معقدة من التحالفات التي لم تعد صلبة كما كانت تُصوَّر. وهنا تكتسب أطروحات Allies at War أهمية مضاعفة، إذ تذكّرنا بأن التحالفات—even في لحظات الخطر الوجودي—كانت دائماً محكومة بالتوجس والمصالح المتباينة. وإذا كان ذلك صحيحاً في الحرب العالمية الثانية، فإنه يبدو أكثر وضوحاً اليوم، حيث تتباين أولويات الدول الغربية بين الأمن والطاقة والاقتصاد، ما يخلق مساحات خفية من التوتر داخل المعسكر الواحد.
في المقابل، يدفعنا كتاب The Once and Future World Order إلى إعادة النظر في السؤال الأعمق: هل نحن أمام أزمة عابرة أم تحول تاريخي طويل المدى؟ الإجابة التي يقدمها أشاريا تميل إلى الطرح الثاني، حيث لا يُفسَّر صعود روسيا أو الصين بوصفه تحدياً مؤقتاً، بل كجزء من إعادة توزيع تاريخية للنفوذ العالمي. وبهذا المعنى، فإن الصراع الحالي ليس سوى عرض لمرحلة انتقالية أوسع، تنتقل فيها القيادة من مركز واحد إلى مراكز متعددة.

أما كتاب Death Is Our Business، فيضيف طبقة أخرى من التعقيد، إذ يكشف أن الدولة نفسها لم تعد الفاعل الوحيد في هذا المشهد. فظهور الشركات العسكرية الخاصة، مثل فاغنر، يشير إلى خصخصة الحرب وتحولها إلى نشاط يمكن توظيفه واستثماره خارج الأطر التقليدية. وهذا التطور لا يعكس فقط مرونة الاستراتيجية الروسية، بل يدل أيضاً على عالم باتت فيه الحدود بين الرسمي وغير الرسمي، بين الدولة والسوق، أكثر هشاشة وغموضاً.
وعند جمع هذه الخيوط معاً، تتشكل صورة لعالم يتسم بالتداخل والتشابك، حيث تتقاطع الحرب السيبرانية مع الاقتصاد، وتلتقي التحالفات بالتنافس، وتتجاور الدولة مع الفاعلين غير الحكوميين. إنها منظومة معقدة لا يمكن فهمها من خلال منظور واحد، بل تتطلب قراءة متعددة المستويات، كما تقدمها هذه الكتب مجتمعة.
في النهاية، تكمن القيمة الحقيقية لهذه الأعمال في أنها لا تقدم إجابات جاهزة، بل تفتح المجال لفهم أعمق لطبيعة المرحلة الراهنة، حيث لم يعد السؤال: من سينتصر؟ بل أصبح: كيف تُدار القوة في عالم لم تعد له قواعد ثابتة؟
ما يجمع هذه الكتب السبعة ليس فقط موضوعها، بل محاولتها المشتركة لإعادة تعريف مفاهيم الحرب والنظام العالمي. فهي تكشف عن عالم لم يعد تحكمه ثنائيات بسيطة، بل واقع معقد، متداخل، ومتغير باستمرار.
لم يعد الصراع بين روسيا والغرب مجرد مواجهة سياسية، بل أصبح تعبيراً عن تحول أعمق في بنية القوة العالمية. عالم تتغير فيه القواعد، وتُعاد فيه صياغة موازين النفوذ، وتصبح فيه الحرب—بمختلف أشكالها—حالة دائمة أكثر منها حدثاً عابراً.



