طوفان الأقصى..
صفحات من القضية الفلسطينية
يحمل كتاب “طوفان الأقصى.. صفحات من القضية الفلسطينية” للكاتب والباحث السياسي العراقي الدكتور كاظم الموسوي، الصادر في لندن عام 2026، طابعاً فكرياً وسياسياً يتجاوز حدود التوثيق التقليدي ليقدّم قراءة موسعة ومتحيّزة بوعي لصالح السردية الفلسطينية، في مواجهة ما يعتبره الكاتب هيمنة الرواية الدولية غير المتوازنة.
يأتي الكتاب في لحظة تاريخية تتسم بتصاعد الاهتمام العالمي بالقضية الفلسطينية بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، لكنه لا يتعامل مع هذا الحدث بوصفه نقطة بداية، بل باعتباره لحظة كاشفة ضمن مسار تاريخي طويل ممتد من الصراع والتراكمات السياسية والاستعمارية.
ينطلق النص من فكرة مركزية تقوم على اعتبار “طوفان الأقصى” علامة مرحلة مفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية، إذ يرى الكاتب أن هذا الحدث لم يقتصر تأثيره على الجغرافيا الفلسطينية، بل امتد ليعيد تشكيل الوعي العالمي بالقضية، ويضعها مجدداً في قلب النقاش السياسي الدولي.
ويذهب إلى أن ما حدث لم يكن مجرد تطور عسكري أو سياسي عابر، بل كان لحظة “انكشاف” للنظام الدولي، بما يحمله من تناقضات بنيوية تتعلق بالقانون الدولي وحقوق الإنسان ومبدأ العدالة. ومن هذا المنظور، يتحول “الطوفان” إلى استعارة كبرى تعكس اهتزاز البنى السياسية والأخلاقية في العالم، وفضح ازدواجية المعايير في التعامل مع قضايا الشعوب وحقها في تقرير المصير.

وفي سياق هذا الطرح، يعيد الكاتب تأطير جذور القضية الفلسطينية ضمن سياق تاريخي ممتد يبدأ من الحقبة الاستعمارية، مروراً بالانتداب البريطاني ووعد بلفور، وصولاً إلى سياسات التهجير والتقسيم التي يعتبرها امتداداً لمشروع استعماري طويل الأمد. ويؤكد أن فهم ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن هذا التراكم التاريخي، بل إن الحاضر، في نظره، هو امتداد مباشر لبنية استعمارية لم تُفكك بالكامل، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال سياسية وقانونية جديدة. وبهذا المعنى، لا يتعامل الكتاب مع القضية الفلسطينية كحدث سياسي معاصر فحسب، بل كمسار تاريخي طويل من الصراع على الأرض والهوية والسيادة.
نقد النظام الدولي
كما يركز الكتاب بشكل واضح على نقد النظام الدولي، إذ يطرح رؤية تعتبر أن المؤسسات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة ومنظومة القانون الدولي، تعاني من خلل بنيوي يجعلها خاضعة لتوازنات القوة لا لمبادئ العدالة. ويُبرز الكاتب ما يراه تناقضاً بين الخطاب الإنساني المعلن والممارسات السياسية الفعلية، حيث يتم تطبيق القوانين بصورة انتقائية تخدم مصالح القوى الكبرى. ومن خلال هذا التحليل، يسعى الكتاب إلى تفكيك الصورة المثالية للنظام العالمي، وإعادة تقديمه باعتباره نظاماً غير محايد، بل منخرطاً في إنتاج واستمرار اختلالات القوة.
وفي جانب آخر، يحتفظ النص ببعد توثيقي واضح، إذ يجمع مقالات سبق نشرها في صحف ومجلات عربية مختلفة، ليعيد تقديمها في سياق كتابي موحد يمنحها طابعاً تراكمياً. وهذا الاختيار يعكس رغبة في تحويل الكتاب إلى سجل فكري وشهادة سياسية ممتدة، تستهدف الأجيال الجديدة التي لم تعايش الأحداث المباشرة أو تحولات القضية الفلسطينية عبر عقودها المختلفة. كما يربط الكاتب بين هذا التوثيق وبين فكرة “الذاكرة الجمعية”، باعتبار أن القضية الفلسطينية ليست مجرد ملف سياسي، بل ذاكرة نضالية ممتدة تتشكل من التجارب الفردية والجماعية.
التوصيف الوجداني والتاريخي
وتظهر في النص أيضاً نزعة رمزية واضحة، تتجسد في اللغة المستخدمة التي تميل إلى التوصيف الوجداني والتاريخي في آن واحد، حيث يتم توظيف مفردات مثل الدم، والحق، والحرية، والقدس، بما يعكس انخراطاً عاطفياً وفكرياً في موضوع الكتاب. كما تعزز الإهداءات المطولة لأسماء شخصيات رحلت من الطابع الإنساني والوجداني للنص، مما يمنحه بعداً يتجاوز التحليل السياسي إلى مساحة من التوثيق الوجداني والذاكرة الشخصية والجماعية.
وبالرغم من قوة الطرح من حيث التماسك السردي والقدرة على بناء خطاب شامل حول القضية الفلسطينية، إلا أن الكتاب يعتمد بشكل واضح على منظور تفسيري أحادي يميل إلى التأكيد على ثنائية واضحة بين الاستعمار والمقاومة، دون الانفتاح بشكل واسع على التعقيدات الداخلية أو التعددية في قراءة المشهد السياسي. ومع ذلك، فإن هذا الاختيار يعكس طبيعة النص بوصفه عملاً فكرياً موقفياً يسعى إلى تثبيت سردية محددة في مواجهة سرديات أخرى.
طوفان الأقصى.. صفحات من القضية الفلسطينية
في المحصلة، يمكن النظر إلى كتاب “طوفان الأقصى.. صفحات من القضية الفلسطينية” بوصفه محاولة فكرية لإعادة صياغة الوعي بالقضية الفلسطينية ضمن إطار تاريخي وسياسي واسع، يجعل من “الطوفان” ليس مجرد حدث، بل لحظة تكثيف تاريخي تكشف بنية الصراع العالمي وتعيد طرح أسئلة العدالة والقانون والسيادة من جديد. وهو بذلك يندرج ضمن الكتابات التي تسعى إلى تثبيت الذاكرة السياسية وإعادة إنتاجها في سياق عالمي متغير، حيث تصبح السردية نفسها جزءاً من معركة الوجود والمعنى في آن واحد.
ويبرز الدكتور كاظم الموسوي بوصفه أحد الأصوات البحثية والسياسية العراقية التي كرّست جزءاً كبيراً من إنتاجها الفكري لمقاربة القضية الفلسطينية من زاوية تحليلية ملتزمة، تمزج بين التوثيق الصحفي والقراءة السياسية ذات الطابع النقدي للنظام الدولي.
ويُعرف الموسوي بكتاباته التي تنحاز بوضوح إلى السردية الفلسطينية، مع حرص على تتبع الجذور التاريخية للصراع في سياقاته الاستعمارية والسياسية الممتدة، وهو ما يمنح أعماله طابعاً تراكمياً يجمع بين الشهادة الفكرية والموقف السياسي.
ويأتي هذا الكتاب امتداداً لمساره البحثي الذي يسعى إلى إعادة قراءة التحولات الكبرى في المنطقة العربية من منظور نقدي للهيمنة الدولية، مع التركيز على قضايا التحرر والعدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها، بما يجعل من تجربته الكتابية جزءاً من خطاب عربي أوسع يسعى إلى إعادة الاعتبار للرواية التاريخية الفلسطينية في مواجهة السرديات المهيمنة عالمياً.



