ينطلق الكتاب من قضية شغلت الرأي العام العالمي، لكنه لا يتناولها بوصفها مجرد فضيحة تخص مجموعة من الأثرياء وأصحاب النفوذ، ولا ينشغل بتتبع الأسماء والوقائع المثيرة، وإنما يحاول قراءة الطريق النفسي والثقافي والأخلاقي الذي قد يقود الإنسان إلى مثل هذه النهايات المظلمة.
فالسؤال الذي يطرحه الكتاب ليس فقط: من ذهب إلى تلك الجزيرة؟ وإنما: كيف يصنع الطريق إليها؟ وكيف تتحول النزوة العابرة إلى عادة، والعادة إلى منظومة، والشهوة إلى أداة ابتزاز، والسلطة إلى حصانة تعزل صاحبها عن الضمير والمساءلة؟
والكتاب، بهذا المعنى، ليس كتاب فضائح، بل كتاب مسارات؛ يحاول الانتقال من الواقعة إلى البنية، ومن الحدث إلى الآليات النفسية والحضارية التي تسمح بتكراره في صور وأماكن وأزمنة مختلفة. كما يبين أن "الجزيرة" قد لا تكون مكانا جغرافيا فقط، بل قد تبدأ جزيرة خفية داخل النفس حين ينعزل الإنسان عن ضميره، ويعيد تعريف الخطأ بلغة ناعمة، ويبرر لنفسه ما كان يستنكره في السابق.
وتكمن أهمية الموضوع في أن الانحرافات الكبرى لا تبدأ غالبا بقرارات كبرى، وإنما تبدأ بخطوات صغيرة متتابعة؛ نظرة لا تضبط، وصورة يتكرر التعرض لها، وخيال يترك بلا حراسة، وشهوة تبرر، ثم تكسر الحدود تدريجيا حتى يصبح ما كان مستنكرا أمرا عاديا، وما كان مستبعدا أمرا قابلا للتجربة.
ولا يقف الكتاب عند نقد انحرافات النخب، بل يعيد السؤال إلى القارئ نفسه: هل يختلف الطريق جذريا بين صاحب النفوذ وغيره، أم أن الفرق أحيانا يكون في القدرة على التنفيذ، بينما قد تتشابه البدايات النفسية من حيث تطبيع النظر، واستهلاك المحتوى بلا ضابط، وتبرير الرغبة، والاعتياد التدريجي؟
ومن هنا يحاول الكتاب أن يحول الصدمة الإعلامية إلى فرصة للتأمل والوقاية، وأن ينقل القارئ من الانشغال بإدانة الخارج إلى مراجعة الداخل؛ لأن حماية الإنسان لا تبدأ عند وقوع الفضيحة، بل تبدأ قبلها بوقت طويل: من حراسة النظر، وضبط الخيال، وفهم حيل الإغواء، وبناء رقابة داخلية تظل حاضرة حتى حين تغيب القوانين والعيون.
وقد حرصت على ألا يكون الطرح وعظيا مجردا، أو استعراضا للوقائع المثيرة، وإنما قراءة فكرية ونفسية وتربوية تحاول فهم العلاقة بين الشهوة والسلطة، وبين الصورة والثقافة، وبين الانحراف والابتزاز، مع الاستفادة من الرصيد الأخلاقي والروحي الإسلامي في بناء نماذج للوقاية وصيانة النفس.
كما حرصت على أن يكون الكتاب دعوة إلى التفكير والمراجعة، لا إلى إصدار الأحكام المتعجلة على الأشخاص، وألا يتحول الحديث عن الانحرافات إلى وسيلة لإثارة الفضول أو نشر تفاصيل الفاحشة، بل إلى وسيلة لفهم مقدماتها، وكشف مساراتها، وإغلاق الطرق المؤدية إليها.
وقد صدر الكتاب عام 2026، وحصل على رقم إيداع ورقم دولي معياري مذكور في صفحاته الأولى. ويسعدني الالتزام بما ترونه من ضوابط للنشر، والاستفادة من ملاحظاتكم العلمية والشرعية والتحريرية، وإجراء ما ترونه مناسبا من تصويب أو تهذيب أو استكمال.


