تخطى للمحتوى الرئيسي
الحقبة التأسيسية للفقه الإسلامي.. ما الذي أنجزه الكوفيون قبل الشافعي؟ كتاب

الحقبة التأسيسية للفقه الإسلامي.. ما الذي أنجزه الكوفيون قبل الشافعي؟ كتاب

29 أغسطس 2026

صورة
ثمة فرضية مهمة انتشرت واستقرت في الأوساط العلمية والأكاديمية تكاد تجزم بأن تبلور العلوم، وتقعيد أصولها تزامن مع عصر التدوين، إلى الدرجة التي جعلت مفكرا عربيا في حجم محمد عابد الجابري يؤسس أطروحة فكرية نقدية ترى أن عصر التدوين يمثل الإطار المرجعي لتشكيل العقل العربي.

والحقيقة أن هذه الفرضية وجدت ما يدعمها، فثمة حجج كثيرة تسندها حتى من غير حاجة لعناء كبير في البحث، فالكتب المركزية التي اعتمدت أسسا لحقول معرفية كثيرة مثل الحديث والأصول والفقه والنحو والبلاغة والعروض والفلسفة، إنما ظهرت مع عصر التدوين، كما أن البيان، بوصفه منظومة أصولية، ما استقرت قواعده ومباحثه إلا مع الإمام الشافعي في الرسالة، حتى ظن البعض، أن الفقه، كل الفقه، بما في ذلك فقه المذاهب الثلاثة الأخرى غير المذهب الشافعي، إنما نضج بعد تأصيل الأصول، وتحديدا مع كتاب "الرسالة" للإمام الشافعي. وثمة حجة أخرى، كثيرا ما اهتم بها المستشرقون، تتعلق بضياع أو ندرة أو عدم وجود تراث معرفي مكتوب قبل عصر التدوين، يمكن أن يشكل مادة علمية لإعادة النظر في هذه الفرضية، فعلماء الحديث، لم يبدأ الانشغال عندهم بسؤال المصطلح وطرق التحمل والأداء وعدالة الراوي وضبطه فضلا عن الجرح والتعديل إلا في مرحلة متأخرة مع عصر التدوين، كما أن مدونات أمهات الحديث لم تظهر هي الأخرى إلا في هذا التاريخ.

وثمة حجة ثالثة، تتعلق بالاصطلاح الفني، والذي لم يتبلور هو الآخر بشكل مؤسس ونسقي، إلا مع عصر التدوين، ليتطور ويزيد نضجا بعد ذلك في حقول معرفية متعددة.

لكن هذه الحجج التي بدت في مرحلة من المراحل الزمنية قوية، بدأت تفقد جزءا من جاذبيتها، وذلك بسبب ظهور جزء مهم من مصنفات القرن الثاني الهجري، وتوسع البحث فيما يسمى في الأدبيات التاريخية النقدية بالحقبة التأسيسية للعلوم الشرعية، وبشكل خاص الفقه وعلم الأصول، فالاشتغال الكثيف على مرحلة ما قبل التدوين، فتح المجال أمام فرضيات أخرى مقابلة، لا تدحض بالجملة الفرضية السابقة، ولكنها تقومها، وتضفي عليها كثيرا من النسبية،  وتحاول أن تقرأ العلم في سياقه التراكمي، ليس فقط على صعيد المنهج، ولكن أيضا على صعيد المادة، والاصطلاح الفني أيضا.

صورة
وتندرج دراسة "الفقه الإسلامي في حقبته التأسيسية: دراسة في فقه أهل الكوفة" ضمن تلك الجهود التي حاولت أن تبحث في التراث الفقهي الحنفي في الكوفة في القرن الثاني الهجري، وتدرس العقل الفقهي والأصولي، من خلال استحضار المباحث المعروضة، والاصطلاحات التي تبلورت في تلك الفترة، فضلا عن القواعد والأصول التي تأصلت في البيئة الكوفية قبل أن تقعدها رسالة الشافعي.

وقد وقع اختيار الباحث على الكوفة لاعتبارات متعددة، أولا لأنها كانت منبعا فكريا ومعقلا علميا أسهم في رسم معالم الحضارة الإسلامية ومساراتها العلمية، وثانيا، لأنها عرفت مدرسة فقهية جد مبكرة (فقه أبي حنيفة النعمان)، سبقت المذاهب الفقهية الأخرى، بما في ذلك مذهب الإمام مالك، فقد عرفت هذه المدرسة بمدرسة أهل الرأي التي قعدت بشكل مبكر للتنظير الفقهي والأصولي، وهي فوق هذا وذاك،  شكلت المدرسة التي تأثر بها الشافعي،  إذ تتلمذ عند تلاميذ أبي حنيفة، وبشكل خاص محمد بن الحسن الشيباني، ثم وقع اختيار فقه الكوفة أيضا بسبب من وجود التدوين، فقد جمعت مصنفات تلميذي أبي حنيفة، ابي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني التراث الفقهي الحنفي، ونقلته من الرواية الشفوية إلى دائرة التأصيل والتدوين، فشكلت بذلك تراثا محسوبا على مرحلة ما قبل التدوين، يصلح أن يعطي صورة عن مرحلة مهمة من مراحل الحقبة التأسيسية للفقه والاصول

سياق الدراسة

تعود أصل هذه الدراسة إلى أطروحة دكتوراه قدمها الدكتور  ظفر إسحاق الأنصاري إلى معهد الدراسات الإسلامية في جامعة مكجيل بكندا عام 1966، بإشراف الباحث الباكستاني المشهور فضل الرحمان مالك، وقد أفاد الأنصاري من خبرته العلمية الواسعة باللغات الشرقية والغربية، ومن احتكاكه بعدد من أساتذة الدراسات الإسلامية في جامعته أو غيرها من المراكز الأكاديمية، بما في ذلك في العالم العربي،  وشكلت أطروحته نقدا علميا للدرس الاستشراقي، فتعرض كثيرا لأطروحات شاخت وجولدتسيهر، وقدم إسهاما علميا سبق  جهود باحثين لاحقين مثل وائل حلاق ومحمد فاضل وأحمد عاطف أحمد، وقد كان حريصا في دراسته على الاختبار العلمي الدقيق للأطروحات والفرضيات العلمية، ومناقشتها بالحجج  العلمية، معتمدا على فرضية التراكم العلمي، وأن أي كسب معرفي، ينبغي أن يقرأ ضرورة باستحضار ما سبقه وبالإحاطة بالظروف السياسية والاجتماعية والتاريخية للحقبة المدروسة.

وقد ساعده الاطلاع الواسع على هضم الأطاريح التي حاولت تفسير نشأة الفقه الإسلامي، وبيان أسسها وحججها وعلى تحيزاتها الاستشراقية أيضا، كما ساعده الاطلاع الواسع على التراث الإسلامي والاحتكاك بالعلماء في المشرق المتخصصين في عدد من الحقول المعرفية على صقل ملكته النقدية، والدخول في غمار معترك البحث عن سياق نشأة النظرية الفقهية، وتأطير الحقبة التأسيسية بالبحث والدراسة.

وخلافا للنتائج الاستشراقية التي تعممت كثيرا في عدد من الأوساط الأكاديمية لاسيما منها الغربية، فقد اتجه الأنصاري إلى المنهج التاريخي النقدي، وبحث العلاقة الوثيقة بين تعاليم النبوة وبين تطور النظرية الفقهية، مؤكدا بهذا الخصوص أن بذور النظام التشريعي والقضائي الإسلامي، لم تبدأ كما قد يعتقد في مراحل متأخرة من مراحل التاريخ الإسلامي، بل بدأت في العهد النبوي،  إذ  تم نقل العرب من نظام التحكيم القبلي حيث الأعراف والتقاليد المرعية هي الحاكمة، إلى تأسيس منظومة تشريعية مؤسسة على الوحي، وإرساء قواعد القضاء الشرعي المنضبط لأصول السرع  والمحكوم بمقاصده العليا.

وقد كان متجهىالأنصاري البحثي والمنهجي، أن يجعل من الكوفة، ومن التراث الفقهي فيها، في القرن الثاني الهجري أساسا لدراسته، مركزا بهذا الخصوص على مصنفات تلميذي أبي حنيفة، أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، حاملا معه فرضية بحثية تتساءل: هل بالإمكان الحديث عن قواعد أصولية وفقهيه تأسيسية سبقت رسالة الشافعي، وهل كانت هذه القواعد ناضجة متبلورة قبل زمن الشافعي أم لا، وهل كانت مباحث الفقه والأصول هي الأخرى متبلورة قبل الشافعي أم لا، وهل كان الاصطلاح الفني في علم الأصول والفقه ناضجا قبل الشافعي أم لا؟

وقد اجتهد في توفير مادته ودراستها دراسة متأنية، حريصا في ذلك ما أمكن على مناقشة الأطاريح والفرضيات بالحجج العلمية، فاحتفظ بمنهج معتدل رصين، يتعامل مع الرؤى الاستشراقية بمستوى عال من الموضوعية، فيثبت منها ما أثبته التحقيق التاريخي، ويرد منها ما لا يستند إلى دليل علمي، ويعري بشكل علمي تحيزاتها غير المعرفية.

بين يدي الكتاب

يقع هذا الكتاب في خمسة فصول، يتناول الأول "بيان النشأة"، أي أثر النبوة في إحداث تحول جدري في النظام التشريعي والقضائي،  وقد تناول في هذا الفصل قضية السنة والأحاديث الصحيحة، وناقش بشكل علمي دقيق أطروحات الاستشراق التي زعمت أن  الأحاديث كتبت في سياق لاحق لدعم المذاهب الفقهية أو لشرعنة التسلط ألأموي، فبين في دراسته أن السنة كانت معتمدة زمن الصحابة، وأنهم كانوا يعتبرونها مصدرا للأحكام، يبنون الفتوى عليها، ويرجعون إليها في القضاء، كما بين في هذا الفصل  أيضا أهم فرضية بنى عليها أطروحته، وهي أن الصنعة الفقهية لم تكن صناعة متأخرة، بل كانت امتداد للفقه النبوي.

في الفصل الثاني، استعرض المؤلف تطور الفقه الإسلامي في مرحلته المبكرة قبل ظهور أبي حنيفة، وقد أسعفه هذا الاختيار البحثي في تأكيد ثلاث فرضيات مهمة: أولها ترسيخ مرجعية تعاليم النبوة، وثانيها تأكيد تجربة سابقة في استنباط الأحكام الفقهية من النصوص، والثالثة، هي إبراز دور التأثيرات الفكرية في تطور الاجتهاد الفقهي، وذلك بالتركيز على دور إبراهيم النخعي المتوفي عان 95 في إحداث حلقة الوصل بين اجتهادات الصحابة وبواكير التنظير الفقهي والأصولي.

وقد عالج المؤلف في الفصل الثالث نشأة الاصطلاح الأصولي قبل الإمام الشافعي، متتبعا تحول المصطلحات الفقهية في القرن الثاني الهجري خاصة في الكوفة، ملاحظا اتسام هذا القرن بتنامي النزعة إلى الضبط، إذ بدأت تتبلور المفاهيم الفنية لعدد من الاصطلاحات الفقهية والأصولية في هذا العصر.

وقد تناول في الفصل الرابع بعض المفاهيم، وكيفية تطورها في سياق الزمن، وبشكل خاص مفهوم الخبر اللازم، ومعايير الفقهاء في تحديده، ليختم الأنصاري كتابه في فصله الخامس بتطور آليات الاجتهاد الفقهي (الرأي، القياس الاستحسان)، وذلك قبل أن تتبلور مع جهود الشافعي في الرسالة، فأكد الأنصاري أن الفقه الإسلامي لم يقتصر على ضبط الأخبار ونقلها، بل وقع اهتمامه على طرائق استنباط الأحكام في حال غياب النص الصريح،  إذ سجل تفاوت الاجتهاد  العقلي عند الفقهاء، مع احتدام الجدل بينهم حول المنهجية التي ينبغي سلكها في حال عدم وجود نص، وحدود استخدام العقل في الاجتهاد.

في أهم خلاصات الكتاب

خلص الباحث إلى عدد مهم من الخلاصات، لكن المركزي منها، يقع على خط نقيض مما قررته الكتابات الاستشراقية، لاسيما ما يتعلق بعلاقة تطور الفقه بالدين ونصوصه، فقد أكد الأنصاري أن الفقه في الحقبة الأولى لم يكن مقطوعا عن الاختصاص الديني، بل إنه ذهب أبعد من ذلك، فرأى أن الصلة الوثيقة للدين بمسائل التشريع هي الكامنة خلف التشريعات القرآنية، ونتيجة طبيعية للثورة العميقة التي أرسى بها النبي الكريم سلطة الدين. وهكذا انتهى الأنصاري في هذه الخلاصة المركزية إلى أن النظر الفقهي للقرون الأولى كان حافزه الرغبة في تطبيق تعاليم النبوة، وأن ذلك هو ما ساعد على طرح التساؤل عن تلك التعاليم وكيفية تطبيقها في سياق التحديات والمشكلات التي واجهها الفقهاء.

وقد انتهى الباحث من دراسة  التراث الفقهي في القرن الثاني الهجري في الكوفة،  بعد الوقوف  على المصطلحات التي كانت مستعملة وقتها إلى وجود فجوة بين التطور المفاهيمي والمنهجي، فالأول- يقصد التطور المفاهيمي- في نظر الباحث سابق على الدوام،  وبأثر منه يمكن الوثوق بالنتائج الإيجابية للتحليل الدلالي، وأما النتائج السلبية والأحكام النافية فيرى أنه لا يمكن التعويل عليها كثيرا، إذ بقيت عدد من المفاهيم تدور في الاستعمال زمانا طويلا قبل أن تكتسب صياغة فنية معيارية تعرب عنه، ويؤكد ذلك أن طائفة من المصطلحات الأساسية من قبيل سنة النبي والإجماع  وغيرهما قد سبق وجودها الحقبة التي شرع التعبير عنها بالاصطلاح الفني.

وعلى الرغم من تأكيد الباحث بأن الصياغة الفنية تأخرت قياسا إلى الاستعمال المبكر، فقد أثبت من جهة أخرى، أن بعض الاصطلاحات الدقيقة، قد بلغت في القرن الثاني الهجري، مرتبة معتبرة من التطور، حيث اكتسبت بعض تلك المفاهيم اصطلاحات فنية ناضجة تدل عليها مثل القياس والاستحسان، واقتربت طائفة أخرى من بلوغ هذه المرتبة كالسنة والمندوب والمكروه وغيرها.

وينتهي الباحث من ذلك كله إلى تقرير نتيجة مهمة وهي أن الكوفيين لم يهيئوا بذلك السبيل لإسهام الشافعي المفاهيمي والمنهجي فسحب، بل كذلك لإسهامه الدلالي الذي تمثل في التعريف الدقيق للمصطلحات كالسنة والأثر ونحوهما.

وعلى العموم، يفتح هذا الإسهام البحثي النوعي المجال لمزيد من البحوث التي تتناول المرحلة المبكرة التي تشكل فيها العقل الفقهي والأصولي، ويبدو أن الظهور المطرد للمصادر التراثية السابقة عن عصر التدوين، ستساعد بشكل اكبر على مزيد من تجلية الصورة وبيان المسار التراكمي الذي قطعته عملية تشكيل العقل الصولي والفقهي الإسلامي.

المصدر | عربي21

شارك المقالة على...

FacebookXLinkedInWhatsAppTelegram

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!