تخطى للمحتوى الرئيسي
حين ينهار المجتمع يصعد الشعبويون.. وصفة غوردون براون لاستعادة الثقة.. كتاب

حين ينهار المجتمع يصعد الشعبويون.. وصفة غوردون براون لاستعادة الثقة.. كتاب

3 سبتمبر 2026

صورة
طرح رئيس الوزراء البريطاني الأسبق غوردون براون تصورا لمواجهة صعود الشعبوية يقوم على إعادة بناء الروابط الاجتماعية والمجتمعية من القاعدة، معتبرا أن الأزمات التي تضرب النظام الدولي ليست منفصلة عن مظاهر التفكك التي تعاني منها المجتمعات المحلية، وأن تراجع الثقة والتضامن والانخراط في المؤسسات المدنية أسهم في خلق بيئة سياسية أكثر قابلية لصعود الخطابات الشعبوية.

ويرى براون، في كتابه الجديد "المستقبل يبدأ معنا" (The Future Starts With Us) ، الذي نشرت "الغارديان" قراءة له اليوم، أن التعامل مع الشعبوية لا يمكن أن يقتصر على معالجة نتائجها السياسية أو مهاجمة الأحزاب والحركات التي تتبنى خطابها، بل يتطلب معالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي سمحت بانتشارها، خصوصا في المناطق التي عانت من تراجع الوظائف، وانكماش النشاط التجاري، وضعف الخدمات، وتآكل الروابط التي كانت تجمع أفراد المجتمع.

وتستند أطروحة براون إلى فكرة مركزية مفادها أن "التفكك الداخلي والتراجع في التعاون الدولي وجهان لأزمة واحدة"، فالمجتمعات التي يفقد أفرادها الثقة ببعضهم وبالمؤسسات تصبح أكثر ميلا إلى الانغلاق والبحث عن حلول قومية أو شعبوية، فيما يؤدي صعود القوى السياسية الشعبوية إلى زيادة الاضطراب في النظام الدولي، الأمر الذي يجعل بناء اقتصادات مستقرة ومزدهرة أكثر صعوبة.

من الأزمة الاقتصادية إلى أزمة الثقة

ويضع براون التدهور الاقتصادي الذي أصاب قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية في قلب تفسيره لصعود الشعبوية، مشيرا إلى اختفاء وظائف كانت توفر الاستقرار، وتراجع النشاط في مراكز المدن والبلدات، ولا سيما في المناطق الصناعية التي فقدت قاعدتها الاقتصادية خلال العقود الماضية.

وبحسب هذا التصور، فإن الإحباط الاقتصادي لا يعمل منفردا، وإنما يتفاعل مع شعور أوسع بالعزلة وفقدان التأثير والابتعاد عن المؤسسات السياسية والاجتماعية.

فحين يشعر المواطن بأن النظام الاقتصادي لا يعمل لصالحه، وأن فرصه تتراجع، وأن المؤسسات السياسية بعيدة عنه، تصبح الرسائل التي تقدمها الحركات الشعبوية أكثر جاذبية، خصوصا عندما تقدم نفسها باعتبارها صوتا للطبقات والمناطق التي جرى تهميشها.

لكن براون يذهب خطوة أبعد من التفسير الاقتصادي، إذ يرى أن أحد جذور الأزمة يتمثل في تآكل الحياة المدنية نفسها.

ماذا حدث للمجتمع المحلي؟

يركز براون على تراجع مشاركة الناس في المؤسسات والأنشطة التي كانت تجمعهم بصورة مباشرة، مثل النقابات والنوادي والجمعيات والكنائس ومجموعات المجتمع المحلي.

وبالنسبة إليه، لم تكن هذه المؤسسات مجرد أماكن للاجتماع أو ممارسة النشاط، وإنما كانت تؤدي وظيفة سياسية واجتماعية أعمق، تتمثل في تعليم الناس التعاون، والتفاوض، وقبول الاختلاف، والعمل من أجل أهداف مشتركة.

ومع تراجع هذه الروابط، تراجع أيضا ما يسميه براون الإحساس بأن المجتمع يواجه مشكلات مشتركة وأن أفراده قادرون على العمل معا لحلها.

ومن هنا، فإن استعادة الثقة بالمؤسسات السياسية لا تبدأ، في رؤيته، من البرلمان أو الحكومة فقط، وإنما من إعادة بناء العلاقات بين الناس في الأحياء والبلدات ومواقع العمل.

صورة
"المصلحة المشتركة" في مواجهة "منطق الصفر"

وفي إطار محاولة قياس هذا التحول في المواقف السياسية، يستند براون إلى استطلاع شمل نحو 32 ألف شخص في 20 دولة متقدمة.

ويفرق الاستطلاع بين فئتين رئيسيتين: أشخاص يتبنون ما يمكن وصفه بـ "التفكير الصفري"، أي الاعتقاد بأن مكسب طرف لا بد أن يكون خسارة لطرف آخر، في قضايا مثل التجارة والهجرة وغيرها، مقابل ما يصفه براون بـ "النواة المدنية"، وهي الفئة الأكثر استعدادا للتسوية والتعاون وقبول بعض التنازلات من أجل المصلحة العامة.

ويشير الطرح إلى أن الفئة الثانية لا تزال أكبر من الأولى في بريطانيا، مع وجود شريحة واسعة تقع بين الموقفين، ويمكن ـ وفق رؤية براون ـ التأثير فيها وإقناعها بالانحياز إلى التعاون بدلا من الاستقطاب.

وهنا يبني رئيس الوزراء البريطاني الأسبق جزءا من وصفته السياسية: إذا أمكن تحسين الظروف الاقتصادية، وتقليص أسباب الشعور بالتهميش، وزيادة الاحتكاك المباشر بين المواطنين المنتمين إلى خلفيات دينية وعرقية مختلفة، فقد يصبح من الممكن تقليص جاذبية الأحزاب الشعبوية على المدى الطويل.

"الدائرة الحميدة" في مواجهة الشعبوية

يقترح براون الانتقال من دائرة يصفها ضمنيا بالحلقة المفرغة إلى ما يمكن تسميته "الدائرة الحميدة".

وتبدأ هذه الدائرة بتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية، ثم إعادة بناء الثقة بين المواطنين، وتعزيز مشاركتهم في المؤسسات المحلية، وهو ما يفترض أن يؤدي إلى مجتمع أقل عزلة وأكثر استعدادا للتعاون.

ومع ارتفاع مستوى الثقة داخل المجتمع، يصبح المواطنون ـ وفق هذه الرؤية ـ أكثر تقبلا لفكرة التعاون على المستوى الدولي، سواء في مواجهة التغير المناخي، أو مكافحة الفقر، أو بناء تحالفات دولية، بدلا من الانكفاء داخل الحدود الوطنية.

وبذلك لا يرى براون مواجهة الشعبوية باعتبارها معركة انتخابية فقط، بل مشروعا لإعادة بناء الثقة والتضامن على المستويات المحلية والوطنية والدولية.

العلاقة بين الداخل والخارج

وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في ظل التغيرات التي يشهدها النظام الدولي، مع تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، وتراجع قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على التعامل مع الأزمات، والحروب والصراعات الممتدة، وأزمة المناخ.

فبراون يرى أن تفكك التعاون الدولي لا يمكن فصله عن تراجع الثقة داخل الدول نفسها.

وبالنسبة إلى بريطانيا، فإن هذا المنظور يحمل بعدا سياسيا مباشرا؛ إذ إن البلاد تواجه، مثل دول غربية أخرى، تحديا يتمثل في الجمع بين معالجة أسباب الغضب الاقتصادي والاجتماعي في المناطق التي شعرت بالتهميش، والحفاظ في الوقت نفسه على علاقات دولية تسمح لها بممارسة نفوذ يتجاوز وزنها الاقتصادي والديموغرافي.

ومن هذا المنطلق، فإن إعادة بناء التحالفات مع قوى متوسطة أخرى يمكن أن تمنح بريطانيا وأوروبا مساحة أكبر للمناورة في عالم يتزايد فيه التنافس بين القوى الكبرى.

انتقاد النيوليبرالية

ويضع براون الأزمة الحالية أيضا في سياق نقد أوسع للنموذج الاقتصادي الذي ساد خلال العقود الماضية، معتبرا أن السياسات المرتبطة بالنيوليبرالية أسهمت في إضعاف الروابط الاجتماعية وتعميق بعض أشكال عدم المساواة.

ولا يتعامل هذا الطرح مع الشعبوية باعتبارها ظاهرة سياسية منفصلة عن الاقتصاد، بل باعتبارها نتيجة جزئية لتراكم أزمات يشعر المواطنون معها بأن النظام القائم لم يعد قادرا على توفير الأمن الاقتصادي أو العدالة أو الإحساس بالانتماء.

ولهذا فإن محاربة الشعبوية، وفق رؤيته، لا تعني فقط إقناع الناخبين بأن البدائل الشعبوية خطرة، وإنما إثبات قدرة السياسة الديمقراطية على تحسين حياة الناس فعليا.

البداية من الحي

ومن أبرز التحولات في تفكير براون، بحسب الطرح الذي يقدمه، انتقال التركيز من القرارات الكبرى إلى الإجراءات المحلية الصغيرة.

وبعد سنوات طويلة أمضاها في التعامل مع قضايا اقتصادية وسياسية على أعلى المستويات، يصل براون إلى قناعة بأن التغيير قد يحتاج إلى أن يبدأ من المستوى الذي يعيش فيه الناس يوميا: الحي، والمدرسة، والنادي، والجمعية، ومكان العمل.

وتقوم الفكرة على أن المواطن الذي يشارك بصورة فعلية في نشاط مجتمعي ويتعامل مباشرة مع أشخاص يختلفون عنه في الخلفية أو الدين أو العرق أو المصالح، يكون أكثر قدرة على بناء الثقة وقبول التسويات.

ومن ثم، فإن إحياء المجتمع المدني يصبح جزءا من المعركة السياسية ضد الاستقطاب، وليس مجرد نشاط اجتماعي منفصل.

تحديات أمام الوصفة

غير أن هذه الرؤية تواجه تحديات عملية واضحة؛ فالمشاركة المدنية نفسها تراجعت جزئيا بسبب تغير أنماط العمل والحياة، وزيادة الضغوط الاقتصادية، وطول ساعات العمل، وتراجع الوقت المتاح للأنشطة التطوعية.

كما أن إعادة بناء الروابط الاجتماعية ليست عملية سريعة، ولا يمكن ضمان نتائجها بمجرد إنشاء نواد أو جمعيات جديدة.

وتحتاج معالجة أسباب الشعبوية كذلك إلى سياسات اقتصادية ملموسة تتعلق بالوظائف والأجور والخدمات العامة والاستثمار في المناطق التي فقدت قاعدتها الصناعية، فضلا عن معالجة أزمة السكن والصحة والتعليم وغيرها من القضايا التي تؤثر مباشرة في حياة المواطنين.

ومن هنا تبدو وصفة براون أقرب إلى مشروع طويل الأمد لإعادة بناء الثقة الاجتماعية منها إلى برنامج سياسي سريع يمكن أن يحقق نتائج انتخابية فورية.

ماذا عن النظام الدولي؟

وفي الجانب الدولي، تبدو مقاربة براون أقل وضوحا في ما يتعلق بآليات إعادة بناء النظام القائم على القواعد.

فهو يدعو إلى ميثاق عالمي جديد تنضم إليه الدول المسؤولة، لكن المشكلة الأساسية ليست، بحسب الانتقادات المطروحة، في غياب البيانات والمبادئ الدولية؛ فالعالم يملك بالفعل مؤسسات واتفاقيات وقواعد عديدة، من المحكمة الجنائية الدولية إلى اتفاق باريس للمناخ.

المشكلة تكمن بدرجة أكبر في استعداد الدول للالتزام بهذه القواعد وتنفيذها، خصوصا عندما تتعارض مع مصالح القوى الكبرى.

وهذا يجعل إعادة بناء النظام متعدد الأطراف أكثر تعقيدا من مجرد الاتفاق على مبادئ جديدة.

مواجهة الشعبوية تبدأ من استعادة الثقة

في المحصلة، يقدم براون قراءة لصعود الشعبوية تربط بين الاقتصاد والمجتمع والسياسة الدولية، وترى أن معالجة الظاهرة تتطلب أكثر من مواجهة السياسيين الشعبويين أو تفنيد خطابهم.

فالوظائف المفقودة، والبلدات التي تراجعت حيويتها الاقتصادية، والعزلة الاجتماعية، وتراجع المشاركة المدنية، وفقدان الثقة بالمؤسسات، كلها ـ وفق هذا التصور ـ أجزاء من أزمة واحدة.

ويقوم الحل المقترح على إعادة بناء ما تآكل تدريجيا: الثقة بين المواطنين، والإحساس بالمصلحة المشتركة، والمؤسسات المحلية القادرة على جمع الناس، وسياسات اقتصادية تقلل أسباب التهميش، وتعاون دولي قادر على التعامل مع الأزمات العابرة للحدود.

وبذلك يضع براون المعركة ضد الشعبوية في مستوى أوسع من صناديق الاقتراع، معتبرا أن استعادة ثقة الناس بالديمقراطية تبدأ من قدرتها على جعل حياتهم اليومية أكثر أمنا واستقرارا، ومن شعورهم بأنهم ليسوا أفرادا معزولين في مواجهة أزمات أكبر منهم، وإنما جزء من مجتمع قادر على العمل معا.

المصدر | عربي 24

شارك المقالة على...

FacebookXLinkedInWhatsAppTelegram

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!