تخطى للمحتوى الرئيسي
"خيانة" ترامب لأوكرانيا.. كتاب يسأل: هل أصبح الرئيس الأمريكي ورقة بيد بوتين؟

"خيانة" ترامب لأوكرانيا.. كتاب يسأل: هل أصبح الرئيس الأمريكي ورقة بيد بوتين؟

25 أغسطس 2026

الخيانة: ترامب وبوتين والعصر الجديد للغزو

صورة
يفتح الصحفي البريطاني لوك هاردينغ، مراسل صحيفة "الغارديان"، في كتابه الجديد "Betrayal: Trump, Putin and the New Age of Conquest" (الخيانة: ترامب وبوتين والعصر الجديد للغزو) ملفا شديد الحساسية حول التحول في السياسة الأمريكية تجاه الحرب الروسية على أوكرانيا، متسائلا عن الأسباب التي دفعت الرئيس دونالد ترامب إلى تبني نهج أكثر تقاربا مع فلاديمير بوتين، في وقت بدا فيه أن واشنطن تتخلى تدريجيا عن الدور الذي لعبته في دعم كييف منذ بداية الغزو الروسي واسع النطاق.

والكتاب، الذي يصدر عن " غارديان فابر" في 27 آب/أغسطس 2026، لا يكتفي بتوثيق التحولات السياسية في واشنطن، بل يربطها بمشهد دولي أوسع يرى هاردينغ أنه يشهد تراجعا للنظام الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، وعودة منطق مناطق النفوذ وفرض الحدود بالقوة، مع روسيا في أوكرانيا، والصين وهي تراقب تايوان، والولايات المتحدة في عهد ترامب وهي تتبنى سياسات أكثر صدامية تجاه حلفائها وخصومها على حد سواء.

من الحذر أمام بوتين إلى التقارب معه

يبدأ هاردينغ من تاريخ طويل من إخفاق الرؤساء الأمريكيين في فهم طبيعة الرئيس الروسي. فجورج دبليو بوش، بعد لقائه بوتين عام 2001، قال إنه "نظر في عينيه" وشعر بروحه ووجده جديرا بالثقة، فيما رأى باراك أوباما أن تدخلات بوتين في أوكرانيا وسوريا تمثل أخطاء استراتيجية، لكنه لم يتخذ إجراءات كافية لردعه، وفقا للعرض الذي قدمه لورانس فريدمان للكتاب في "الغارديان". أما جو بايدن، فقد تبنى موقفا أكثر دعما للمقاومة الأوكرانية بعد الغزو الروسي، لكنه ظل حذرا من احتمال أن يؤدي الضغط المفرط على موسكو إلى تصعيد نووي.

ويضع الكتاب عودة ترامب إلى البيت الأبيض في سياق مختلف تماما. فبدلا من البناء على الموقف الأمريكي السابق، تعامل ترامب، بحسب هاردينغ، مع علاقته الشخصية ببوتين باعتبارها أداة قادرة على إنهاء الحرب بسرعة. وكان الرئيس الأمريكي يرى أن المشكلة الأساسية تتمثل في الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي يخوض حربا يعتبر ترامب أنه محكوم عليه بخسارتها.

ومن هنا جاءت الفكرة المركزية في الكتاب: أن الإدارة الأمريكية الجديدة لم تكتف بتغيير سياسة الحرب، وإنما بدأت عمليا في التخلي عن أوكرانيا، بينما تعاملت مع روسيا بصورة أكثر تصالحا.

صورة
"خيانة" واشنطن لكييف

يرى هاردينغ أن نقطة التحول كانت في الطريقة التي تعاملت بها إدارة ترامب مع الحرب. ففي الجمعية العامة للأمم المتحدة، صوتت الولايات المتحدة إلى جانب عدد محدود من الدول المؤيدة لروسيا ضد مشروع قرار يدين عدوان موسكو، بينما امتنعت الصين عن التصويت. كما هاجم ترامب سلفه بايدن بسبب الدعم الأمريكي لأوكرانيا، وقدم أرقاما مبالغا فيها بشأن حجم الأموال التي أنفقتها واشنطن على كييف، قبل أن يطالب بالحصول على امتيازات في الثروة المعدنية الأوكرانية باعتبارها تعويضا عن المساعدات.

ثم جاءت المواجهة الأكثر إحراجا، عندما التقى زيلينسكي ترامب في المكتب البيضاوي.

ووفقا لعرض الكتاب، تحول اللقاء أمام عدسات الصحافة العالمية إلى مواجهة علنية، اتهم خلالها نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس الرئيس الأوكراني بعدم احترام ترامب، بعدما حاول زيلينسكي تصحيح ما اعتبره معلومات غير دقيقة بشأن مسار الحرب وقدرة أوكرانيا على الصمود.

وانتهى اللقاء بخروج زيلينسكي من البيت الأبيض، أعقبته تصريحات أمريكية انتقادية بحقه، فيما توقفت المساعدات الاستخبارية الأمريكية للقوات الأوكرانية على الجبهة لفترة قصيرة لكنها وُصفت بأنها حرجة.

وبالنسبة إلى هاردينغ، لم تكن تلك الواقعة مجرد خلاف دبلوماسي بين رئيسين، وإنما لحظة كشفت التحول في العلاقة بين واشنطن وكييف: من شراكة تقوم على مساعدة دولة تتعرض للغزو إلى علاقة تضغط فيها واشنطن على الطرف الأضعف لقبول شروط الحرب.

بوتين في ألاسكا.. وسوء تقدير جديد؟

لا تتوقف رواية الكتاب عند العلاقة الأمريكية ـ الأوكرانية، بل تركز أيضا على كيفية تعامل ترامب مع بوتين. فبحسب العرض المنشور في "الغارديان"، دعا ترامب الرئيس الروسي إلى قمة في ألاسكا، وتعامل معه بدرجة كبيرة من الاحترام، انطلاقا من اعتقاد بأن بوتين مستعد لتقديم تنازلات تسمح بوقف الحرب.

لكن القراءة التي يقدمها هاردينغ مختلفة: بوتين لم يكن مستعدا، بحسبه، لتسوية تقوم على تنازلات متبادلة، وإنما كان يريد أن تحصل روسيا على الأراضي الأوكرانية التي تطالب بها دون قتال إضافي.

وانتهت القمة دون اتفاق، فيما بدا ترامب محبطا من إطالة بوتين الحديث عن تاريخ العلاقات الروسية-الأوكرانية.

وتكشف هذه الواقعة، في تصور الكتاب، مفارقة أساسية: ترامب مستعد لتقديم تنازلات لروسيا، لكن بوتين نفسه لم يكن مستعدا لتقديم التنازلات التي تسمح للرئيس الأمريكي بتحويل التقارب الشخصي إلى اتفاق ينهي الحرب.

السؤال الأكثر إثارة: هل ترامب "عميل روسي"؟

العنوان الفرعي الأكثر استفزازا في الكتاب يتعلق بالسؤال عما إذا كان ترامب يمثل، بطريقة أو بأخرى، "أصلا روسيا". وهنا يتعامل هاردينغ مع المسألة بوصفها سؤالا سياسيا واستخباراتيا لا مجرد وصف صحفي.

ويطرح احتمالات عدة لتفسير العلاقة بين ترامب وبوتين: هل السبب إعجاب الرئيس الأميركي بالزعماء المستبدين وقوتهم المطلقة؟ أم أن هناك مصالح أو معلومات محرجة يمكن أن تستخدمها موسكو للضغط عليه؟

ويستخدم هاردينغ مفهوم "كومبرومات (Kompromat)"، وهو المصطلح الروسي الذي يشير إلى معلومات محرجة أو ضارة يمكن استخدامها للابتزاز أو الضغط السياسي.

لكن الكتاب، كما ينقل فريدمان، لا يقدم إثباتا قاطعا على أن ترامب عميل روسي، بل يصل إلى سؤال أكثر استفزازا: إذا كان ترامب عميلا روسيا بالفعل، فما الذي كان سيفعله بشكل مختلف؟

وهذه الصياغة مهمة؛ لأنها تنقل النقاش من محاولة إثبات علاقة استخباراتية مباشرة إلى مقارنة السلوك السياسي الفعلي بما قد يتوقعه المرء من رئيس يعمل لمصلحة موسكو.

حرب تُروى من داخل المدن الأوكرانية

لكن هاردينغ لا يبني كتابه بالكامل على التحليل السياسي في واشنطن. إحدى نقاط القوة الأساسية التي يبرزها فريدمان هي اعتماد الكتاب على العمل الميداني من داخل أوكرانيا، حيث يربط القرارات التي تُتخذ في العواصم الكبرى بتداعياتها المباشرة على المدنيين.

ففي الوقت الذي كان فيه زيلينسكي يتعرض للمواجهة العلنية في المكتب البيضاوي، كان هاردينغ في مدينة أوديسا يزور عيادة أطفال تعرضت لهجوم بطائرة مسيرة روسية من طراز "شاهد" إيرانية التصميم.

ويصف الكتاب مشاهد الدمار، وينقل عن العاملة في العيادة أولينا بالاش حديثها عن منشأة جرى بناؤها "بحب" على مدى خمس سنوات، قبل أن تدمر في لحظة واحدة.

بهذه الطريقة، يحاول هاردينغ وضع السياسة الأمريكية في مواجهة مباشرة مع كلفة الحرب على الأرض: فكل قرار يتعلق بالمساعدات أو الاستخبارات أو الصواريخ يتحول في المدن الأوكرانية إلى مسألة حياة وموت.

من الجندي الكوري الشمالي إلى الحرب الروسية

ويقدم الكتاب أيضا نماذج لأفراد عالقين في الصراع الدولي الأوسع. ومن بين الشخصيات التي يتوقف عندها هاردينغ الجندي الكوري الشمالي "ري تشول-نام"، الذي وجد نفسه يقاتل إلى جانب روسيا، قبل أن يقع في الأسر الأوكراني.

وتكشف قصته، بحسب عرض الكتاب، عن مدى اتساع الحرب وتحولها إلى صراع تشارك فيه قوى خارج حدود أوروبا. كما يتناول هاردينغ الدور الصيني في استغلال الحرب، ومحاولات بوتين ممارسة الضغط على الدول الأوروبية، بما في ذلك أعمال تخريب تستهدف كابلات الإنترنت البحرية وتحركات الطائرات المسيرة في المجال الجوي الأوروبي.

وهكذا لا يقدم الكتاب الحرب الروسية-الأوكرانية باعتبارها مواجهة ثنائية فحسب، بل باعتبارها عقدة تتقاطع فيها مصالح روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران والولايات المتحدة وأوروبا.

عودة "عصر الغزو"

يتجاوز عنوان الكتاب الحرب الأوكرانية إلى أطروحة أوسع: عودة منطق القوة في العلاقات الدولية.

ووفقا للوصف الرسمي للكتاب، يرى هاردينغ أن النظام الدولي الذي تأسس بعد 1945، والقائم على مبدأ عدم تغيير الحدود بالقوة، يتعرض لضربة مزدوجة من روسيا والولايات المتحدة. ويضع في هذا السياق الحرب الروسية على أوكرانيا، وسياسات ترامب تجاه غرينلاند وإيران، إضافة إلى التوترات المتزايدة حول تايوان.

وتنبع أهمية هذه الفكرة من أن هاردينغ لا يتعامل مع ترامب وبوتين باعتبارهما شخصيتين منفصلتين عن التحولات الدولية، وإنما يضعهما داخل مرحلة يرى أنها تشهد تراجع القيود التي فرضها النظام الدولي السابق على القوى الكبرى.

وبهذه القراءة، تصبح أوكرانيا أكثر من مجرد ساحة حرب: إنها اختبار للمبدأ الذي يقول إن الحدود لا يمكن تغييرها بالقوة.

الصين وتايوان في الخلفية

يمتد اهتمام الكتاب أيضا إلى شرق آسيا، حيث تتقاطع الحرب الروسية مع حسابات الصين. فالصراع في أوكرانيا يقدم لبكين دروسا بشأن قدرة الغرب على دعم دولة تتعرض لغزو، وحجم تكلفة العقوبات، وحدود الرد العسكري الأميركي والأوروبي.

كما أن انشغال الولايات المتحدة وأوروبا بالحرب الروسية يترك تداعيات على التوازنات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، في وقت تراقب فيه الصين تايوان باعتبارها إحدى أكثر نقاط الاحتكاك حساسية في النظام الدولي.

ويقدم الكتاب هذه الملفات ضمن سردية واحدة عن عودة سياسات القوى الكبرى ومناطق النفوذ، وليس باعتبارها أزمات منفصلة.

هاردينغ.. صحفي اصطدم بالكرملين

ولا يمكن فصل الكتاب عن مسيرة مؤلفه. لوك هاردينغ صحفي ومراسل دولي مخضرم في "الغارديان"، سبق أن عمل رئيسا لمكتب الصحيفة في موسكو بين 2007 و2011، قبل أن تطرده السلطات الروسية من البلاد في واقعة وصفها ناشر الكتاب بأنها الأولى من نوعها منذ الحرب الباردة.

كما وضعت وزارة الخارجية الروسية هاردينغ على قائمة سوداء رسمية في 2022. وهو مؤلف عدد من الكتب التي تناولت روسيا وبوتين، من بينها "دولة المافيا" و"التواطؤ" و"الغزو" وقد حظي الأخير باهتمام في أوكرانيا وفاز هناك بجائزة كتاب الصحافة لعام 2023.

وتفسر هذه الخلفية جزئيا تركيز الكتاب على روسيا، وعلى شبكات النفوذ الروسية، وعلى طبيعة العلاقة بين موسكو وبعض التيارات السياسية الغربية.

ويشير الوصف الرسمي للكتاب كذلك إلى أن هاردينغ يتتبع صلات مزعومة بين جواسيس روس وحزب "ريفورم" الذي يقوده نايجل فاراج في بريطانيا، في محاولة لربط التحولات السياسية على ضفتي الأطلسي بنفوذ روسي أوسع.

ما الذي لا يستطيع الكتاب حسمه؟

رغم قوة السؤال الذي يطرحه هاردينغ حول علاقة ترامب ببوتين، فإن السؤال نفسه لا يساوي دليلا على وجود علاقة استخباراتية. وهذه نقطة ينبغي الفصل بينها وبين الوقائع التي يوثقها الكتاب.

فالسلوك السياسي لترامب، كما يعرضه هاردينغ، يمكن قراءته بوصفه تقاربا مع موسكو، أو محاولة لتحقيق تسوية سريعة للحرب، أو انعكاسا لرؤية مختلفة للعلاقات الدولية، أو نتيجة لمجموعة من الحسابات السياسية والشخصية.

أما القول إن الرئيس الأمريكي "عميل روسي" بالمعنى الاستخباراتي المباشر، فيحتاج إلى أدلة مستقلة ومحددة، لا إلى الاستنتاج من المواقف السياسية وحدها. ولهذا فإن السؤال الذي يطرحه هاردينغ يظل، في نهاية المطاف، سؤالا مفتوحا أكثر منه خلاصة نهائية للكتاب.

مفارقة بوتين وترامب

ومن المفارقات التي يبرزها عرض فريدمان أن بوتين نفسه يبدو، وفقا للكتاب، محبطا من ترامب. فالكرملين حصل على رئيس أمريكي أكثر استعدادا للتعامل معه، وأقل ميلا إلى استخدام أدوات الضغط التي استخدمتها إدارة بايدن، لكن ذلك لم يؤد إلى النتيجة التي تريدها موسكو: استسلام أوكرانيا بالشروط الروسية.

وهنا يظهر سؤال آخر ربما يكون أكثر تعقيدا من سؤال "هل ترامب عميل روسي؟": إذا كان ترامب مستعدا لتقديم تنازلات لبوتين، فلماذا لم يتمكن بوتين من تقديم التنازلات اللازمة لإبرام صفقة؟

والإجابة التي يلمح إليها الكتاب هي أن المشكلة لا تكمن فقط في موقف واشنطن، بل في أهداف موسكو نفسها.

فإذا كانت روسيا تريد اتفاقا يكرس مكاسبها الإقليمية ويحد من سيادة أوكرانيا وخياراتها المستقبلية، فقد يكون هامش التسوية أضيق بكثير مما يتصوره ترامب.

"الخيانة" بوصفها عنوانا لعصر كامل

في النهاية، لا يحصر هاردينغ مفهوم "الخيانة" في ترامب أو الولايات المتحدة وحدهما. فالكتاب، وفق وصفه ومراجعة فريدمان، يتحدث عن تحول أكبر في قواعد اللعبة الدولية، حيث باتت القوة العسكرية والإكراه والتهديدات الإقليمية تعود إلى مركز السياسة الدولية.

وفي هذا المشهد، تصبح أوكرانيا نقطة اختبار: هل يستطيع نظام دولي تأسس على رفض تغيير الحدود بالقوة أن يصمد عندما تبدأ القوى الكبرى نفسها في التشكيك في قواعده؟

ويبدو أن هاردينغ يجيب عن ذلك عبر سرد قصص الحرب من الأرض، وربطها بقرارات واشنطن وموسكو وبكين والعواصم الأوروبية.

أما السؤال المتعلق بترامب وبوتين، فيبقى أكثر إثارة للجدل: هل نحن أمام رئيس أمريكي يعتقد أنه قادر على عقد صفقة مع خصمه الروسي عبر التقارب الشخصي، أم أمام تحول استراتيجي أعمق في موقع الولايات المتحدة من الصراع، أم أمام علاقة تتجاوز الحسابات السياسية المعتادة؟

الكتاب لا يقدم، بحسب المراجعة المنشورة في "الغارديان"، دليلا حاسما على الفرضية الأخيرة، لكنه يضعها في قلب النقاش، مستندا إلى سجل من المواقف والتحولات التي يرى هاردينغ أنها تستحق مساءلة جدية.

المصدر | عربي21

شارك المقالة على...

FacebookXLinkedInWhatsAppTelegram

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

"خيانة" ترامب لأوكرانيا.. كتاب يسأل: هل أصبح الرئيس الأمريكي ورقة بيد بوتين؟ | منصة الكتب العالمية