شهدت الساحة المعرفية والنقدية العربية صدور مؤلف نقدي لافت للباحث والأكاديمي المغربي الدكتور يحيى عمارة، يحمل عنوان "طائر خارج السرب: قراءة في مشروع الفكر النقدي لإدوارد سعيد"، الصادر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع بعمّان لعام 2026.
ويأتي هذا الإصدار في وقت تتأكد فيه الحاجة الماسة إلى مراجعة وتفكيك الإرث الفكري للمفكر الكوني الراحل إدوارد سعيد، لا كأطروحات أدبية معزولة، بل كأداة للمقاومة الثقافية والوعي بالذات والآخر في خضم التحولات المعاصرة التي يشهدها العالم.
ينطلق الدكتور يحيى عمارة في مؤلفه من تساؤل جوهري حول الأسباب التي تجعل من فكر إدوارد سعيد ذا راهنية مستمرة ومتجددة. وينعت عمارة المفكر الفلسطيني بأنه "طائر خارج السرب" و"المفكر الكوني النهضوي الإنساني" الذي عاش معلقاً بين ثقافات متعددة دون أن يسقط في نمطية التفكير أو يخشى سلطة الإمبريالية والمؤسسات المهيمنة.
ويبرز الكتاب أن العودة لسعيد تفرضها عدة مرتكزات فكرية لخصها الباحث المغربي في:
الراهنية الكبرى: الأفكار والقضايا التي ناقشها سعيد لم تفقد بريقها، بل ما زالت تحظى بالتداول والانتشار، ويحتاجها العالم العربي والإسلامي اليوم أكثر من أي وقت مضى لفهم واقعه الفكري.
الاشتباك مع قضايا الإنسان الشائكة: يطرح المشروع الأسئلة الدائمة حول علاقة الثقافة بالمثقف، والإمبريالية، وحوار الذات مع الآخر، والمثاقفة المتوازنة بين الفكرين العربي والغربي.
التفكيك المعرفي والجمالي للغرب: بفضل الأدوات الإبستيمولوجية التي نحتها سعيد، صار بإمكان الوعي العربي تفكيك التمركز الغربي حول الذات ونقده وموالاة فضح آلياته السلبية دون السقوط في أسر الانبهار الأعمى به.
الدفاع عن مصائر الشعوب وهويتها: يتجاوز أثر سعيد النقد الأدبي الضيق ليصل إلى حماية إحساس الشعوب المقهورة بهويتها واحترام تاريخها وتراثها في مواجهة محاولات الطمس الاستعمارية الغربية.
لا يفوت الباحث يحيى عمارة الإشارة إلى أن قضية فلسطين لم تكن مجرد تفصيل سياسي في حياة إدوارد سعيد، بل كانت شجرة وارفة تظلل كافة كتاباته، ونهر مشاعر متدفق وذاكرة حية تنبض في وجدانه. فقد أمضى المفكر الراحل أكثر من نصف عمره يكتب آلاف الصفحات ويحاضر في شتى بقاع الأرض، مجادلاً كبرى وسائل الإعلام الغربية الأكثر عداءً للقضية، ليتحدث عن اغتصاب فلسطين، والشتات، والوجع، والهوية، مؤكداً على ثقافة الممانعة والمقاومة بالكلمة.
ويشير عمارة إلى أن سعيد نجح في إعادة إحياء الدور الرسالي للمثقف، ذلك الدور الذي تلاشى وتآكل في الغرب تحت وطأة العولمة وهيمنة الشركات متعددة الجنسيات التي عملت على توظيف الأكاديميين لخدمة مصالحها الرأسمالية بغض النظر عن التأثيرات الإنسانية والاجتماعية السلبية الناتجة عن ذلك.
يقدم الدكتور عمارة في كتابه قراءة تركيبية وحوارية معمقة، متسلحاً ببيبليوغرافيا موسعة تحول مؤلفه إلى "دليل عملي ميسر" للمهتمين بفكر سعيد دون الإخلال بالجهاز الاصطلاحي والنقدي الرصين. ورغم أن جعبة سعيد تضم زهاء ثلاثين كتاباً في مواضيع متشعبة، اختار عمارة التركيز على ثلاثة مؤلفات مفتاحية تمثل ذروة القيمة النقدية والفكرية في مشروعه المعرفي:
يمثل هذا الكتاب لحظة معرفية نادرة وجريئة في تاريخ الفكر الإنساني. يرى عمارة أن "الاستشراق" فتح الباب للمثقفين العرب لأخذ الكلمة والحديث عن المعرفة الغربية بروح نقدية وبناءة، كاشفاً طرق التمثيل الثقافي التي انتهجها الحكم الاستعماري لتقديم صورة غرائبية ومشوهة عن الشرق الأوسط تلتحم فيها القوة السياسية بالمعرفة والإنتاج الثقافي.
في هذا المؤلف، يركز عمارة على كيفية فضح إدوارد سعيد للسرود الغربية الجاهزة الموجهة ضد العالم الإسلامي، مبرزاً الآليات الأيديولوجية التي تتحكم في صناعة الصور النمطية للإسلام في وسائل الإعلام الأمريكية. ويوضح الكتاب أن معرفة الغرب بالإسلام لم تنشأ من مجرد الهيمنة والمواجهة التاريخية فحسب، بل تغذت أيضاً على نوع من الكراهية الثقافية الممنهجة.
يقدم الباحث المغربي هذا الكتاب بوصفه مرجعاً أساسياً في النظرية الثقافية المعاصرة وتطور النظرية الأدبية على مدى قرنين من الزمن. ورغم أن هذا المؤلف يتوتر بين "نقد النقد" والنقد الاستراتيجي في حركية المجتمع، ويسلط الضوء على مفهوم "النقد الدنيوي"، إلا أنه -بحسب عمارة- لم ينل المكانة التي يستحقها في المشهد النقدي العربي المعاصر بالنظر إلى حجم الاجتهادات والالماعات الباهرة المتضمنة فيه.
لا يكتفي كتاب "طائر خارج السرب" بعرض الأفكار بشكل سطحي، بل يغوص في مناقشة المفاهيم المفتاحية المؤثثة للمشروع السعيدي في سيرورته التاريخية والاجتماعية مثل: المنفى، النقد الطباقي، الهجنة الثقافية، تمثيلات المثقف، والتعالق بين المعرفي والنقدي.









