يتناول كتاب "السرديات العالمية للتضليل الروسي" المكون من دراسات أعدها ونسقها فريق بحثي يضم مورييل فيشر، وساندرا فريمل، ونانينا غراف، وإيرينا هيراسيموفيتش، وسيلفيا ساس، قراءة تفكيكية وتحليلية جادة تسبر غور آليات الإعلام والدعاية السوفيتية والروسية المعاصرة وكيفية انتشارها عبر القارات. يبتعد الكتاب عن الطرح السطحي الذي يختزل التضليل في مجرد أخبار زائفة أو شائعات عابرة، ليقدم سردية مكثفة تعتبر التضليل الإعلامي ونظريات المؤامرة حزمة من "السرديات الجماعية العالمية" المصممة بذكاء والمكيّفة إقليمياً لتخاطب الثقافات والسياقات السياسية المختلفة، مستفيدة من التراث التاريخي الخفي، والخيال الأدبي، والميثولوجيا القومية لإحداث التأثير المطلوب في الفضاء العام الدولي.
يسلط المشاركون في الكتاب الضوء على المفارقات والاستراتيجيات التي تستخدمها موسكو لتصدير نفوذها، كاشفين كيف تعتمد الدعاية الروسية على تقمص خطابات "مناهضة الإمبريالية"، و"مناهضة الفاشية"، والالتزام بالقضايا "ما بعد الاستعمارية" لتغطية ممارساتها الإمبريالية وتدخلاتها العسكرية، ولا سيما في إفريقيا وآسيا وأجزاء من أوروبا وأمريكا اللاتينية. يستعرض النص عبر دراسات حالة متنوعة كيف تتفاعل اللغات الإعلامية المحلية والدولية مع هذه الخطابات، بدءاً من حملات إعادة تشكيل التكتلات الجيوسياسية وروايات الحرب في أوكرانيا وجورجيا وبيلاروس، إلى محاولات التأثير في الانتخابات الغربية وصناعة شبكات نفوذ ثقافية واقتصادية تعتمد على استغلال مظالم الشعوب ضد السياسات الغربية التقليدية.
يتجاوز الكتاب التحليل الإعلامي التقليدي ليقدم دراسة عميقة لآليات السلطة وتشكيل الرأي العام العالمي في ظل تقاطع تقنيات الاتصال الحديثة والذكاء الاصطناعي مع حروب المعلومات. وتبرز أطروحة المحررين كيف أن فك رموز التضليل الروسي لا يتطلب فقط كشف الحقائق والتدقيق في الأخبار، بل يتطلب بالأساس فهم التراكيب السردية والنفسية التي تجعل هذه الخطابات مقبولة ومستعادة لدى أطراف سياسية وفكرية متباينة حول العالم. ينتهي الكتاب بنسيج سردي متماسك ينبض بالعمق الأكاديمي والواقعية السياسية، يترك القارئ أمام فهم دقيق وشامل لأبعاد الحروب الهجينة المعاصرة، مؤكداً أن التصدى للتضليل الإعلامي يبدأ من تفكيك جذوره السردية وتعرية التناقضات الهيكلية بين شعاراته المرفوعة وواقع أهدافه الجيوسياسية.













