يتناول كتاب "جيوسياسية المجمع المغلق: انتخاب البابا في زمن عودة الإمبراطوريات" للصحفي والاستقصائي الفرنسي ميكائيل كوري قراءة استثنائية وتحليلية لكواليس وآليات صنع القرار داخل الكنيسة الكاثوليكية، مبرزاً أبعادها السياسية والدبلوماسية المعقدة في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة. يستند الكاتب، بحكم عمله كمرسل خاص ومراسل دائم في روما، إلى معايشة ميدانية ودقيقة لفترة شغور الكرسي الرسولي عقب وفاة البابا فرنسيس والانتقال السريع نحو انتخاب خليفته البابا ليون الرابع عشر، ليقدم سردية حية ترفع الستار عن الآلية السياسية الاستراتيجية للفاتيكان، كاشفاً أن العملية ليست مجرد طقس روحي محض، بل هي شأن استراتيجي يتداخل مباشرة مع صراعات النفوذ العالمي، وإعادة تشكيل الخرائط السياسية الدولية، وصعود القوميات واليمين المتطرف، وتصاعد حدة التنافس بين القوى العظمى.
يسلط كوري الضوء على الأبعاد الجيوسياسية والرمزية العميقة التي انطوت عليها رحلة اختيار بابا جديد ينحدر من الولايات المتحدة الأمريكية في توقيت حساس تتشكل فيه ملامح المشهد الدولي من جديد تحت تأثير التيارات السياسية الأمريكية والتحولات المحافظة، متتبعاً كيف تتقاطع المصالح الوطنية والإقليمية للكرادلة القادمين من مختلف قارات العالم داخل أروقة كنيسة سيستينا. يستعرض النص التوازن الدقيق والمناورات المعقدة التي تخوضها المؤسسة الفاتيكانية للحفاظ على استقلاليتها السلطوية والروحية، مستعرضاً الصراع الخفي بين التوجهات الإصلاحية والإدماجية للباباوية السابقة وبين التيارات الهوية والمحافظة التي تسعى لاستغلال الدين كأداة للسيادة والسيطرة الجيوسياسية، كاشفاً كواليس المفاوضات والضغوط التي تمارسها القوى الدولية والتكتلات الدينية لإعادة توجيه الدبلوماسية الفاتيكانية.
يتجاوز الكتاب التحليل الصحفي المباشر ليقدم رؤية تفكيكية متكاملة لآليات السلطة والنفوذ في واحدة من أقدم المؤسسات السياسية والروحية المستمرة في العالم، رابطاً بين التاريخ العريق الممتد لقرون والواقع السياسي المعاصر. ويبرز المؤلف كيف أصبحت روما خط مواجهة واعتقاد في حرب التوازنات الجديدة، كاشفاً أن انتخاب رأس الكنيسة يمثل قراءة دقيقة لمخاوف العالم وتطلعاته المستقبلية. ينتهي الكتاب بنسيج سردي متماسك ينقل القارئ إلى قلب الحدث الفاتيكاني، مؤكداً أن المجمع المغلق ليس مجرد إجراء ديني لانتخاب قائد روحي، بل هو مرآة استراتيجية كاشفة للتحولات الجيوسياسية العاصفة وللصراع الأزلي حول مفاهيم السلطة والهوية والسيادة الوطنية في عصر تترسخ فيه عودة الإمبراطوريات والقوى العظمى.













