يتناول كتاب "جيوسياسية الخبرة: إيران، الإمبراطورية الأمريكية، وخبراء السياسة الخارجية الذين يغذون حروب أمريكا الأبدية" للباحثة والأكاديمية نغار س. رضوي قراءة تفكيكية ونقدية تسبر غور آليات صناعة القرار في واشنطن والشبكات الخفية لخزانات الفكر (Think Tanks) ومراكز الأبحاث التي تشكل السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وإيران على وجه الخصوص. يغوص الكتاب في الأنثروبولوجيا السياسية لخبراء ومحللي واشنطن ليتتبع كيف تُصنع "الخبرة" وتُشرعن داخل أروقة السلطة، كاشفاً أن المعرفة التي ينتجها هؤلاء الخبراء ليست مجرد تحليلات أسرار أو قراءات محايدة للواقع الجيوسياسي، بل هي نتاج لشبكات تمويل، ومصالح مؤسسية، وأيديولوجيات إمبراطورية تسهم بشكل مباشر في إدامة الهيمنة الأمريكية واستدامة حالة "الحرب الأبدية".
تسلط رضوي الضوء على الحالة الإيرانية باعتبارها النموذج الأبرز والمختبر الأساسي الذي تتبدى فيه هذه الديناميات، متتبعة كيف يجري تأطير إيران باستمرار كتهديد وجودي دائم للولايات المتحدة وحلفائها من أجل تبرير العقوبات الاقتصادية، والوجود العسكري، وسياسات العزل الدبلوماسي. يستعرض النص التناقض الحاد بين الادعاء بالاستقلالية والموضوعية الأكاديمية لدى واشنطن وبين الشروط والقيود المؤسسية التي تُفرض على من يُسمح لهم بتقديم المشورة للنخب السياسية والإعلامية؛ حيث يُستبعد الخبراء والنقاد الذين يتحدون السردية الإمبراطورية الأساسية، بينما يُكافأ المقربون من دوائر الدفاع والسياسة الخارجية الذين يعيدون إنتاج نفس الرؤى الداعية للتصعيد وتغيير الأنظمة.
يتجاوز الكتاب التحليل السياسي السطحي للصراعات الدبلوماسية ليقدم دراسة عميقة لآليات السلطة والمعرفة وكيفية هيمنة النخب على الفضاء العام ونقاشات الأمن القومي. وتبرز المؤلفة كيف أن بناء "صناعة الخبراء" لا يقتصر على التأثير في قرارات البيت الأبيض والمؤتمر، بل يمتد لتشكيل الرأي العام العالمي وفرض مفاهيم استعمارية جديدة تحت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والاستقرار الإقليمي. ينتهي الكتاب بنسيج سردي متماسك ينبض بالعمق الأكاديمي، يترك القارئ أمام فهم شفاف ونقدي للبنية المؤسسية التي تقود السياسة الخارجية الأمريكية، مؤكداً أن تفكيك الحروب الأبدية يتطلب أولاً تفكيك جيوسياسية الخبرة والنفوذ التي تغذيها وتمنحها الشرعية من قلب واشنطن.













