يتناول كتاب "أعمال شاقة: الأجساد، الولادة، والطب في مصر الاستعمارية" للمؤرخة والأكاديمية بيث بارون، الصادر عن منشورات جامعة ستانفورد، قراءة تاريخية وطبية عميقة تسبر غور التحولات الدقيقة التي شهدتها ممارسات الإنجاب ورعاية الأمومة في مصر خلال الحقبة الاستعمارية وبدايات القرن العشرين.
يغوص الكتاب في أرشيفات مستشفى قصر العيني والعيادات الطبية التي تأسست في تلك الفترة، وعلى رأسها عيادة التوليد التي افتتحها الدكتور "نجيب باشا محفوظ" عام 1904، ليتتبع كيف تحولت عمليات الحمل والولادة ومعالجة مشكلات الخصوبة من ممارسات منزلية تقليدية تقودها الدايات إلى مجال طبي متخصص تشرف عليه مؤسسات الدولة والنخب الطبية الحديثة. تقدم المؤلفة سردية مكثفة تعيد تشكيل فهمنا للتاريخ الطبي، مستكشفة المعنى المزدوج لـ "الأعمال الشاقة" بوصفها جهد المخاض الإنساني الذي تخوضه النساء، وفي الوقت نفسه عمل الأطباء والقابلات للسيطرة على الأجساد وإنقاذ حياة الأمهات والأجنة.
تسلط بارون الضوء على كواليس نشأة وتطور تقنيات الجراحة النسائية، كجراحات القيصرية وعلاج التشوهات والتمزقات الناتجة عن الولادة الشاقة واستئصال الأورام، كاشفة كيف بُنيت المعرفة الطبية الحديثة وتطورت مباشرة عبر أجساد النساء والتجارب السريرية التي أُجريت عليهن. يستعرض النص التدافع والتوتر الخفي بين نظام القابلات التقليديات (الدايات) وبين الأطباء المتخصصين والجيل الجديد من الطبيبات والقابلات المؤهلات أكاديمياً، متتبعاً كيف ساهمت السلطات الاستعمارية والمؤسسات الطبية في إعادة تنظيم المهن الصحية وفرض الرقابة على الممارسات الشعبية. كما يكشف الكتاب عن البعد التاريخي والأخلاقي لجمع وحفظ عينات وأجزاء من أجساد المرضى داخل متحف نجيب محفوظ الطبي، مبرزاً كيف تحولت أجساد النساء المجهولات إلى ركيزة أساسية لتعليم الأجيال الجديدة من الأطباء.
يتجاوز الكتاب الطرح التوثيقي للسير الطبية التقليدية ليقدم تحليلاً نقدياً دقيقاً لآليات الهيمنة الاستعمارية وكيفية تقاطع الطب، والجندر، وتشكيل الدولة الحديثة في مصر. وتبرز المؤلفة كيف أن استعادة قصص وسجلات المريضات تعيد الاعتبار للتجربة الإنسانية للأمهات والنساء اللاتي خضن هذه التحولات، بعيداً عن الرواية الرسمية للإنجازات الطبية الذكورية. ينتهي الكتاب بنسيج سردي متماسك ينبض بالعمق الأكاديمي والتحليلي، يترك القارئ أمام فهم شامل وشفاف لكيفية تشكُّل المعرفة الطبية المعاصرة حول جسد المرأة في مصر، مؤكداً أن تاريخ الولادة والرعاية الصحية ليس مجرد تقدم علمي محيد، بل هو جزء أصيل من تاريخ السيطرة والاستعمار وبناء المجتمع الحديث.












