"الهيمنة": كتاب جديد لماركو ديرامو يفكك الثورة الصامتة للأثرياء ويكشف آليات ترويض الشعوب في العصر الحديث
أثار الكتاب السوسيولوجي والسياسي الجريء "Dominio: La guerra invisibile dei potenti contro i sudditi" (الهيمنة: الحرب غير المرئية للأقوياء ضد الرعايا) نقاشاً فكرياً واسع النطاق في الأوساط السياسية والاقتصادية المعاصرة. المصنف الذي صدرت طبعته الحديثة ضمن سلسلة "الكتب الاقتصادية العالمية للحقوق" عن دار النشر الإيطالية العريقة "جيانغياكومو فلترينيلي" في مائتين وستة وخمسين صفحة، يعيد قراءة التحولات الجذرية التي شهدها العالم على مدار العقود الخمسة الماضية. يطرح المؤلف فكرة مركزية صادمة تفيد بأن العقود الأخيرة لم تشهد تطوراً طبيعياً للاقتصاد، بل شهدت "ثورة مضادة" خطيرة ومنظمة خطط لها الأثرياء ضد الفقراء، والحكام ضد المحكومين، بهدف ترويض المجتمعات وسحب المكتسبات التاريخية للطبقات العاملة.
يستمد هذا العمل الاستقصائي رصانته من الخلفية الأكاديمية والمهنية الفريدة لمؤلفه ماركو ديرامو، وهو عالم اجتماع وصحفي إيطالي بارز من مواليد روما عام 1947. تخرج ديرامو في الفيزياء قبل أن ينتقل إلى باريس لدراسة علم الاجتماع على يد المفكر الفرنسي الشهير بيير بورديو. هذا المزيج بين صرامة التفكير العلمي السلوكي والعمق النقدي السوسيولوجي أتاح للمؤلف تتبع الجغرافيا السياسية والفكرية لهذه الحرب الخفية. فيقود ديرامو القارئ في رحلة توثيقية تبدأ من مصانع الجعة في كولورادو، وتمر عبر أروقة جامعة هارفارد الأمريكية، وصولاً إلى لجان جوائز نوبل في ستوكهولم، ليكشف الأماكن والمؤسسات التي شهدت هندسة وتمويل الأيديولوجيا النيوليبرالية التي تحكم عالمنا اليوم.
يبني المؤلف أطروحته على حقيقة مقلقة، وهي أن الانتصار الأكبر الذي حققته الطبقات المهيمنة لم يكن في السيطرة المادية فحسب، بل في نجاحها بجعل الشعوب غير واعية بحالة التبعية والخضوع التي تعيشها. لقد خيضت هذه الحرب بذكاء شديد ودون أن يشعر بها أحد، لدرجة أن المفردات النقدية التقليدية مثل "الرأسمالية"، "الاستغلال"، و"الاضطهاد" جرى تشويهها عمداً في الخطاب العام لتصبح بمثابة كلمات نابية مستهجنة. ونتيجة لهذا التوجيه الفكري المكثف، يوضح ديرامو بأسى كيف بات من الأسهل على الإنسان المعاصر تخيل نهاية العالم وفنائه بالكامل، بدلاً من تخيل نهاية النظام الرأسمالي المعولم أو التفكير في بديل اقتصادي وإنساني له.
يكشف الكتاب أن هذه الثورة الصامتة القادمة من الأعلى إلى الأسفل لم تتوقف عند حدود الاقتصاد والعمل، بل اجتاحت مجالات العدالة، والتعليم، والثقافة المعاصرة. لقد أعادت قوى الهيمنة صياغة وتشويه المفاهيم الأساسية التي نكونها عن المجتمع، والعائلة، وحتى عن ذواتنا وقيمتنا الإنسانية. ويوضح المؤلف كيف استغلت القوى الرأسمالية ببراعة غير أخلاقية كل أزمة مرت بها البشرية؛ من الكوارث الطبيعية مثل أمواج التسونامي، والعمليات الإرهابية، إلى الركود الاقتصادي والجوائح الصحية العالمية مثل كورونا، لتعزيز مكاسبها. واستخدمت في سبيل ذلك ترسانة متنوعة من الأسلحة المعرفية والمادية، بدءاً من الثورة المعلوماتية الرقمية وصولاً إلى تقنيات وسياسات الديون السيادية والخاصة لإخضاع الأفراد والدول المفقرة.
ورغم قتامة المشهد وسيطرة التوجهات المهيمنة التي تجعل أي محاولة للاحتجاج أو الانتفاض تبدو كأنها ضرب من الطرافة البائسة، يختتم ديرامو كتابه برسالة أمل تحث على التنظيم والتعلم الجاد. يذكرنا الكاتب بمفارقة تاريخية هامة؛ ففي عام 1947 كان رواد الفكر النيوليبرالي يمثلون أقلية معزولة تلتقي في خفاء شبه كامل ويبدون كمن يؤذن في مالطا، تماماً مثل وضع المفكرين التقدميين والمنادين بالعدالة الاجتماعية اليوم. وقد نال الكتاب إشادات نقدية رفيعة؛ حيث وصفه المؤرخ ماوريتسيو فودانيا بأنه عمل غني بالمعلومات ومزود ببيبلوغرافيا حديثة تخاطب العقل. بينما اعتبرت الكاتبة أنطونيلا تشيلينتو في مراجعتها بجريدة "لا ريبوبليكا" أن الكتاب يمثل ترياقاً وقائياً لا غنى عنه ضد صراع الفقراء الذي يغذيه النظام ليجني الأقوياء الأرباح. كما وصل الكتاب بجدارته الاستحقاقية إلى القائمة النهائية لـ"جائزة نابولي" العريقة في فرع الدراسات والمقالات.









