"عملية التقشف": كتاب جديد لكلارا ماتي يكشف كيف مهد خبراء الاقتصاد الطريق لصعود الفاشية وحماية الرأسمالية من أزماتها
أثار الكتاب التاريخي والاقتصادي الجديد الذي يحمل عنوان "Operazione austerità: Come gli economisti hanno aperto la strada al fascismo" (عملية التقشف: كيف مهد خبراء الاقتصاد الطريق للفاشية) اهتماماً واسع النطاق في الأوساط الفكرية والاقتصادية العالمية. المصنف الصادر عن دار النشر الإيطالية العريقة "جيوليو إيناودي" ضمن سلسلة "تاريخ إيت" (ET Storia) في خمسمائة وست عشرة صفحة من القطع المتوسط، وتولت ترجمته ماريا لورينزا كيزارا، يضم مقدمة جديدة كلياً وضعتها المؤلفة لتشريح الواقع المعاصر. ويقدم هذا العمل الاستقصائي أطروحة جريئة تفكك العقيدة الاقتصادية السائدة؛ حيث يثبت أن سياسات التقشف لم تكن يوماً أداة علمية محايدة لحل الأزمات المالية، بل ولدت تاريخياً كحجر زاوية لحماية الرأسمالية والدفاع عنها بأي ثمن، حتى لو تطلب الأمر تحالف خبراء الاقتصاد الليبراليين مع الأنظمة الفاشية ودعم التوجهات السلطوية المفرطة لإخضاع الشعوب.
يستمد هذا العمل رصانته الاستثنائية ومصداقيته البالغة من التخصص الدقيق لمؤلفته كلارا ماتي، وهي عالمة اقتصاد بارزة نجحت في صياغة دراسة تجمع بين التاريخ السياسي والتحليل الهيكلي الحاد لآليات السوق. تطرح ماتي في كتابها سؤالاً جوهرياً ومقلقاً: ماذا لو لم يكن تحقيق "توازن الميزانية" وتقليص الديون هو الهدف الحقيقي والنهائي لسياسات التقشف؟. ومن هذا السؤال، تغوص المؤلفة في الجذور التاريخية الممتدة لأكثر من قرن، لتثبت أن التقشف ليس اختراعاً حديثاً أو نتاجاً حصرياً للحقبة النيوليبرالية التي انطلقت نهاية سبعينيات القرن العشرين، بل هو تكتيك قديم وممنهج تلجأ إليه الحكومات لحماية النظام الرأسمالي من أزماته الوجودية، والوقوف في وجه الحركات العمالية والاحتجاجات الشعبية التي كانت تهدد ركائزه وبنيته الأساسية.
يفكك الكتاب المكونات الأساسية الثلاثة التي ترتكز عليها "عملية التقشف"، وهي: التقشف المالي، والتقشف النقدي، والتقشف الصناعي. وتتجلى هذه السياسات في الخفض الحاد والمنظم للإنفاق العام على قطاعات الرعاية الاجتماعية والخدمات الحيوية (كالتعليم، والصحة، والبنية التحتية)، وفرض الضرائب التنازلية الجائرة التي تثقل كاهل الطبقات المفقرة وتستثني الأثرياء، وتطبيق الخصخصة الواسعة لأملاك الدولة. يضاف إلى ذلك اللجوء إلى سياسات الانكماش ورفع الفائدة، وقمع الأجور، وتحرير سوق العمل من الضوابط القانونية لإضعاف القدرة التفاوضية للعمال. ويوضح الكتاب بكثير من الأدلة كيف تهدف هذه الترسانة التشريعية والاقتصادية إلى طمأنة الدائنين الدوليين والمستثمرين، رغماً عن آثارها الاجتماعية المدمرة وتسببها في إفقار المجتمعات وتوسيع فجوة التفاوت الطبقي.
وتبرز القيمة التوثيقية الصادمة للكتاب عند رصد الكيفية التي عبدت بها هذه الخيارات الاقتصادية الطريق لظهور الديكتاتوريات؛ إذ تكشف ماتي أن الرغبة في حماية الملكية الخاصة وتأمين استقرار السوق دفعت كبار الاقتصاديين الأرثوذكس والليبراليين في عشرينيات القرن الماضي إلى الترحيب بالقبضة الحديدية للفاشية في إيطاليا بقيادة موسوليني. فقد رأت النخبة الاقتصادية في الديكتاتورية أداة مثالية لفرض الانضباط المالي، وقمع الإضرابات العمالية، وتمرير سياسات التقشف التي كان يرفضها البرلمان الديمقراطي، مما يثبت وجود علاقة بنيوية وطبيعية بين ليبرالية السوق والاستبداد السياسي عند تعرض الرأسمالية للتهديد الحقيقي من الأسفل.
حظي كتاب "عملية التقشف" بإشادات نقدية بالغة الرفع من كبار علماء الاقتصاد في العالم؛ حيث وصفه المفكر الاقتصادي الشهير توماس بيكيتي بأنه "كتاب ضروري وحتمي القراءة، وينطوي على دروس مفتاحية حاسمة للمستقبل، ويمثل النموذج الأرقى لما يمكن أن تقدمه البحوث التاريخية للاقتصاد السياسي". ويخلص الكتاب في سياقه العام إلى أن استمرار هيمنة عقيدة التقشف في عالمنا المعاصر يتطلب مراجعة جذرية وفهماً عميقاً لأصولها السياسية، مؤكداً أن معركة التحرر الاجتماعي المعاصر تتطلب بالضرورة التوقف عن تقديس توازنات الميزانية الجافة، والبدء في بناء نماذج اقتصادية تضع كرامة الإنسان، وحقوقه الأساسية، وحمايته الاجتماعية فوق مصلحة تراكم رأس المال وحسابات النخب المهيمنة.









