تعد دار إيديزيوني بييمي للنشر (Edizioni Piemme) واحدة من أشهر وأعرق المؤسسات الثقافية في القارة الأوروبية، وتتميز بهويتها الإيطالية الحاضرة بقوة في المشهد الثقافي؛ إذ تأسست عام 1982 في مدينة كازالي مونفيراتو التابعة لإقليم بييمونتي شمال غرب إيطاليا على يد الناشر بييترو مارييتي، الذي ينحدر من عائلة عريقة لها تاريخ ممتد في تجارة الكتب والنشر يعود إلى عام 1820. منذ بداياتها، نجحت الدار في بناء هويتها الفريدة من خلال الموازنة الدقيقة بين الكتب الدينية والروحية العميقة وبين أدب الأطفال والشباب، مما جعلها من بين كبرى دور النشر وأكثرها انتشاراً وتأثيراً في إيطاليا.
تطورت المسيرة الإبداعية للدار بشكل لافت خلال فترة التسعينيات عندما وسعت نطاق إنتاجها ليركز بشكل مكثف على أدب الطفل والروايات الموجهة لليافعين. وفي عام 1999، دخلت الدار فصلاً جديداً من التميز الفني والتجاري بفضل انضمام الكاتبة والناشرة إليزابيث دامي، حيث شهد هذا العام إطلاق السلسلة الشهيرة "جيرونيمو ستيلتون" (Geronimo Stilton)؛ وهي السلسلة الخيالية التي تحولت إلى ظاهرة عالمية استثنائية وبيعت منها ملايين النسخ حول العالم وتُرجمت إلى لغات لا تحصى، لتنقل اسم الدار الإيطالية من النطاق المحلي إلى آفاق العالمية. وإلى جانب هذا النجاح الباهر في أدب الأطفال عبر علامتها البارزة "السفينة البخارية" (Il Battello a Vapore)، تميزت الدار بتقديم أعمال روائية كبرى لجمهور البالغين، ونشرت لرواد الأدب العالمي مثل الكاتب الأفغاني الأمريكي خالد حسيني صاحب الرواية الشهيرة "عداء الطائرة الورقية".
لم يتوقف التزام الدار عند الأدب الروائي والقصصي، بل حافظت على إرثها الفكري القائم على تقديم الكتب الدينية والإنسانية والسياسية الرصينة. ويبرز هذا التوجه بوضوح من خلال اختيارها لنشر الكتب والرسائل الرسمية الموجهة من البابا فرنسيس، مثل كتاب "اسم الله هو الرحمة" وكتاب "الله شاب"، وغيرها من المؤلفات الحوارية والإنسانية التي تُرجمت إلى عشرات اللغات وحققت صدى واسعاً على مستوى العالم. هذا التنوع الفكري والثقافي مكّن الدار من الحفاظ على إنتاج سنوي ضخم يتجاوز 250 عنواناً جديداً تلبي تطلعات القراء من مختلف الأعمار والاهتمامات.
وفي عام 2003، شهدت الدار تحولاً استراتيجياً كبيراً بانضمامها إلى مجموعة موندادوري الإيطالية (Arnoldo Mondadori Editore)، والتي تُعد كبرى المجموعات الإعلامية والنشرية في إيطاليا ومن بين الأهم في أوروبا. هذا الاستحواذ منح "إيديزيوني بييمي" دعماً لوجستياً وتسويقياً هائلاً، حيث جرى دمجها ضمن قطاع كتب التجارة والأطفال للمجموعة لتصبح ركيزة أساسية من ركائز النشر هناك، مع احتفاظها بكامل خصوصيتها الفنية وشخصيتها الثقافية المستقلة ومقرها الحالي في ضواحي ميلانو. وبذلك، استمرت الدار في تجسيد قصة نجاح إيطالية متكاملة، تجمع بين التراث العائلي العريق في صناعة النشر وبين آليات الإدارة الحديثة والانتشار العالمي الفعال.





