يقدم كتاب "مدينة الأقنعة: لا أحد هو من يدعي أنه هو" للكاتب والمنقّب الثقافي الإيطالي لورينزو ساسولي، رواية ديستوبية مجازية ثاقبة تحاكي الواقع المعاصر وتعيد مساءلة مفهوم الهوية والزيف الاجتماعي. ينطلق النص من فكرة محورية تتخيل وجود مدينة غامضة تُدعى "ماسكيروبوليس"، حيث لم تعد التمثيلية فيها مجرد استثناء عابر أو نفاق اجتماعي مؤقت، بل تحولت إلى نظام مؤسسي متكامل وقاعدة أساسية للتعايش اليومي. وفي هذا المجتمع، يصبح القناع الذي يرتديه المرء والدور الذي يتقنه هو العملة الوحيدة المعترف بها، في حين يُنظر إلى العفوية والأصالة والتصرف على طبيعة الذات بوصفها "اضطراباً خطيراً" يهدد النظام العام ويستوجب المكافحة.
يأخذ النص القارئ في رحلة يمتزج فيها الفلسفي بالدرامي الخيالي، من خلال تتبع قصة الشاب "غريغوريو داميان"، وهو طالب فلسفة فضولي يصل إلى المدينة وبيده تفتيشه الخاص ورغبته في دراسة عادات سكانها وفهم آليات عيشهم. وبدلاً من أن يظل مجرد مراقب خارجي، يجد غريغوريو نفسه سريعاً محاصراً داخل متاهة معقدة من المظاهر والادعاءات، حيث يكتشف أنه وقع في قلب تجربة عالمية مرعبة. يضطر البطل لمواجهة حاشية المدينة النموذجية، وعلى رأسهم "دون فابريزيو"؛ الأرستقراطي المزيف الذي يحكم المشهد مستنداً إلى إرث ضخم من جماليات الوهم، وإلى جانبه "لونا"؛ تلك الشخصية الغامضة والمضيئة التي تتنقل بين الأدوار ببراعة دون أن تنتمي لأي منها حقيقة.
يتميز هذا العمل بأسلوبه السردي الذي يحمل طابعاً رؤيوياً يقترب من الأجواء الحلمية الفانتازية، مستخدماً السخرية والبارادوكس (المفارقة) ليعكس واقع المجتمعات الحالية التي باتت أسيرة للصورة والتعطش لإعجاب الآخرين على حساب الحقيقة. يضع ساسولي بطل روايته -والقارئ من خلفه- أمام خيار مصيري حاسم: إما البقاء كمجرد متفرج مستسلم لهذه الكوميديا الجماعية الزائفة، أو الانخراط فيها وتحويل التمثيل إلى وسيلة قصوى لخلخلة النفاق وكشف زيف المجتمع. يمثل الكتاب في جوهره مرآة كاشفة لزمننا الحالي، مستكشفاً الخوف الإنساني الدفين من خلع الأقنعة، وفي نفس الوقت، الحاجة الفطرية الصادقة للبحث عن الذات الحقيقية الكامنة وراء كل قناع.










