يقدم كتاب "الذكاء الجديد: اربط الأفكار. استكشف. استمتع" للمهندس ورجل الأعمال الإيطالي أرتورو أرتوم، دليلاً فكرياً واستراتيجياً مشوقاً وموجهاً لكل من يشعر بالارتباك أمام الطفرة المتسارعة للذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية المعاصرة. ينطلق النص من فرضية تصالحية تفاؤلية تؤكد أن عقولنا لا تواجه خطراً تدميرياً بل تمر بمرحلة "تحول تطوري متكيف" للعيش في بيئة أكثر سرعة وتعقيداً. ويخاطب المؤلف مباشرة الأشخاص التقليديين الذين درسوا بجد واجتهاد والتزموا بالقواعد المهنية الصارمة، ليخفف من قلقهم موضحاً أن الأنظمة القديمة القائمة على "المعرفة العمودية التخصصية" والشعور التقليدي بالواجب لم تعد كافية لوحدها؛ لأن سرعة تغير الواقع باتت تتجاوز سرعة قدرتنا على التعلم التقليدي، مما يجعل الكفاءات المحددة تنتهي صلاحيتها وتتقادم بسرعة غير مسبوقة.
يأخذ النص القارئ في رحلة ممتعة لإعادة تعريف الذكاء البشري، حيث يطرح أرتوم فكرة محورية مفادها أن "المستقبل ليس لأصحاب الذكاء العمودي الضيق (المتفوقين تقليدياً)، بل للعقول الأفقية"؛ فاليوم لم يعد الفوز من نصيب من يمتلك أو يخزن معلومات أكثر (لأن الآلة تفعل ذلك بكفاءة)، بل لمن يمتلك القدرة على "الربط بين النقاط والأفكار" بذكاء وسرعة، ورؤية العلاقات غير الواضحة بين مجالات متباعدة كالعلوم، والفن، والتاريخ، والتكنولوجيا. المثير للدهشة في هذا الكتاب هو دفاع المؤلف الجريء عن عادات يومية يراها الكثير من الخبراء سلبية، مثل الـ (Scrolling) أو التصفح السريع للهواتف الذكية؛ حيث يعتبره أرتوم بمثابة "تمارين رياضية للذكاء الجديد" تدرب العقل على الانتقال السريع بين السياقات، والتقاط المؤشرات، والقدرة على اتخاذ القرار اللحظي وسط سيل المعلومات المتدفق.
يختتم الكاتب صياغته لهذا المفهوم بالتركيز على أهمية "بناء الشبكات والتواصل" كفئة معرفية وإدراكية لا مجرد علاقات اجتماعية عابرة، داعياً إلى ضرورة إدخال مفهوم "المتعة والمرح اللذين يحفزان الإبداع والفضول والجرأة على الخطأ" في صلب العملية التعليمية وإدارة الأعمال، لأن الخوف والالتزام الحرفي بالقواعد لا يصنعان ابتكاراً. يمثل هذا العمل نصاً محفزاً للطلاب، والمهنيين، ورواد الأعمال، إذ يحثهم على تبني عقلية مرنة تتقن طرح الأسئلة الصحيحة بدلاً من حفظ الإجابات، والتعلم المستمر والمتبادل بين الأجيال لقيادة التغيير عوضاً عن الخوف منه أو الاستسلام له.













