Skip to main content
الحرب السيبرانية الإسرائيلية بين النجاحات والفشل.. قراءة في كتاب .. "الوحدة 8200: محاربو الإنترنت الإسرائيليون"

الحرب السيبرانية الإسرائيلية بين النجاحات والفشل.. قراءة في كتاب .. "الوحدة 8200: محاربو الإنترنت الإسرائيليون"

July 5th, 2026

الحرب السيبرانية الإسرائيلية بين النجاحات والفشل.. قراءة في كتاب .. "الوحدة 8200: محاربو الإنترنت الإسرائيليون"

صورة
تمثل الحرب السيبرانية أحد أسلحة الدمار الشامل الحديثة التي تحقق أعظم الخسائر بأقل التكاليف. وهذا ما يوضحه الكتاب الذي بين أيدينا، وعنوانه: "الوحدة 8200: محاربو الإنترنت الإسرائيليون" إصدار أمازون ديجيتال سيرفيز، يوليو تموز 2025، للكاتب البلغاري إيفو فيتشيف المتخصص في مجال الاستخبارات.

أهمية الكتاب

هذا الكتاب، كما يقول مؤلفه: "يتتبع المسار الكامل لوحدة الاستخبارات 8200  الأكثر تأثيرًا في العالم، بدءًا من الارتجال اليائس في الأيام الأولى لقيام إسرائيل، مرورًا بالانتصارات والإخفاقات الكارثية التي شكلت عملها بالكامل". ويتعرض الكاتب لأهم إخفاقاتها، وهو الاعتماد الكلي على التفوق التكنولوجي والحوسبة الكمومية والذكاء الاصطناعي، وإغفالها العنصر البشري لأعداء إسرائيل وإمكانية تفوقه على قدرات الوحدة متى وُظفت قدراته وإمكانياته، وهذا ما بدا في هجوم السابع من أكتوبر. كما يبين الكتاب أيضا كيف استطاعت مصر وسوريا تنفيذ خطة خداع استراتيجي فشلت الوحدة 8200 في مواجهتها. وكيف وعت إيران درس الهجوم السيبراني الإسرائيلي على منشأتها النووية في 2010، فأسست قدراتها السيبرانية.

كيف نشأت وحدة المحاربين السيبرانيين

بدأت الوحدة في مستودع شحن متواضع في يافا، به حفنة من الفنيين الذين يعملون بهوائيات وأجهزة استقبال تم انتشالها من فائض المخزونات العسكرية البريطانية والأمريكية. ومثلت هذه الوحدة مجمل طموحات إسرائيل في مجال التجسس الإلكتروني. وبعد سبعة عقود، تطورت تلك المجموعة المرتجلة إلى شيء لم يكن لمؤسسيها أن يتخيلوه قط، إذ أن أصبحت الوحدة هي مهندس أول سلاح سيبراني حقيقي في العالم، وحاضنة لإمبراطورية تكنولوجية تبلغ قيمتها مئات المليارات من الدولارات، وميدان تدريب لأصحاب المشاريع الذين سيعيدون تشكيل الطريقة التي تتواصل بها البشرية، وتحمي بنيتها التحتية الرقمية.

صورة
عند قيام إسرائيل، لم تمتلك إسرائيل القدرات التكنولوجية والاستخباراتية للقوى العظمى آنذاك. وكان ما امتلكته بدلاً من ذلك هو اليأس، الذي أثبت أنه حافز فعال بشكل ملحوظ للإبداع. وقد استوعبت دروساً حاسمة من الحرب العالمية الثانية، وهي:

1 ـ المعلومات يمكن أن تكون أكثر حسماً من القوة النارية.

2 ـ الدول التي أتقنت استخبارات الإشارات قد اكتسبتها مزايا استراتيجية لا يمكن لأي كمية من الدبابات أو الطائرات تقليدها.

3 ـ أي صراع تقليدي مستدام سيكون في صالح أعداء إٍرائيل. لذا يجب عليها أن تتجاوز المعرفة العربية.

4 ـ بقاء إسرائيل لا يعتمد على تساوي القوى التقليدية في الدبابات والجنود ، بل على معرفة ما يعتزم أعداؤها العرب فعله قبل أن يفعلوه.

في ضوء هذه الدروس، راهنت إسرائيل في بقائها على كادر صغير من الفنيين لديه القدرة على اختراق اتصالات العرب، وأن الموهبة والإبداع يمكن أن يعوضا عن الفقر المادي، وأن الأمة التي تناضل من أجل وجودها سوف تجد احتياطيات من الإبداع ما لا يمكن لقوى أكثر قوة تقليدية أن تضاهيها.

اعتماد الوحدة على النساء

حدث اعتماد مبكر للوحدة على النساء في المناصب الفنية بسبب الضرورة؛ وليس الأيديولوجية التقدمية. إذ لم تتمكن من العثور على عدد كافٍ من المرشحين الذكور المؤهلين لسد متطلباتها المتزايدة، وكان خريجو الرياضيات، واللغويون، والمتخصصون في التعرف على الأنماط سلعًا نادرة في إسرائيل الوليدة. لذا، كان استبعاد نصف مجموعة المواهب المتاحة بمثابة ترف لم يكن بمقدورها تحمله. وقد أظهرت الموظفات باستمرار قدرات تحليلية تضاهي أو تتجاوز الذكور. وأصبح النهج التعاوني بينهما لحل المشكلات أحد الخصائص المميزة للوحدة 8200، وتم الاعتراف بها على أنها مبتكرة وفعالة.

صورة
أول اختبار للوحدة 8200

جاء أول اختبار مهم للوحدة خلال الأشهر الأخيرة من حرب 1948، عندما كانت القوات المصرية تتقدم نحو تل أبيب، وكان القادة الإسرائيليون بحاجة ماسة إلى معلومات استخباراتية حول نوايا المصريين. وكان راديو القاهرة يبث الاستعدادات لما بدا أنه هجوم نهائي على قلب الدولة اليهودية. وكانت بروتوكولات التشفير المصرية، المبنية على المعايير البريطانية، غير قابلة للاختراق بالنسبة للقدرات التقنية الإسرائيلية. ولكن، في نهاية المطاف، تمكن موظفو الإشارات الإسرائيليون بمعدات غير كافية، من تحديد أنماط في الاتصالات المصرية كشفت عن نقاط ضعف في أنظمة التشفير الخاصة بهم، ومعرفة ثغرات يمكن لإسرائيل استغلالها لشن هجوم مضاد ساهم في نجاحها العملياتي، وتعطيل ما بدا أنه اختراق مصري وشيك. وقد جاء هذا النجاح بسبب ثقة المصريين المفرطة، وضعف إجراءاتهم الأمنية الموروثة من ممارسات الحقبة الاستعمارية. وقد استوعبت الوحدة يتطلب التفوق على الخصوم الذين سيتعلمون حتما من إخفاقاتهم.

أول فشل للوحدة 8200

في حرب 1956، استخدمت القوات المصرية إجراءات محسنة لأمن الاتصالات أدت إلى إصابة المستمعين الإسرائيليين بعمى مؤقت. فقد صُدم الإسرائيليون عندما شنوا هجومهم، انقطعت الاتصالات المصرية فجأة، وانخفض عدد الرسائل يوميًا إلى مجرد حفنة قليلة. وطبقت المصريون أنظمة تشفير جديدة وإجراءات أمنية تشغيلية جعلت قدرات الاعتراض الإسرائيلية غير فعالة في اللحظة الحاسمة. وكان الأمر مثل الإصابة بالعمى عندما تكون الرؤية أكثر أهمية.

وفشلت الوحدة في توقع الإجراءات المصرية المضادة. وكان لهذا الفشل عواقب تكتيكية فورية. إذ تقدمت القوات الإسرائيلية في سيناء دون معرفة تفصيلية بالتصرفات والنوايا المصرية التي ميزت العمليات السابقة. لذا، كانت الخسائر البشرية الإسرائيلية أعلى من التقييمات الاستخباراتية، وكان هامش النجاح أضيق مما كان متوقعًا. وثبت أن الافتراض بأن افتقار المصريين إلى التطور الفني كان خاطئًا نتيجة الاعتماد المفرط على أساليب المعتادة لجمع البيانات، وعدم كفاية الاستثمار في البحث والتطوير. وكان السؤال هو: هل إسرائيل ستقود المنافسة التكنولوجية أم ستصبح ضحية لها؟

تطوير عمل الوحدة قبل حرب 1967

بحلول ربيع عام 1967، أصبحت الوحدة مليئة بمعدات اعتراض متطورة قادرة على مراقبة الاتصالات عبر الشرق الأوسط بأكمله، ولديها أنظمة يمكنها معالجة آلاف الرسائل يوميًا، وتحديد الأنماط واستخراج المعلومات الاستخبارية بدقة. وطورت ثقافة الابتكار والتميز والقدرات التحليلية والتقنية. وتم زرع بذور صناعة التكنولوجيا المستقبلية في إسرائيل في المرافق السرية للوحدة، ولم يكن بإمكان أي شخص معني التعرف على ما كانوا يزرعونه. وأصبح لدى الوحدة القدرة على اعتراض وتحليل الاتصالات العربية بسرعة ودقة، والتنبؤ بالنوايا من خلال تحليل الأنماط، وتزويد صناع القرار بمزايا استخباراتية يمكن أن تكون حاسمة في الصراع القادم. وكانت الوحدة على وشك إثبات أن الابتكار والمرونة المؤسسية والتميز البشري سيُمكِن إسرائيل على إعادة تشكيل المنطقة بأكملها. وكانت هذه الثورة التكنولوجية على وشك البدء.

نجاح الوحدة عام 1967

اتسم تطور الوحدة بالنصر والهزيمة على حد سواء. وقد مثّلت حرب 1967 ذروة 15 عامًا من التطوير، مُظهرةً أن التفوق في الاتصالات قد يُحدد النتائج الاستراتيجية في جبهات قتال متعددة في آنٍ واحد. فقد تمكنت في ثاني أيام الحرب من اعتراض مكالمة هاتفية بين عبد الناصر والملك حسين، والتي أكد فيها للملك على خلاف الحقيقة، أن القوات المصرية تقاتل بشراسة وأن المعارك تحت السيطرة، وذلك حتى لا يطلب الملك وقف إطلاق النار. وقامت إسرائيل ببث المكالمة كاشفةً زيف الادعاءات ومستخدمةً الاستخبارات في الحرب النفسية، ومُظهرةً استعداد ناصر للتضحية بالقوات الأردنية للتغطية على إخفاقاته. وقد جسّد هذا الحدث كيف يمكن للاتصالات المتفوقة أن تُحدد النتيجة الاستراتيجية للحرب.

لم يقتصر دور الوحدة في الحرب على ذلك، بل راقبت قبل الحرب الاتصالات المصرية المتعلقة بإغلاق مضيق تيران، وتتبعت تحركات القوات السورية في هضبة الجولان، واعترضت الاتصالات الأردنية، مُزوّدةً إسرائيل بمعلومات دقيقة عن الدفاعات الجوية العربية، ومُمكّنةً إياها من شنّ ضربات استباقية حاسمة. مع السيطرة على مرتفعات الجولان، وتوسعت قدرات الوحدة لتشمل مراقبة الاتصالات السورية وتتبع أنشطة المقاومة الفلسطينية، مما عزز مكانتها كأصل استراتيجي لإسرائيل.

تعلمت مصر الدرس، ففي حرب الاستنزاف، استطاعت الاستخبارات المصرية الحصول على المعلومات ونقلها بأمان من خلال تجنيد بدو سيناء واستخدام أساليب بدائية لا يمكن للإسرائيليين تتبعها.

الإخفاق الكارثي للوحدة في حرب 1973

زرع نجاح الوحدة عام 1967 بذور الثقة المفرطة التي أدت إلى هزيمة إسرائيل عام 1973. فقد افترضت المخابرات الإسرائيلية أن مصر لن تشن حربًا دون تفوق جوي، وأن أي استعدادات عربية ستُكشف مسبقًا عبر الإشارات. وتحولت هذه الافتراضات إلى قيود ذهنية، حاصرت المحللين في نموذج عام 1967، غافلين عن أن المصريين قد طوروا خطة خداع متطورة: الصمت اللاسلكي، والإشارات المضللة، والتدريبات السرية، وإدارة المعلومات بدقة متناهية.

ونتيجة لذلك، فوجئت إسرائيل بالهجوم المصري السوري، رغم امتلاكها كمًا هائلًا من المعلومات الاستخباراتية، لأن تحليلها كان مقيدًا بافتراضات عفا عليها الزمن. ولم تتمكن استخباراتها من رصد الهجوم العربي الوشيك إلا قبل ساعات قليلة من بدئه. ومَثّل استيلاء القوات السورية على مركز التنصت في جبل الشيخ في الساعات الأولى من الحرب كارثة تكتيكية وصدمة مؤسسية لإسرائيل في آنٍ واحد. فقد وقع أفراد من هذه الوحدة في الأسر، مما أدى إلى ثغرات أمنية أعاقت العمليات لأشهر.

كشف تقييم لجنة أغرانات عن إعطاء إسرائيل الأولوية للكمية التكنولوجية على حساب الدقة التحليلية، واعتمادها على إطار جامد من الافتراضات حول القدرات والنوايا العربية، واستبعاد الأدلة المتضاربة بدلاً من التوفيق بينها. ولم يكن الفشل تقنياً فحسب، بل مفاهيمياً. لذا، ركّزت الإصلاحات التي نُفّذت بعد ١٩٧٣ على التواضع التحليلي، والنظر المنهجي في الفرضيات البديلة، وتوحيد الآراء المعارضة. وأثبتت التغييرات أهميتها البالغة، كأي تقدم تكنولوجي، في إعادة تشكيل منظمة خرجت من أتون الفشل. وكان الدرس الأهم هو أن التفوق الاستخباراتي ليس دائمًا، بل يتطلب ابتكارًا مستمرًا. وجعلت هذه التجربة الوحدة 8200 واحدة من أكثر منظمات الاستخبارات تطورًا في العالم، وأثبتت أن الفشل أحيانًا يكون أكثر قيمة من النجاح.

فيروس ستوكسنت والحرب السيبرانية التي هزت إيران

في صيف عام ٢٠١٠، اكتشف باحث بيلاروسي برمجية خبيثة غير مسبوقة، عُرفت لاحقًا باسم ستوكسنت. لم تكن مجرد فيروس تقليدي، بل سلاحًا سيبرانيًا متطورًا مصممًا لاستهداف أجهزة الطرد المركزي في منشأة نطنز الإيرانية، وتخريب برنامجها النووي من الداخل. وقد جاءت العملية، التي أُطلق عليها اسم "الألعاب الأولمبية"، نتيجة تعاون غير مسبوق بين وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) والوحدة ٨٢٠٠ ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA). وكان الهدف واضحًا: إلحاق أضرار مادية عبر شفرة رقمية، دون اللجوء إلى ضربات عسكرية قد تُشعل فتيل الحرب في المنطقة.

استغلت ستوكسنت أربع ثغرات أمنية، تسمى بثغرات اليوم الصفر، وتسللت عبر محركات USB والشبكات الداخلية إلى أنظمة التحكم لشركة سيمنز. وبمجرد دخولها، بدأت بتغيير سرعات دوران أجهزة الطرد المركزي خلسةً، مع تزويد المشغلين ببيانات زائفة، مما نتج عنه أعطال متكررة وغامضة أدت إلى تدمير ألف جهاز طرد مركزي، وعجز الفنيون الإيرانيون عن تفسير ما يحدث. ولم يقتصر الأثر على الجانب التقني فحسب، بل امتدّ إلى الجانب النفسي أيضًا. فقد زرع الفيروس الشكوك بين المهندسين، وأجبر القيادة الإيرانية على الاعتراف بنكسات كبيرة في برنامجها النووي. ومع انكشافه لاحقًا، شكّل فيروس ستوكسنت نقطة تحوّل في تاريخ الأمن السيبراني، مُظهرًا أن بضعة أسطر من التعليمات البرمجية قد تكون بقوة القنابل في تغيير موازين القوى. وكان حادث الألعاب الأولمبية بمثابة إعلان غير مُعلن عن دخول العالم عصر الحرب السيبرانية، حيث تُصبح البرمجيات سلاحًا استراتيجيًا قادرًا على إعادة رسم خريطة الصراع الدولي.

أبناء الشفرة

في ٢٠١٢، تعرضت شركة أرامكو السعودية لهجوم إلكتروني دمّر بيانات عشرات الآلاف من الأجهزة وشلّ أنظمة الإنتاج والاتصالات. وشكّل برنامج شامون الخبيث، الذي يحمل سمات فيروس ستوكسنت، بداية سباق تسلح رقمي عالمي. وكانت إيران، التي استُهدفت منشآتها النووية بهجوم ستوكسنت قبل عامين، سارعت إلى إنشاء جيش إلكتروني، وشنّت هجمات على بنوك أمريكية وأنظمة سدود، مُظهرةً أن الفضاء الإلكتروني أصبح ساحة معركة غير متكافئة. وانضمت القوى الكبرى إلى هذا السباق: ركّزت الصين على التجسس وسرقة الملكية الفكرية، وروسيا على الفوضى والانقسام، والولايات المتحدة على "الدفاع الاستباقي". وفي المقابل، عزّزت أوروبا دفاعاتها، وبرزت إستونيا كدولة رائدة في الأمن السيبراني. ولم تعد الحرب السيبرانية مجرد تجسس أو تعطيل، بل أصبحت مسألة سطور من التعليمات البرمجية قادرة على شل دول بأكملها، وتحويل الشبكات المدنية إلى ساحات معارك القرن الحادي والعشرين.

الوحدة 8200 وتقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية

في سباق محموم مع الزمن، وجدت الوحدة نفسها أمام تحديات غير مسبوقة، إذ أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية أساسية في عملياتها. وبدأت بأتمتة المهام الروتينية؛ لكنها سرعان ما تطورت إلى أنظمة قادرة على تحليل اللغة البشرية، ورصد الأنماط السلوكية، وربط البيانات المالية والعسكرية لتكوين صورة استخباراتية شاملة. ولكن، لم تخلُ هذه القفزة التكنولوجية من المخاطر؛ فقد أطلقت الأنظمة إنذارات كاذبة في كثير من الأحيان، أو أظهرت تحيزات خطيرة، مما جعل التدخل البشري ضروريًا.

لم تتوقف التحولات عند الذكاء الاصطناعي. فقد فتحت تقنيات القياسات الحيوية ووسائل التواصل الاجتماعي آفاقًا واسعة للمراقبة والتأثير، لكنها في الوقت نفسه، زودت الخصوم بأدوات لتضليل الاستخبارات عبر تقنية "التزييف العميق"، التي باتت تهدد الخطاب العام نفسه. ومع اقتراب الوحدة من عقدها الثامن، تبدو الخطوط الفاصلة بين المدني والعسكري، وبين السلم والحرب، أكثر ضبابية من أي وقت مضى. وفي هذا السياق، يصبح محللو الوحدات حُماةً لمستقبلٍ غامض، حاملين إرثًا مؤسسيًا إلى عالمٍ تتشابك فيه الخوارزميات مع القرارات الاستراتيجية، وتتداخل فيه الفرص مع المخاطر.

كيف صنعت الوحدة 8200 عمالقة التكنولوجيا

في ٢٠١٠، أصبح قطاع التكنولوجيا أكبر صناعة تصديرية في إسرائيل. وتطورت الوحدة 8200 لتصبح واحدة من أبرز حاضنات الابتكار وريادة الأعمال في العالم. واعتمد نجاحها على مزيج فريد من التوظيف الانتقائي، والتدريب المكثف، والخبرة العملياتية الدقيقة. ونشأت ثقافة تنظيمية غير هرمية شجعت المجندين الجدد على تحدي القادة وتقديم رؤى مبتكرة. وكان من أهم الدروس التي نقلها خريجو الوحدة إلى عالم التكنولوجيا هو اعتبار الفشل مصدرًا للتعلم. ففي بيئة الاستخبارات، حيث تكثر حالات الفشل، يتعلم الأفراد أن التجربة والخطأ هما البداية لتحسين الأداء. وتتجلى هذه العقلية في الشركات الناشئة التي أطلقها الخريجون، حيث أصبح التطوير السريع والقدرة على التكيف من عوامل النجاح الرئيسية. ومن المفارقات أن القيود الأمنية حفزت الخريجين على ابتكار حلول إبداعية، غالبًا ما تكون أكثر ملاءمة للسوق التجارية من نظيراتها العسكرية. وسارعت شركات مثل جوجل ومايكروسوفت وآي بي إم إلى الاستحواذ على الشركات الناشئة التي أسسها خريجو الوحدة 8200، ليس فقط للحصول على منتجاتها، بل أيضًا للاستفادة من خبرات مؤسسيها، الذين غالبًا ما تولوا مناصب قيادية داخل هذه الشركات العملاقة.

إمبراطورية الخريجين - إرث بمليارات الدولارات

في ١٩٩٣، انطلق أحد خريج الوحدة ٨٢٠٠، من شقة صغيرة في تل أبيب، ليؤسس شركة "تشيك بوينت"، التي سرعان ما تحولت إلى إمبراطورية للأمن السيبراني تُقدر قيمتها بأكثر من ١٥ مليار دولار. وكانت هذه بداية ظاهرة واسعة الانتشار: فقد حوّل مئات من خريجي الوحدة ٨٢٠٠ خبراتهم العسكرية إلى شركات ناشئة تُقدر قيمتها الإجمالية بمئات المليارات، مُعيدين تشكيل المشهد التكنولوجي العالمي. ومن تطبيق "ويز" الذي أحدث ثورة في مجال الملاحة، إلى تطبيق "ويكس" الذي جعل إنشاء المواقع الإلكترونية في متناول الجميع، وصولًا إلى مجموعة "إن إس أو" وبرنامج التجسس "بيغاسوس". وجسّد خريجو الوحدة  التوتر القائم بين الابتكار التجاري والمعضلات الأخلاقية. وأسفرت نجاحاتهم عن إنشاء شبكة قوية من الاستثمارات والدعم المتبادل، لكنها في الوقت نفسه فاقمت التفاوتات الاقتصادية داخل إسرائيل، وأثارت مخاوف دولية بشأن الخصوصية والمراقبة. وهكذا، تحولت وحدة عسكرية سرية إلى مصنع عالمي للثروة والأفكار.

الوحدة 8200 وانتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني

في خريف 2014، كسر ثلاثة وأربعون جنديًا وضابطًا من الوحدة 8200 صمتهم، معلنين رفضهم المشاركة في "اضطهاد المدنيين الفلسطينيين". وأثارت رسالتهم، التي نُشرتها وسائل الإعلام، جدلًا غير مسبوق، إذ كشفت أن مراقبة الفلسطينيين امتدت لتشمل تفاصيل الحياة اليومية: المكالمات الهاتفية العائلية، والترتيبات المدرسية، وحتى تحضيرات حفلات الزفاف. كما كشفت تسريبات إدوارد سنودن عن تعاون وثيق بين الوحدة 8200 ووكالة الأمن القومي الأمريكية. وأثارت فضيحة برنامج التجسس "بيغاسوس" ، والذي استُخدم لاستهداف الصحفيين والمعارضين، تساؤلات حول مسؤولية إسرائيل في تصدير تقنيات المراقبة.

الحرب التي لا تنتهي

في صباح أحد أيام صيف عام ٢٠٢٤، وقف ضابط رفيع المستوى أمام شاشات في أحد مراكز عمليات الوحدة ٨٢٠٠، يتابع تدفقات المعلومات الاستخباراتية في مجال الأمن السيبراني من صراعات كانت مستحيلة التصور عند تأسيس الوحدة قبل أكثر من سبعة عقود، مثل الحرب الروسة الأوكرانية، وتجسس أنظمة الذكاء الاصطناعي الصينية على البنية التحتية المالية الغربية، ومحاولات إيرانية اختراق البنية التحتية الحيوية الإسرائيلية باستخدام تقنيات تُشبه الأساليب التي ابتكرتها قبل سنوات الوحدة 8200.

هذه حرب غير تقليدية لا نهاية لها، تتغير فيها القواعد، ويتطور فيها الصراع باستمرار، مُعيدًا تشكيل نفسه مع كل تقدم في الذكاء الاصطناعي، أو الحوسبة الكمومية، أو تقنيات التلاعب الاجتماعي. وأدرك الضابط الذي كان يُراقب مؤشرات التهديد العالمي أن وحدته تقاتل الآن خصومًا استوعبوا الدروس بفعالية.

السابع من أكتوبر والإفلات من براثن للوحدة 8200

حطمت هجمات حماس في أكتوبر 2023 الافتراضات حول التفوق التكنولوجي والهيمنة الاستخباراتية التي تراكمت على مدى عقود من العمليات الناجحة. فقد فوجئت إسرائيل باعتماد رجال المقاومة على الاجتماعات المباشرة والرسائل المكتوبة بخط اليد، وحافظوا على أمن عملياتي دقيق، للتخطيط لهجوم مدمر وتنفيذه. وهو تذكير بأن التقنيات المتقدمة يُمكن هزيمتها من قِبل خصوم يستعملون الأساليب التقليدية التي لا تترك أي أثر رقمي.

وقد أدى هذا الفشل إلى إجراء أوسع مراجعة داخلية في تاريخ الوحدة. وكان السؤال المهم لديهم: هل ولد التفوق التكنولوجي تراخيًا خطيرًا في التعامل مع الاستخبارات البشرية والأساليب التحليلية التقليدية؟ وكان الجواب هو أن الوحدة  ركّزت على اعتراض الاتصالات المشفرة وتتبع الآثار الرقمية، وأهملت مراقبة الرجال الذين يحفرون الأنفاق، والنساء اللواتي يحملن رسائل في رؤوسهن. مما يدل على أن الشبكات البشرية ظلت فعالة تحديدًا لأنها أفلتت من المراقبة التكنولوجية التي أصبحت نقطة القوة الأبرز للوحدة 8200، واستغلت نقاط ضعفها. وقد أظهر فشل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، بما فيها الوحدة 8200، في السابع من أكتوبر مخاطر الاعتماد المفرط على المراقبة الرقمية مع التقليل من شأن الفهم البشري للدوافع والديناميكيات الاجتماعية التي تحرك سلوك الخصم.

التعليق

ما حواه هذا الكتاب يؤكد على أن الاستثمار البشري هو أفضل أنواع الاستثمار، والمحرك للتنمية والتقدم، والسبيل لتبوأ مكانة لائقة في المجال الدولي. كما يؤكد على أن الفشل والكبوات عاملان مهمان للنهوض وتلافي الأخطاء وبناء المستقبل. وقد رأينا في الكتاب أن لدينا من الإمكانيات البشرية، التي تستطيع رغم التفوق التكنولوجي والاستخباراتي الهائل للعدو، أن نصنع المستحيل وأن نتجاوز العوائق والعقبات، وما حرب أكتوبر 1973 وطوفان الأقصى عنا ببعيد. فهل تعي الدول العربية والإسلامية الدرس، وتنفق ما لديها من مال وقدرات فيما ينفع الأمة، ويحقق حريتها واستقلالها، ويصنع مستقبلها اللائق بها؟!

المصدر | عربي 21

Share this article on...

Comments

No comments yet. Be the first to comment!