تخيّل أن جماعةً من الحكماء تشتغل في الخفاء، في قلب بغداد أو البصرة في القرن الرابع الهجري، يكتبون إلى أخٍ مجهول يناديه كل منهم بـ"اعلم أيها الأخ" — وكأن الكون كله رسالة موجَّهة إلى عقلٍ واحد يتفتق في الظلام. هذا الكون الذي يسألونه: لماذا الأشياء هكذا وليست بغير ذلك؟ لماذا الأركان أربعة والأبعاد ثلاثة والعقل واحد؟ وهل في الخروج من عالم الكون والفساد نجاةٌ لنفس أثقلتها الهيولى؟
— التأطير المعرفي
لم يشهد الإسلام قرناً أكثر تناقضاً من القرن الرابع الهجري. هذا ما يكشفه طه حسين في مقدمته الشهيرة للرسائل، إذ يصف عصراً انحل فيه سلطان الخلافة العباسية في بغداد حتى صار الخلفاء أسرى لعناصر قصورهم، بينما كانت الحياة العقلية تزهر بما لم يُعرف له مثيل من قبل؛ فنضج العلم والفلسفة، وأزهر الشعر والنثر، ونهض التاريخ والجغرافيا. في هذا التناقض المذهل، حيث الانحطاط السياسي يسير جنباً إلى جنب مع الازدهار العقلي، وُلدت رسائل إخوان الصفاء.
الأزمة الكبرى التي كانت تعصف بالعالم الإسلامي ليست أزمة سياسية وحسب، بل هي في جوهرها أزمة تركيب: ورث المسلمون إرثاً يونانياً وفارسياً وهندياً ضخماً، ترجموه وشرحوه وفسروه، لكنهم لم يهضموه بعد. كان العقل الإسلامي يقف أمام تراث فيثاغورس وأفلاطون وأرسطو من جهة، وأمام نصوص القرآن والشريعة من جهة أخرى، دون أن يعرف كيف يجمع بين هذا العالم وذاك في بنية معرفية واحدة متماسكة. الفراغ الذي تصدّى له الإخوان لم يكن فراغاً في المعلومات، بل فراغ في المنهج التوحيدي الشامل.
ولم تكن جماعة الإخوان جماعة أكاديمية محايدة. يُرجّح طه حسين أنها من غُلاة الشيعة، ولعل لها أهداف إسماعيلية سياسية، كانت تريد قلب النظام السياسي السائد وسيلةً من خلال قلب النظام العقلي. إنهم يتبعون في ذلك مسلك الفيثاغوريين في المستعمرات اليونانية الإيطالية، الذين كانوا يرون أن تغيير نظام الأفكار شرط سابق لتغيير نظام الأمور. اشتغل الإخوان من وراء ستار، وكتبوا من دون أسماء، وحرصوا على تقطير علوم العالم كله في اثنتين وخمسين رسالة موجّهة إلى «الأخ» المجهول، لا إلى الملك، ولا إلى الحاكم، بل إلى كل روح تنشد الكمال.
— من العدد إلى الوجود: الرياضيات مدخلاً إلى الميتافيزيقا
يفتتح الإخوان رسائلهم بـ«الرياضيات» لا لأنها المرحلة الأولى في التعليم وحسب، بل لأن العدد عندهم ليس أداة حساب بل مفتاح تأويل الكون. تؤسس هذه الرسالة الأولى لمنطق يقوم عليه الصرح كله: «الفلسفة أولها محبة العلوم، وأوسطها معرفة حقائق الموجودات بحسب الطاقة الإنسانية، وآخرها القول والعمل بما يوافق العلم». أربعة أقسام في العلوم الفلسفية: الرياضيات، فالمنطقيات، فالطبيعيات، فالإلهيات. وداخل الرياضيات أربعة: الحساب فالهندسة فعلم النجوم فالموسيقى. هذا التدرج ليس تعسفياً، بل هو نفَس بنائي يعكس اقتناعاً راسخاً بأن الوصول إلى الإله يمر حتماً عبر أرقام إقليدس وأوتار فيثاغورس.
وفيما وراء ذلك، يستنبط الإخوان من مفهوم «الواحد» برهاناً أنطولوجياً صارماً: الواحد ليس عدداً ضمن الأعداد، بل هو أصل العدد وعلته، «والواحد واحد بالوحدة كما أن الأسود أسود بالسواد». ومن هذا التعريف الهندسي يُعبَر إلى التوحيد اللاهوتي عبر جسر لا تعسف فيه: كما أن الواحد موجود في جميع الأعداد محيط بها، كذلك الباري جل ثناؤه شاهد على كل موجود محيط به. يُحوّل الإخوان بهذه الصناعة الفكرية علم الحساب إلى برهان إيماني، وهو فعل معرفي مذهل لم يسبقهم إليه كثيرون بهذا الوضوح.
— من الهيولى إلى السماء: الطبيعيات بوصفها قراءة في المشيئة
يتفرغ الجزء الثاني لما يسميه الإخوان «الجسمانيات الطبيعيات»، وهي سبعة عشر رسالة تتناول: الهيولى والصورة والحركة والزمان والمكان، ثم السماء والعالم، ثم الكون والفساد، ثم المعادن والنبات والحيوان. لكن المنهج الحاكم هنا ليس الوصف التجريبي بالمعنى الحديث، بل هو الانتقال الدائم من الظاهرة الحسية إلى الدلالة الروحانية. الطبيعة عند الإخوان نص يُقرأ لا موضوع يُختبر، فكل ظاهرة كونية تشير إلى وحدة الصانع وكمال النظام.
تبلغ هذه الرسائل ذروتها في المعالجة البيولوجية للحيوان والإنسان، إذ تضع الجسم البشري في ميزان الفلك والكون: الإنسان عالَم صغير، والعالم إنسان كبير. هذه الثنائية المستمدة من فلسفة اليونان، كما يُنبّه المحقق في هامش الجزء الأول إلى أصلها الإغريقي (Macrocosme et Microcosme)، تحتفظ الرسائل بها لكنها توظفها توظيفاً إسلامياً، محولةً إياها من مجرد استعارة كونية إلى مبدأ ترابط ولحمة في النسيج الفلسفي كله.

يُشكّل الجزء الثالث من «النفسانيات العقليات» قلب المشروع وذروته الميتافيزيقية. يُبيّن الإخوان على رأي فيثاغورس أن طبيعة الموجودات «بحسب طبيعة العدد»، ثم ينشئون هرماً كونياً يوازي الهرم العددي في دقته ومنطقه: «كما أن الاثنين هو أول عدد نشأ من تكرار الواحد كذلك العقل هو أول موجود فاض من وجود الباري عز وجل، وكما أن الثلاثة ترتبت بعد الاثنين كذلك النفس ترتبت بعد العقل، وكما أن الأربعة ترتبت بعد الثلاثة كذلك الهيولى ترتبت بعد النفس». هذا التوازي الدقيق بين الأعداد والمستويات الوجودية يُفضي إلى نظرية فيض كاملة البناء: الوجود يتدفق من الواحد/الباري إلى العقل فالنفس فالهيولى فالطبيعة فالجسم فالأفلاك فالأركان فالمولّدات.
ما يُبهر في هذا الجزء هو وعي الإخوان بالإشكاليات الدينية التي يثيرها منهجهم. فهم يلمحون إلى أن كل حضارة أفرطت في نظرة واحدة: الثنوية في الثنائيات، والنصارى في التثليث، والطبيعيون في الطبائع الأربع، والفيثاغوريون وحدهم «أعطوا كل ذي حق حقه» حين قالوا إن الموجودات بحسب طبيعة العدد كله لا جزء منه. يُقدّم الإخوان هذا الاستيعاب الشامل بوصفه الموقف الفلسفي الأكثر نضجاً، في توطئة ذكية لمشروع التوليف الأكبر الذي يتوجه نحوه الجزء الرابع.
— من الشريعة إلى السحر: الإلهيات بوصفها حدود المعرفة
يُشكّل الجزء الرابع من «العلوم الناموسية الإلهية والشرعية» أكثر أجزاء الرسائل تعقيداً وإثارةً للجدل. يُقرر الإخوان أن الناس مختلفون في آرائهم ومذاهبهم كما هم مختلفون في صور أبدانهم وأخلاق نفوسهم، وأسباب هذا الاختلاف أربعة: اختلاف تركيب الأبدان وأمزجتها، واختلاف المناخات والبيئات، والتنشئة على عادات الآباء، وأخيراً تأثير الأفلاك والكواكب في المواليد. بهذه المعالجة يُفكك الإخوان مبدأ الاختلاف الديني والعقدي تفكيكاً علمياً، ويرفضون ضمنياً أن يكون الحق حكراً على ملة بعينها.
غير أن ما يُبهر ويُحيّر في آن هو أن هذا الجزء بالغ الرفعة يُختتم بمواد من السحر العملي وعلم السيمياء: رسالة تُفصّل وصفات تطويع الوحوش والسباع والطيور بتراكيب مخصوصة من دماء الحيوانات والأحجار والتعزيم الروحاني. هذا التنافر الظاهري بين الفلسفة المجردة والسحر التطبيقي ليس فجوة في المنطق، بل هو انعكاس لتصور الإخوان عن العلم الكلي الذي يضم كل ما هو موجود في العالم، من الإله إلى الكيمياء، من الرياضيات إلى أسرار الطبيعة. الحكيم الكامل عندهم ليس فيلسوفاً محضاً بل «جامع» بالمعنى الشامل: يعرف العقليات والمحسوسات والمبرهنات معاً.
— البراهين ميزان العقول: المعرفة والإيمان في توليف لا تناقض فيه
يُعلن الإخوان في الجزء الرابع أطروحتهم الأكثر جرأة في قولهم: «البراهين هي ميزان العقول كما أن الكيل والذرع والشاهين موازين الحواس». هذا التشبيه ينزع العقل والبرهان منزلة الحاكم المرجعي في الخلافات العلمية والعقدية، بما يعني أن الخلافات الدينية ليست خلافات إيمانية في جوهرها بقدر ما هي خلافات معرفية، وأن العلاج ليس في الغلبة السياسية بل في تطوير الأدوات المعرفية للإنسانية جمعاء. هذه أطروحة ثورية بمقاييس القرن الرابع الهجري، بل بمقاييس كثيرة أخرى لاحقة.
— الذروة الفكرية:
يُغلق الإخوان مشروعهم بـ«كلمة الختام» التي تُمثّل خلاصة الخلاصات: الهدف من كل هذه الرسائل الاثنتين والخمسين ليس تثقيف القارئ فحسب، بل تهيئته لرحلة تصاعدية من عالم الحواس إلى عالم المعقولات، ومنه إلى الإلهيات المبرهنة، لأن النفس الإنسانية «جملة مجموعة من جسد جسماني ونفس روحانية»، وكمالها يتحقق حين تتناغم قوتها الروحانية مع الحقائق الكلية الجامعة. الإنسان الكامل في رؤية الإخوان ليس العابد وحده ولا الفيلسوف وحده ولا العالِم وحده، بل هو من أحاط بجميع العلوم من الرياضيات إلى الإلهيات ثم عمل بها.
أما التساؤلات التي يتركها العمل مفتوحة، فهي تساؤلات بنيوية لا يملك النص حلولها الكاملة: كيف يُوفَّق بين نظرية الفيض الأفلاطونية وعقيدة الخلق الإسلامية؟ وكيف تُستوعب التعددية الدينية التي يصفها الإخوان بعين علمية باردة في إطار ديني يدّعي كل منه الحقيقة المطلقة؟ هذه الفجوات لم تُغلق، وربما أرادها الإخوان كذلك: مداخل يدخل منها القارئ بنفسه إلى الورشة العقلية.
المصدر| سالم يفوت

