
لكن في مقابل الاهتمام الغربي بأطروحة سعيد وخطابه النقدي المواكب لها، كان تلقي النقد العربي قد أخلف موعده «التاريخي» معها، نتيجة ارتباط النقاد العرب بالنقد الجديد من بنيوية وشكلانية، إلى درجة التبعية المقدسة للنظرية النصية. ولم يظهر الاهتمام بالنقد ما بعد الكولونيالي إلا في عقد التسعينيات، لا سيما على صفحات مجلة «الكرمل»، التي كان يرأس تحريرها الشاعر الفلسطيني محمود درويش، ثم اعتكف النقاد الحداثيون؛ من أمثال صبحي حديدي، وجابر عصفور، ومحمد برادة، ويمنى العيد وفخري صالح وأنور المرتجي، على نصوص هذا النقد وترجمتها، خاصة ما يتعلق بكتابات إدوارد سعيد والتعريف بها. واليوم نرى كيف تحوّل إدوارد سعيد إلى ملهم حقيقي لجمهرة من النقاد والدارسين، يرجعون إليه لفهم القضايا ذات الصلة بالدراسات الثقافية، التي تلحّ أو تُشْكل عليهم.
رغم هذه الحظوة التي لإدوارد سعيد داخل الفضاء الفكري العالمي، ما زال فكره لم يُقرأ بعد، ولا مشروعه نوقش على نحو عقلاني وعميق في المجال العربي؛ بحيث تكاد تغيب تلك الأعمال التي بوسعها مجاراة فكر إدوارد سعيد، سواء «بالترجمة والاستقبال في إعادة بناء أو إنتاج الخطاب»، على حد تعبير محمد بنيس. مثلما أن المؤسسة الجامعية التي من المفترض أن تفتح مثل هذه القنوات، ما تزال خارج لحظتها المعرفية، وما تمليه عليها رسالتها من التزام علمي وأخلاقي وانخراط جادّ في أسئلة العصر وتحولاته.
صحيح أن السجال الذي رافق النظرية ما بعد الكولونيالية، لم يكن يخلو من أشكال التسطيح والاختزال والتحريف، على نحو أفقدها الكثير من شروط صرامتها وقيمتها العلمية، حتى كادت أن تنقلب إلى «موضة»، أو إلى «بضاعة رائجة سريعة التسويق» حسب تعبير صبحي حديدي. بيد أنّ ثمة بعض الكتب الجديدة في المجال العربي تسعى بعمقها وشموليتها ونبرتها السجالية، وكذلك بصيغتها التركيبية، أن تحافظ على مسافة معقولة مما يجري على ميدان النظرية ويُنسب إليها؛ ليس آخرها الكتاب الذي صدر للناقد والأكاديمي المغربي يحيى عمارة، وعبره يقترح «قراءة في مشروع الفكر النقدي لإدوارد سعيد» (دار فضاءات، عمان 2026)، ناعتا إيّاه بأنه «طائر خارج السرب»، وبـ»المفكر الكوني النهضوي الإنساني». فقد ظل هذا المثقف التنويري ـ في نظره- مُعَلَّقاً بين ثقافات متعددة، فلم يصبه «السأم البودليري» طوال حياته، ولم يخش سلطة الامبريالي، والسياسي، والنقدي، والأيديولوجي؛ ليجد ذاته «داخل الأشياء وخارجها». إنه نسيج وحده، ومدرسته «مدرسةُ تفكير، يصعب تحديد خريطتها؛ أو تصنيف أفكارها، ومذاهبها؛ أو توجهات سياساتها». يعود يحيى عمارة إلى إدوارد سعيد ومشروعه الفكري، لأسباب عديدة
يلخّصها في:
إنه ما زال ذا راهنيّةٍ كبرى، فالأفكار والقضايا التي ناقشها ما فتئت تحظى بالتداول والانتشار على نطاق واسع، ولا يزال العالم عامة، والعالم العربي الإسلامي خاصة في حاجة إليها.
إنّ هذا المشروع يقع في صميم القضايا المرتبطة بالإنسان في تكوينه، ووضعه، وثقافته، وسياسته؛ ومن ثمة يطرح مجموعة من الأسئلة الدائمة والشائكة (الثقافة والمثقف، العلاقة بين الثقافة والإمبريالية، عالمية الأدب، العلاقات المتبادلة بين التاريخ والمجتمع والأدب، التفاعل بين الأدب والعلوم الإنسانية، منهجية حوار الذات مع الآخر، ثم المثاقفة بين الفكر العربي والفكر الغربي).
استطاع نَحْت عالمه على الفكر الإنساني المعاصر؛ فبفضل مكوناته الإبستيمولوجية، والفلسفية، والدلالية، والإستيطيقية كذلك، صار بوسع الفكر العربي المعاصر أن يفكك الفكر الغربي تفكيكا معرفيا وجماليا، ضمن رؤى نقدية تسعى إلى غربلة التفكير المتمركز حول ذاته؛ أي استطاع فتح خريطة الطريق إزاء الرؤى العربية للوعي بالآخر، وبثقافته، من دون الوقوع في أَسْر الانبهار به، بل عبر موالاة نقده وتفكيك مقولاته وفضح الجوانب السلبية فيها.
إن أثره الحقيقي يتجاوز مساحة النقد الأدبي الذي أبدع فيه، ليصل إلى الفضاء الفكري الذي يصل بدوره إلى مصائر الثقافات والأفراد، وإلى إحساس الشعوب بهويتها، وباحترامها لنفسها، ولتراثها، إزاء آراء الغرب واتجاهاته، التي عملت على طمس ذوات الشعوب المختلفة معها، وطعنِها، على الرغم ما في حُلَلها الثقافية من غنى، وخصوصية، وإبداع.
عبر هذا الوعي المتجذر بمصائر البشر والشعوب والأفراد، والإيمان بالتشابه القائم بين تجارب المنفيين والمقاومين، من أجل أوطانهم ولغاتهم وثقافاتهم، كانت فلسطين – دائماً- شجرة وارفة تلقي ظلالها ونهر مشاعرها المتدفقة على ما يكتبه، وذاكرة حية تنبض في وجدانه وفكره؛ فقد أمضى أكثر من نصف عمره يكتب آلاف الصفحات، ويحاضر، ويجول، ويناقش، ويجادل، في جميع أنحاء العالم، ويتحدث إلى أهم وسائل الإعلام وأكثرها عداوة لقضية شعبه: عن فلسطين، وعن اغتصاب فلسطين، والشتات الفلسطيني، والوجع الفلسطيني، والهوية الفلسطينية، والمقاومة الفلسطينية.
إنه يعيد إحياء الدور الرسالي للمثقف، الذي تلاشى في الغرب بتأثيرات العولمة، ونشوء الشركات متعددة الجنسية، التي بدأت تُوَظِّف المثقفين والأكاديميين، ليقدموا لها خبراتهم بِغَضِّ النظر عن التأثيرات السلبية التي تنشأ عن ذلك كله. فهذا المثقف الذي يستطيع بواسطة الالتزام والتزود بثقافة الممانعة، أن يعيد تموضع فكره من جديد، فيما هو يستشرف آفاقا متعددة قابلة لـ»السيرورة»، و»الاستجابة»، والتأقلم مع الكثير من الإشكاليات الإنسانية القديمة/ الجديدة.
قراءة تركيبية- حوارية
يعود يحيى عمارة إلى إدوارد سعيد وإلى مشروعه الذي تكمن قوته في الأسئلة التي أثارها، ويسعى في هذا الكتاب للإحاطة بجوانب مهمة منه، لا سيما أنه عاد إلى بيبليوغرافيا موسعة ليصنع من ذلك ما يشبه «دليلاً عمليّاً» يجعله في متناول قراء هذا المفكر الإشكالي ومتعدد الروافد، بلغة ميسرة لا تعدم جهازها الاصطلاحي والوصفي ووجاهتها النقدية، في لملمة تلك الأفكار والقضايا ذات الصلة بسيرة سعيد ونظريته وسيرورة فكره. ففي جعبة المفكر زهاء ثلاثين كتابا في مواضيع عديدة جدا ومتشعبة؛ من النقد الفكري الاستشراقي، إلى الطرح الثقافي النقدي بكل ظواهره وقضاياه، من التنظير الأدبي، والنقدي إلى الإبداع النقدي المحدد في تحديد المفاهيم الجديدة، وانتقاد المرجعيات من أجل تصحيحها، وتجاوز أفكارها، لأن معرفته كانت تسعى دوما إلى البحث عما جَدَّ في الأدب، والنقد، والفكر؛ إما دراسةً؛ وإما مقارنةً بين ثقافة الغرب نفسها، وثقافة الغرب والشرق في غالب الأحيان. لكنه يختار بين هذه المؤلفات: «الاستشراق»، و»تغطية الإسلام»، و»العالم والنص والناقد»، بالنظر إلى قيمتها النقدية والفكرية العالية داخل المشروع برمّته.
لا شك في أن كتاب «الاستشراق»، كما قال أحدهم، مثير للمشاكل، وكل عودة إليه تزيدها تعقيدا بالنظر إلى ما احتشد في الكتاب من أسئلة متراصّة وبالغة الخطورة. لكن الكتاب يمثل لحظة معرفية نادرة في تاريخ الفكر؛ فهو «من الكتب المؤسسة الجريئة للحظة اتخاذ المثقفين العرب بكل طبقاتهم، ودرجاتهم، الكلمةَ للحديث في مجالات المعرفة الغربية بروح معرفية نقدية بَنَّاءةٍ». ولذلك فإنّ الاستشراق ما زال بحاجة ماسة إلى المزيد من القراءة، والاستيعاب، ومراجعة الخطاب المعقد الذي أنتجه، لا سيما داخل العلاقة الشائكة بين الشرق والغرب التي تخضع لمكونات معرفية لا حصر لها. مثلما عمل في كتابه «تغطية الإسلام» على فضح سرود النظرة الغربية للإسلام، والآليات التي تتحكم بصناعة صورته في وسائل الإعلام الأمريكية، عبر التنميط الذي تأثر بالنظرية الاستشراقية الضيقة، لا سيما أنّ «معرفة الإسلام والشعوب الإسلامية، كما يقول سعيد، نشأت وترعرعت لا من الهيمنة والمواجهة فحسب، وإنّما من الكراهية الثقافية أيضا». في حين يقدم «العالم والنص والناقد» فائدةً عظمى بخصوص النظرية الثقافية المعاصرة، والمفاهيم الرئيسة المتعلقة بالنقد الجديد ومصطلحاته؛ فهو كتاب تأسيسي يواصل فيها المُفَكِّرُ العملَ على الموضوعات التي سبق أن عالجها في «جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتية»، و»الاستشراق» و»بدايات». فالكتاب يبقى الأكثر تخصّصاً في مجال النظرية الأدبية وملامحها العامة عبر قرنين من الزمن، ويتوتر بين «نقد النقد»، والنقد الاستراتيجي داخل حركة الثقافة والمجتمع، إلا أنه لم يأخذ المكانة التي كان يستحقّها نظير ما فيه من اجتهادات والتماعات نقدية باهرة، وفي طليعتها النقد الدنيوي.
لا يكتفي الباحث بعرض ما في هذه الكتب من آراء وقضايا شائكة (الاستشراق، نظرية الأدب، التجنيس، التعالق بين النقدي والمعرفي، النقد الدنيوي، المنفى، تمثيلات المثقف، الهجنة الثقافية، النقد الطباقي، إلخ)، بل إنّه يقترح قراءة تركيبية- حوارية تُصْغي لـ»ما فيه اعتبار» في الإياب والذهاب، وعبرها يعتكف على مناقشة هذه القضايا المعرفية والنقدية التي طرحها في تلك المؤلفات – المفاتيح، لكونها تشتمل على أهم الأفكار المؤثثة لهذا المشروع في سيرورته وعلى عقود امتداد تطوره والسجال الذي اكتنفه وأُثير حوله. مثلما يقترب، ضمن الإشكاليات التي أثارها، إلى التعرف على مصادر الكاتب وأهمّ المراجع التي استلهمها في مشروعه (جوزيف كونراد، غيامباتستا فيكو، وميشال فوكو)، وتأخذك إلى ذلك الفضاء الفكري الذي يزداد إثمارا وأناقة في حديقة الفكر الإنساني.
ما زال فكر إدوار سعيد، في حياته الزاخرة، أو بعد رحيله منذ نحو قرن، ذا راهنيّة مشهودة في الأعمال الفكرية التي تتناوله على بساط المراجعة والتحليل والنقد، وحية تنبض في وجدان أحرار العالم المأخوذين بنداء فلسطين وفاجعتها الكبرى؛ فهو ما زال بين ظهرانينا يرى ويحاضر ويقدم سرديته المشعة بالجمال والأناقة والحق في مواجهة السلطة، كما يليق بنص مفتوح على العالم يجعل من السرد أداةَ وجودٍ ومقاومةٍ وتحدٍّ للصمت، ويجعل من إصغائنا له شبيهاً بدَيْنٍ عظيمٍ تجاه ذلك الدرس البهيج الذي لا يسقط بالتقادم ولا بالتراجع في أزمنة التأتأة والخذلان.
المصدر | القدس العربي

