موسوعة كتبها رجل يراقب إمبراطورية تتهاوى ويُدرك أن ذاكرتها ستضيع معها.. الرجل الذي سافر إلى نصف العالم وكتب كل شيء خشية أن يُنسى كل شيء.. "مروج الذهب ومعادن الجوهر" للمسعودي
● البداية: رجل يقف على رصيف عالم ينهار
القرن العاشر الميلادي. بغداد.
الخليفة العباسي موجود لكنه لا يحكم. البويهيون يُديرون الأمور الفعلية. والحضارة التي أنتجت الكندي والفارابي والرازي وبيت الحكمة تتفكك ببطء أمام عيني رجل واحد.
وهذا الرجل قرر ألا يصرخ ولا يندب. قرر أن يكتب. كل شيء. التاريخ والجغرافيا والدين والأساطير وعجائب الدنيا وأخبار الملوك وقصص المجانين والحكماء.
اسمه المسعودي. ولُقّب "هيرودوت العرب." وكتابه مروج الذهب ومعادن الجوهر هو المحاولة الأكثر جرأة في التاريخ الإسلامي لاحتواء العالم بأكمله بين دفتي كتاب.
ولم يكن محايداً في ما كتب. كان خائفاً ومتحمساً وحكيماً ومُتحيّزاً وصادقاً وماكراً في آنٍ واحد.
● الرجل قبل الكتاب: من بغداد إلى الهند إلى مصر
وُلد علي بن الحسين المسعودي في بغداد حوالي عام 896 ميلادياً. أسرته تنتسب إلى عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل. وتعلم على يد كبار علماء عصره النحو والحديث والفلسفة.
ثم سافر. وسافر. وسافر.
في عام 915 ميلادياً غادر بغداد ولم يستقر. وصل إلى فارس. ثم الهند مرتين. ويُقال إنه وصل إلى سريلانكا وحدود الصين. ثم الشام ومصر وأرمينيا وجورجيا. وطاف ساحل أفريقيا الشرقية.
لم يكن سائحاً. كان باحثاً. في كل مدينة جلس مع العلماء والتجار والملاحين والرهبان. وسأل. وكتب ما سمع وما رأى.
ومات في مصر عام 956 ميلادياً. وترك موسوعة لا تشبه ما قبلها ولا ما بعدها.
● ما هو "مروج الذهب"؟ الكتاب الذي يحتوي العالم
"مروج الذهب" ليس تاريخاً بالمعنى التقليدي. ليس سرداً لأحداث مرتبة زمنياً. وليس كتاباً يبدأ ببسملة وينتهي بخاتمة.
هو شيء أقرب إلى مكتبة واحدة.
يبدأ من آدم. ثم ينتقل إلى الأنبياء. لكنه لا يروي الرواية الإسلامية وحدها. يدمج روايات التوراة والإنجيل وأساطير الفرس والهنود. ثم ينتقل إلى تاريخ الأمم: الفرس والروم والهنود والصينيين والترك والسلاف والإفرنج. ثم إلى العرب قبل الإسلام. ثم إلى التاريخ الإسلامي من النبي وحتى عصره.
وفي كل هذا يُقحم ملاحظاته الشخصية. ما رآه في الهند. ما سمعه من ملاح في البحر الأحمر. ما قرأه في كتاب فارسي قديم. ما روى له تاجر صيني.
فيصبح الكتاب شيئاً لا يُصنَّف بسهولة: نصف تاريخ ونصف رحلة ونصف فلسفة ونصف علم طبيعي.

ما يجعل المسعودي مختلفاً عن معظم مؤرخي عصره هو شيء بسيط لكنه كان نادراً: النقد.
حين يجد روايتين متضاربتين عن حدث واحد لا يختار الأسهل ولا الأكثر شيوعاً. يعرضهما معاً ويتأمل. ويستخدم معرفته بالجغرافيا والعلوم لتقييم أيهما أقرب للمعقول. وأحياناً يقول صراحة: "هذا غير مقبول لأن..."
وهذا في القرن العاشر الميلادي كان جرأة فكرية حقيقية.
حين يتحدث عن التيارات البحرية، يستند إلى ما لاحظه بنفسه لا إلى ما سمعه فقط. وحين يُناقش أساطير الأمم يُفرّق بين ما هو تاريخ وما هو خرافة دون أن يرمي الخرافة بالكامل لأنها تكشف شيئاً عن طبيعة الشعوب التي اعتقدتها.
● الهند عند المسعودي: العالم الغريب الساحر
من أجمل فصول الكتاب وأكثرها إثارة ما كتبه عن الهند.
يصف الهند كعالم يجمع المتناقضات. حضارة عريقة في الطب والرياضيات والفلسفة. ولكن أيضاً نظام اجتماعي قاسٍ. ويصف طقوساً لا يُخفي دهشته منها. ويروي عجائب الطبيعة هناك: أشجاراً لم يرَها من قبل. حيوانات تُذهل العقل. ومعابد بُنيت بعلم لا يستطيع تفسيره.
وكل هذا بعين من زار لا من قرأ فحسب.
وهذه العجائب في الكتاب ليست مجرد ترفيه. هي رسالة خفية: العالم أكبر من أي عقيدة. والله الذي خلق هذا التنوع الهائل لا يُختزَل في رواية طائفية ضيقة.
● المسعودي والسياسة: شيعي في عالم سني
المسعودي كان شيعي المذهب. وهذا معروف في المصادر التاريخية.
لكنه كتب كتابه في بغداد السنية لجمهور معظمه سني. فاختار طريقاً دقيقاً.
لا يهاجم الصحابة صراحة. ولا يُشن هجوماً مباشراً. لكن حين يروي أخبار الفتنة الكبرى وأحداث صفين وكربلاء، يختار الروايات التي يروي فيها. ويُقدّم علياً بعين لا تخفي إعجابها. ويروي نقد معاوية بطريقة يقول فيها "قيل" و"رُوي" لكن يختار ما يُورده.
هذا ما يُسمّيه المؤرخون "الكتابة بالتلميح." وهو فن يتقنه من يعيش في ظل سلطة لا يُوافقها.
● بغداد التي كتب فيها: آخر لحظات العظمة
لفهم لماذا كتب المسعودي هذا الكتاب لا بد من فهم بغداد التي عاش فيها.
البويهيون الشيعة دخلوا بغداد عام 945 ميلادياً وجعلوا الخليفة العباسي مجرد ديكور. والخلافة التي كانت مركز العالم صارت مشهداً رثاء.
وفي نفس الوقت القاهرة الفاطمية تؤسس خلافة شيعية. وقرطبة الأموية تُحيي خلافة سنية. وفارس والأناضول يتفككان إلى دويلات.
كل طرف يكتب تاريخه الخاص. كل طرف يروي الإسلام كما يُريد.
والمسعودي رأى هذا وقرر أن يفعل شيئاً أكثر جرأة من الانحياز: أن يجمع كل الروايات ويتركها تتحاور أمام القارئ. وهذا موقف أكثر صعوبة من الانحياز لأنه يجعل الجميع يشكّ فيك.
● ما ضاع أكثر مما بقي
المسعودي كتب ما لا يقل عن عشرين عملاً. ربما أربعين. وصل إلينا منها القليل.
كتاب "أخبار الزمان" ضاع. وكتاب "الوسط" ضاع. و"أسرار التنزيل" ضاع. وعشرات غيرها طواها النسيان.
ما وصل إلينا هو "مروج الذهب" و"التنبيه والإشراف" وأجزاء متفرقة.
وهذا الضياع الهائل يُضيف طبقة مؤلمة على الكتاب. الرجل الذي أمضى حياته محارباً النسيان وقعت معظم كتبه ضحيته. وما تبقى هو جزء صغير من عقل كان أكبر مما نتصور.
● ما بين سطور المروج الذهبية وما لم يقله المسعودي صراحةً..
الكتاب يحمل رسائل لم تُصرَّح بها.
الأول هو أن التاريخ لا رواية واحدة له. المسعودي في كل مرة يعرض روايتين متضاربتين دون حسم يقول ضمناً: من يدّعي أنه يملك الرواية الوحيدة الصحيحة كاذب. والتواضع الفكري ليس ضعفاً. هو الأمانة الوحيدة.
الثاني هو أن الحضارة تنتمي للجميع لا لأمة واحدة. الهنود والفرس والروم والصينيون كلهم في كتابه. لأنه يرى أن الإسلام ورث من كل هؤلاء. ومن يُنكر هذا الإرث يُنكر جزءاً من نفسه.
الثالث هو أن العقل أمانة. المسعودي ينتقد الروايات. يُمحّص. يشك. وهذا في عصره كان يعني أنه لم يُسلّم عقله لأي سلطة.
● الخاتمة: هيرودوت العرب
لُقّب المسعودي بـ"هيرودوت العرب." وهذا لقب جميل لكنه قاصر.
"" انا خالد حســــــين لا احب هذا الهيرودوت لاني اراه غير اهل للقبه بأبو التاريخ لانه عندما كتب عن مصر كذب كثيرا..."
هيرودوت كتب عن الحروب اليونانية الفارسية. والمسعودي كتب عن العالم كله من آدم إلى القرن العاشر الميلادي.
هيرودوت ربما لم يتجاوز البحر المتوسط. والمسعودي بلغ الهند.
هيرودوت كتب بلغة واحدة عن حضارات بضع. والمسعودي احتوى في كتابه عشرين حضارة.
لكن أعمق ما يجمعهما هو هذا: كلاهما كان يعرف أن الزمن يأكل كل شيء. وكلاهما جلس يكتب بسرعة قبل أن يأتي النسيان.
فارق واحد: هيرودوت نجا معظم كتابه. والمسعودي ضاع معظمه. وما تبقى يكفي لنعرف كم كان هائلاً ما ضاع.
والان السؤال لك انت..
"المسعودي يرفض تقديم رواية واحدة للتاريخ ويعرض المتناقضات معاً. فهل هذا تواضع فكري حقيقي أم هروب من المسؤولية؟ وهل من يعرض كل الروايات دون اختيار يخدم الحقيقة أم يُضيّعها؟"
والى روايات وكتب أخرى قريبا ان شاء الله
الكاتب والروائى خالد حسين

