موسوعة كتبها عالم يؤمن بأن الحقيقة لا تُملك بل تُبحث.. الرجل الذي دُفن ليلاً خفيةً لأن الحشد رمى جثمانه بالحجارة "تاريخ الرسل والملوك" للطبري
البداية: جنازة لا يحضرها أحد في وضح النهار
بغداد. عام 922 ميلادياً.
مات رجل بلغ الثمانين. كتب موسوعة تبدأ من آدم وتنتهي في زمنه. وكتب أعظم تفسير للقرآن في تاريخ الإسلام. وجلس تحت أقدام أكثر من أربعمئة وسبعين شيخاً في رحلة استغرقت سنوات عبر نصف العالم الإسلامي.
وحين مات، أراد أهله أن يدفنوه كما يُدفن العلماء: بصلاة جنازة علنية يحضرها الناس.
لكن جموعاً من العامة، يُقال إنهم من أنصار مذهب متشدد، تجمعوا. واتهموه بالتشيع. وبالتقصير في حق إمام عظيم. ورموا جثمانه بالحجارة.
فدُفن ليلاً. في الظلام. خوفاً من الحشد.
رجل أمضى عمره كله يحاول أن يكون عادلاً مع كل الروايات، مات وهو يُعاقَب على عدله.
● الرجل قبل الكتاب: طفل من جبال طبرستان
وُلد أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري عام 839 ميلادياً في مدينة آمل، عاصمة إقليم طبرستان التاريخي، على ساحل بحر قزوين في إيران اليوم.
طبرستان لم تكن منطقة عادية. أهلها من الديلم. شعب جبلي صلب عنيد. من آخر الشعوب الإيرانية التي اعتنقت الإسلام. وحتى بعد إسلامها احتفظت بهويتها الجبلية المستقلة. منطقة كانت دائماً على أطراف الإمبراطورية لا في قلبها.
والد الطبري رجل بسيط لكنه قدّر العلم. ويُروى أنه رأى رؤية: ابنه يقف بين يدي النبي محمد يحمل كيساً من الحجارة الصغيرة ويرميها أمامه. وحين سأل المفسرين قالوا له إن ابنه سيخدم دين الله ويصبح من حماة الشريعة.
سواء صدقت الرواية أو كانت من نسج الخيال الشعبي بعد شهرته، فإنها تعكس التوقعات الضخمة التي حُملت على هذا الطفل منذ البداية.
وبدأ الطفل يُثبت ذلك مبكراً. حفظ القرآن كاملاً قبل أن يبلغ العاشرة. بينما كان أقرانه يلعبون كان هو يقرأ ويكتب ويحفظ الحديث.
● رحلة العلم: سبعون شيخاً في كل مدينة
في مرحلة المراهقة قرر الطبري قراراً سيُغيّر حياته بالكامل: ترك آمل، بلدته الصغيرة، وانطلق في "الرحلة في طلب العلم."
كانت هذه عادة شائعة بين طلاب العلم. لكن قلة قليلة قامت برحلة بهذا الحجم والاستمرار.
غادر آمل وهو لم يبلغ العشرين. توجه أولاً إلى مدينة الري، قرب طهران الحالية، ودرس الفقه والحديث على أشهر شيوخها. ثم واصل إلى بغداد، عاصمة الخلافة وأكبر مدينة في العالم وقتها. جلس في حلقات العلم لأبرز المحدثين والفقهاء من مذاهب مختلفة.
ثم البصرة والكوفة. ثم عبر الصحراء إلى مكة والمدينة، ينهل من معين الحرمين. ثم شمالاً إلى الشام، أقام في دمشق وبيروت وبيت المقدس. ثم غرباً إلى مصر، أرض الفقهاء والمحدثين، حيث أقام فترة طويلة.
في كل هذه المدن جلس تحت أقدام مئات الشيوخ، يكتب ما يُملونه، يضبط أسانيدهم، يحفظ متونهم. المصادر تذكر أنه أخذ العلم عن 475 شيخاً. رقم شبه أسطوري. كل واحد منهم في مدينة مختلفة، وكل واحد ينقل له تراثاً مختلفاً.

من أكثر القصص التي تُروى عن هذه الرحلات حكاية مؤلمة ومُضيئة في آنٍ واحد.
في مصر، اشترك الطبري مع ثلاثة من أعلام العلم في زمانه: محمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن هارون الروياني. أربعة من أعظم علماء العصر، يعيشون في منزل صغير واحد.
وفي إحدى الليالي لم يكن معهم طعام ولا نقود. وأصابهم الجوع الشديد حتى كادوا يهلكون.
فاقترعوا. من يخرج اسمه يذهب إلى أحد الأمراء أو التجار يطلب المساعدة.
خرجت القرعة على ابن خزيمة.
ذهب. وصادف أن الأمير كان قد رأى رؤية في منامه تأمره بإطعام "المحامد الجياع." فأرسل إليهم خمسين ديناراً لكل واحد.
هذه الحكاية الصغيرة تقول كل شيء عن عالم طلب العلم في القرن التاسع. أربعة من أعظم العقول في عصرهم يقترعون على من يستجدي الطعام. هذا هو الثمن الحقيقي للمعرفة التي صنعت تاريخ الطبري.
● بغداد التي كتب فيها: إمبراطورية تتهاوى في أوج عظمتها الثقافية
حين استقر الطبري في بغداد بعد رحلاته، كانت المدينة تعيش تناقضاً مذهلاً.
من ناحية، هي في قلب أعظم نهضة علمية عرفها العالم الإسلامي. الترجمة من اليونانية مستمرة. بيت الحكمة الذي أسسه المأمون لا يزال يُلهم. الفلسفة والطب والفلك في ازدهار.
ومن ناحية أخرى، الخلافة العباسية تتفكك بسرعة مرعبة. الخلفاء أنفسهم صاروا دمى. القرار الحقيقي في أيدي قادة عسكريين من أصول تركية يُعينون الخلفاء ويعزلونهم كما يشاؤون.
والطبري كان شاباً حين اغتيل الخليفة المتوكل عام 861 على يد جنوده الأتراك. مشهد هزّ وعي المسلمين في ذلك العصر بأكمله: إذا كان "أمير المؤمنين" وظل الله في الأرض يُقتل على يد حرسه الخاص، فأي يقين تبقى في الدنيا؟
وفي الشرق، سلالات محلية كالطاهريين والصفاريين والسامانيين تنخر في جسد الخلافة كقوى شبه مستقلة. وفي مصر، أحمد بن طولون أسس دولة لا تخشى بغداد. وفي المغرب والأندلس، خلافات منافسة تتشكل.
ووسط هذا التشظي السياسي، كانت الساحة العقائدية مشتعلة أيضاً. المعتزلة يرفعون العقل فوق كل شيء، وقد سُجن الإمام أحمد بن حنبل في "محنة خلق القرآن" بسببهم. والفلاسفة كالكندي والفارابي يبنون أنظمة معرفية يونانية بلغة إسلامية. وعلماء الكلام من كل الاتجاهات يُكفّر بعضهم بعضاً. والقوى الشيعية المختلفة - الإسماعيلية والزيدية والاثنا عشرية - تتبلور كمشاريع بديلة كاملة للحكم والمعرفة.
هذا هو العالم الذي قرر الطبري أن يكتب فيه تاريخ كل شيء.
● الكتابة التاريخية قبل الطبري: فجوة لم يرها أحد
قبل الطبري، كانت الكتابة التاريخية العربية متنوعة لكن مبعثرة.
"أيام العرب": سرديات حروب القبائل قبل الإسلام، تُروى شفهياً في مجالس الشعر.
"المغازي": سير النبي وغزواته، بدأها عروة بن الزبير ووصلت قمتها مع ابن إسحاق وسيرته الجامعة.
"السير": أخبار الخلفاء والولاة.
"الطبقات": ترجمات الصحابة والتابعين، ابتدعها ابن سعد.
"التواريخ" العامة: ظهرت في القرن الثالث الهجري لكنها كانت موجزة، مثل تاريخ خليفة بن خياط.
لكن لم يكن هناك "تاريخ عالمي واحد" يبدأ من الخلق وينتهي بزمن المؤلف، يغطي كل الأمم، ويعتمد منهجية واضحة في التعامل مع الروايات المتناقضة.
هذه الفجوة هي ما جاء الطبري ليملأها. لم يكتب "كتاباً في التاريخ" فحسب. أسس تقليداً جديداً بأكمله: الموسوعية التاريخية. أن يجلس مؤرخ واحد ويكتب تاريخ العالم كله، مستعيناً بكل المصادر المتاحة، بالأسانيد كاملة، دون خوف من التكرار والتناقض، ودون أن يُخفي عن القارئ تعدد الأصوات.
وبعد الطبري، صار هذا النموذج الذي يقلده كل من أراد كتابة تاريخ إسلامي شامل: مسكويه وابن الأثير وابن كثير، وصولاً إلى المؤرخين المعاصرين.
● الكتاب: أربعة أقسام تحتوي العالم
القسم الأول: من الخلق إلى خاتم الأنبياء
يبدأ الطبري بـ"بداية الخلق." يروي قصص آدم وأبنائه، وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وأيوب وشعيب وموسى وهارون والخضر ويوشع وداوود وسليمان وإلياس وإليسع ويونس وذو الكفل وزكريا ويحيى وعيسى، وأخيراً محمد. عليهم جميعا السلام
والمميز هنا أنه لا يكتفي بالرواية الإسلامية وحدها. يُدمج طبقات من "الإسرائيليات" - روايات أهل الكتاب - مع اجتهادات المفسرين والمؤرخين السابقين. لم يكن يخاف من هذه الروايات كما خاف غيره، لأنه رأى فيها - بحذر ونقد - نافذة لفهم كيف تعامل اليهود والنصارى مع تراثهم النبوي.
القسم الثاني: تاريخ الأمم قبل الإسلام
ينتقل إلى الفرس والروم والهنود. وهنا يُخصص مساحة استثنائية - خصوصاً للفرس - لسرد ملوكهم من كيومرث الأسطوري إلى يزدجرد الثالث آخر ملوك الساسانيين.
هذا القسم بمثابة ترجمة عربية كاملة لتاريخ إيران القديم. والمستشرق تيودور نولدكه نفسه لاحظ أن معلومات الطبري عن الساسانيين تفوق دقةً ووفرة ما نجده في أي مصدر إسلامي آخر.
القسم الثالث: سيرة النبي
من المولد إلى الهجرة إلى الغزوات إلى حجة الوداع إلى الوفاة. ليست سيرة "نضرة" بالمعنى الأدبي الذي كتبه ابن إسحاق أو ابن هشام، لكنها مصدر أصلي استثنائي ينقل روايات فُقدت أصولها في مصادر أخرى.
القسم الرابع: الخلافة - الثلثان الأخيران من الكتاب كله
أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم الأمويون، ثم العباسيون حتى عام 302 هجرية. هذا القسم يتناول أكثر الفترات تعقيداً: الفتوحات، الفتن، الصراعات على السلطة، سقوط الأمويين، صعود العباسيين، دخول الأتراك، تفكك الخلافة.
● المنهج: حارس الصوت لا صاحب الصوت
ما يُميّز الطبري عن كل من سبقه هو الإسناد الكامل لكل خبر. لا يقول "وقعت المعركة." يقول "حدثني فلان عن فلان عن فلان أن المعركة وقعت."
هذا إرث من علم الحديث. لكن الفرق الجوهري: المحدث يبحث عن خبر صحيح واحد ويترك الضعيف. الطبري يجمع كل الأخبار المتاحة، صحيحها وسقيمها، ويعرضها أمام القارئ دون حسم.
وفي مقدمته يُعلن صريحاً: ما يستنكره القارئ من أخبار غريبة فلم يأتِ من قِبَله، بل من قِبَل ناقليه إليه، وهو فقط أدّى ما أُدّي إليه.
هذا الإعلان حيلة وذكاء بقاء في آن واحد. هو يقول: "أنا قناة فقط." لكن هذا الموقف هو مسؤولية كبرى أيضاً، لأن جمع كل هذه الأصوات المتضاربة يجعل كتابه مرآة لحالة المعرفة في عصره بكل تناقضاتها.
ويلتزم بأسلوب الحوليات: يبدأ كل عام بـ"سنة كذا" ثم يذكر أحداثها بترتيب زمني صارم، خلافاً لابن إسحاق الذي جمع الأحداث موضوعياً.
ويرفض "الجمع" بين الروايات المتضادة في رواية واحدة متماسكة. يتركها متضادة، متشابكة، أحياناً تتهم بعضها بالكذب. ويترك القارئ يختار، أو يحار.
● ما بين السطور: ما لم يقله الطبري صراحةً
أولاً: التوتر بين النص المقدس والتاريخ الوضعي
الطبري، صاحب أكبر تفسير للقرآن، يعرف الحدود بين النص المقدس والمرويات التاريخية. لكنه في تاريخه يضع الروايات التاريخية أحياناً على قدم المساواة مع النصوص الدينية، بل يُقدّم عليها.
في عصر كان الحديث عن "علو النص" يصل حد التقديس المطلق، هذا التوجه - لولا أنه محجوب خلف أسانيد الرواة - كان قد يُعرّض صاحبه للتكفير.
ثانياً: التهكم على الخلفاء - القصة التي لا تُروى صراحة
اقرأ أجزاء الطبري عن الخلفاء العباسيين المتأخرين. سترى نمطاً متكرراً: رواية تذكر أن الخليفة كان غارقاً في اللهو والشراب، أو عبداً لجارية، أو خرج في موكب من البذخ بينما الناس يجوعون في الشوارع. ثم - دون تعليق - رواية أخرى تذكر أن الخليفة نفسه كان "زاهداً عابداً ورعاً."
هذه التقنية، "الجدل عبر التضاد"، أداة بارعة لقول ما لا يُقال. الطبري لا يقول "هذا الخليفة فاسق." يضع رواية "فلان" المجهول الذي اتهمه، ثم رواية "علان" الثقة الذي مدحه. وعقل القارئ يبدأ يعمل: كيف يكون الخليفة زاهداً وفاسقاً معاً في رواية نفس المؤرخ؟ ماذا يعني هذا؟
الطبري لا يُقدّم إجابة. يُقدّم سؤالاً. والأسئلة أحياناً أخطر من الأجوبة.
ثالثاً: تحيز غير معلن نحو الفرس؟
الطبري فارسي من أصل ديلمي. وعصره يشهد صراع "الشعوبية" بين العروبة والفرس، حيث يطالب بعض الفرس بالمساواة، بل بالتفضيل، في العلم والإدارة والسياسة.
في الظاهر هو "سني" لا يفرّق بين مسلم ومسلم. لكن انظر كيف يعرض أخبار الفرس قبل الإسلام: مساحة غير مسبوقة، ملوكهم الأسطوريون، أساطيرهم وملاحمهم، بحب وتفصيل لا نراه في أخبار الروم أو الهنود. أما أخبار العرب قبل الإسلام، فيرويها، لكن دون ذلك العشق نفسه، دون نفس الغوص في التفاصيل.
لماذا لم يقل صراحة: "للفرس حضارة عظيمة تستحق التقدير"؟ لأنه يعرف حساسية الموضوع. في عصر الصراع العربي الفارسي، أي إعلاء صريح للفرس قد يكلفه حياته. فترك القارئ يستنتج هذه الأفضلية من كمية التفاصيل ومستوى الحبكة نفسها.
رابعاً: معركة صفين - المؤرخ الحائر بين الفتنة والعدالة
أعظم اختبار لنزاهة أي مؤرخ مسلم هو موقعة الجمل وصفين، قضية علي ومعاوية وطلحة والزبير وعائشة. كل مؤرخ يواجه إغراء الانحياز: للجانب العلوي، أو الأموي، أو الخارجي.
الطبري يفعل شيئاً عبقرياً: يقدم كل الروايات الممكنة. مئات الصفحات. روايات موالية لعلي، روايات موالية لمعاوية، روايات "محايدة." ثم يترك القارئ في حيرة. لا يخبرنا من كان المحق ومن كان المبطل.
لكن هل كان حيادياً حقاً؟ القراءة المتأنية تكشف ميلاً واضحاً لجانب علي. كيف نعرف؟ لأنه يخصص مساحة أكبر لتبرير موقفه، ويقدم حججه في التفاوض مع معاوية بتفصيل أكبر، بينما روايات معاوية تظهر عادةً "معترضة" أو "مقتضبة." علي يبدو رجل مبدأ، ومعاوية رجل مصلحة، دون أن يُصرّح الطبري بهذا أبداً.
هذا الانحياز غير المعلن ليس عيباً بل صدقاً. لأن أي مؤرخ يحاول أن يكون "محايداً تماماً" هو إما جاهل بنفسه أو مخادع. لا توجد "حقيقة مطلقة" في التاريخ. كل من يكتب التاريخ يكتب من داخل رغباته وخوفه وهويته. الطبري، بدلاً من إخفاء ذلك، جعله مكشوفاً من خلال طريقة ترتيب الروايات واختيار ما يُسهب فيه وما يُقلّل منه.
خامساً: رفض التفسير الواحد - اللاهوت الخفي في بناء الكتاب
الطبري يرفض رفضاً تاماً فكرة "التفسير الواحد" للتاريخ. نحن نطمئن لنظرية واحدة تفسر كل شيء: ماركس قدّم المادية التاريخية، ابن خلدون قدّم علم العمران، سبنجلر قدّم موت الحضارات.
الطبري يقول: "لا أستطيع أن أقدم لك نظرية واحدة. ما أستطيعه هو كل ما سمعته. أنت بعد ذلك تستنتج وتختار."
في عصر سعت فيه النخب الفكرية والكلامية إلى تفسير واحد للعالم - المعتزلة بالعقل، الأشاعرة بالكسب، الفلاسفة بالعقول العشرة - كان رفض الطبري للاختصار والتوحيد التفسيري بياناً فكرياً متطرفاً: الواقع أكبر من نظرياتنا. الحقيقة متعددة الأوجه. التاريخ كتاب مفتوح لا كتاب مقفل.
● حدود الموضوعية: هل كان الطبري "محايداً" حقاً؟
لعقود كان الرأي السائد في الأوساط الأكاديمية الغربية أن الطبري مجرد "جامع" و"ناقل" بلا رؤية خاصة. لكن دراسات حديثة، مثل بحث الباحثة أولريكا مارتنيسون عام 2005، ذهبت إلى أن تاريخ الطبري لا يخلو من تحليل اجتماعي وسياسي عميق. وأن الكتاب يقترح ضمناً نظاماً للحكم كحل لأزمات الخلافة العباسية.
باختصار، موضوعية الطبري ليست "لا موقف." هي "تعدد المواقف." يريد أن يُظهر أن أي قضية معقدة لا تُختزل في رأي واحد، بل يجب الاستماع لكل الأطراف ثم اتخاذ القرار بنفسك. وهذا ليس حياداً سلبياً بل تعددية إيجابية تحترم الاختلاف.
● ما افتقده الكتاب: نقد لازم
أولاً: غياب الأندلس تقريباً. مع أن الأندلس في عصر الطبري قطعت شوطاً كبيراً في بناء حضارتها تحت الخلافة الأموية، يكاد الطبري يتجاهلها. هل اعتبرها هامشاً؟ أم كانت مصادره عنها ضعيفة؟ أم كان هناك سبب سياسي لأنها تحت حكم أعداء العباسيين؟ لا نعرف، لكنه نقص كبير.
ثانياً: إهمال البعد الاقتصادي والاجتماعي. تاريخ الطبري هو تاريخ "الملوك والخلفاء والحروب والفتن." نادراً ما تجد فصولاً عن التجارة، الأسواق، الفلاحين، الطبقات الكادحة، أو النساء إلا في سياق الزيجات الملكية. تاريخ "من الأعلى" شائع في عصره، لكنه قاصر عن صورة كاملة للحياة اليومية.
ثالثاً: الإسرائيليات غير المُنقّاة. رغم قبوله بعض الإسرائيليات كنوافذ معرفية، اتُهم بعدم التمييز الكافي بين ما يفيد وما يضر، فأدخل أساطير لم تكن موجودة من قبل في التاريخ الإسلامي،
رابعاً: التكرار الممل. إصراره على ذكر كل رواية وكل سند جعل أجزاء كبيرة من الكتاب مكررة ومتطابقة تقريباً. نفس الخبر برواه أسانيد مختلفة، أحياناً متطابقة حرفياً. قيمة أكاديمية للباحث، لكنها مرهقة للقارئ العادي.
● النهاية: عزلة، ثم حجارة، ثم دفن في الظلام
في السنوات الأخيرة من حياته، تعرض الطبري لانتكاسة قاسية. أصدر رأياً في مسألة تتعلق بمكانة علي بن أبي طالب أو مسألة فقهية أغضبت فئة من العامة - وخاصة الحنابلة المتشددين الذين كانوا يتمتعون بشعبية واسعة. اتهموه بالتشيع، أو بالتقصير في حق الإمام أحمد بن حنبل.
حاول تهدئة الأمور دون جدوى. ازدادت الحملة، حتى اضطر للانسحاب إلى منزله والاختباء عن الأنظار. قضى أيامه الأخيرة في عزلة شبه تامة، وحيداً، بعيداً عن طلابه الذين كانوا يتدفقون عليه بالأمس.
مات سنة 922 ميلادية.
وحين أراد أهله دفنه، خرج جمهور غفير يرمي جثمانه بالحجارة. لم يجرؤ أحد على إقامة صلاة الجنازة عليه نهاراً. دُفن ليلاً، في خفاء، بعيداً عن أعين الحاقدين.
موت الطبري ليس نهاية عادية لعالم كبير. هو تجسيد مأساوي لسؤال لازمه طوال حياته: كيف يقول عالم الحقيقة ويعيش في نفس الوقت؟ كيف يكون موضوعياً نزيهاً دون أن يقطعه المتعصبون من كل جانب؟
●● الخاتمة: إرث متاهي
لا يمكنك قراءة "تاريخ الرسل والملوك" كما تقرأ كتاب تاريخ آخر. لا يمكنك تصفحه بهدوء، لأن في داخله ضجيج لا يُطاق. ضجيج مئات الرواة. أسانيد طويلة لا تنتهي. تناقضات صارخة: رواية تقول إن صفين كانت لصالح علي، وأخرى تقول إن معاوية المنتصر، وثالثة تقول لا أحد انتصر، ورابعة تقول إن الأمر ليس بالانتصار بل بالتقوى والعدالة.
هذا الضجيج هو جوهر تاريخ الطبري. لم يكتب حقيقة واحدة مطلقة. كتب "لعبة حقيقية" متعددة الاحتمالات، وتركها لنا. كمن يقول: "أنا لم أخلق الحقيقة. أنا فقط أشعلت ناراً، وتركت لكم أن تقتربوا منها بالقدر الذي تتحملونه."
هل كان راضياً عن هذا الشكل المتاهي؟ هل أراد أن يتركنا في حيرة؟ أو حلم بتاريخ "واضح" كتواريخنا المعاصرة، لكنه عجز بسبب طبيعة مصادره وقيود عصره؟ لا نعرف.
لكن هذا العمل المتاهي، رغم كل عيوبه، عمل فذ لا يمكن أن يتكرر. لأنه يحتاج رجلاً مثل الطبري: إنساناً آمن بأن الحقيقة ليست شيئاً نعثر عليه، بل شيئاً نبحث عنه طوال العمر، ونتحمل مسؤولية بحثنا أمام الله والتاريخ وأنفسنا.
■ الآن السؤال لك انت..
"الطبري يرفض تقديم رواية واحدة ويجمع المتناقضات معاً، تاركاً القارئ حائراً. فهل هذا الحياد المُعلن هو في حقيقته انحياز مُقنّع من خلال اختيار ما يُجمع وما يُسهب فيه؟ ومن يملك الحق في تقرير ما يُحفظ من التاريخ وما يُترك؟"
والى روايات وكتب أخرى قريبا ان شاء الله

