يُقدّم كتاب "أيّ مكان إلا هنا: قصص البحث عن الانتماء في بريطانيا الحديثة" (Anywhere But Here: Stories of the Search for Belonging in Modern Britain) للصحفية الحائزة على جوائز عدة والمسؤولة السابقة في وزارة الداخلية البريطانية، نيكولا كيلي، تحقيقاً استقصائياً كاشفاً وصادماً حول منظومة اللجوء البريطانية. الكتاب الصادر عن دار النشر "إليوت آند تومبسون" في مارس 2026، والذي أُدرج سابقاً في القائمة الطويلة لجائزة "مور" لحقوق الإنسان لعام 2025، يتجاوز لغة الأرقام الجافة والمصطلحات السياسية المسمومة السائدة في وسائل الإعلام، ليعيد إبراز البعد الإنساني الأخلاقي لقضية المهاجرين الذين يخاطرون بحياتهم سنوياً عبر القناة الإنجليزية في قوارب صغيرة بحثاً عن الأمان المفقود.
تنبع القوة الاستثنائية لهذا المؤلف من قدرة الكاتبة على الوصول الحصري وغير المسبوق لكواليس الأزمة الهجرية وممرات اتخاذ القرار؛ حيث تأخذ القارئ في رحلة خلف الستار تكشف من خلالها الانهيار الهيكلي للمنظومة المصممة أساساً لحماية المستضعفين. وتسلط كيلي الضوء على المفارقات الصادمة داخل وزارة الداخلية البريطانية، كتوظيف أشخاص لم يسبق لهم العمل في هذا المجال المعقد، بل جرى استقطابهم من سلاسل وجبات سريعة ومتاجر تجزئة كبرى مثل "ماكدونالدز" و"ألدى"، ليتولوا إجراء مقابلات لجوء مصيرية تتعلق بمسائل الحياة والموت لمهاجرين هاربين من ويلات الحروب. كما يرصد الكتاب الجهود المضنية والمستمرة لفرق خفر السواحل التي تعاني من نقص حاد في الموارد اللازمة لإدارة عمليات البحث والإنقاذ في عرض البحر، بالتوازي مع معارك المحامين ورجال القانون الذين يسابقون الزمن لتأمين قرارات قضائية في اللحظات الأخيرة لوقف ترحيل أشخاص نجوا بالكاد من الموت.
وفي جوهر هذا التحقيق المعمق، تضع المؤلفة قصص الواصلين الجدد في الصدارة وفي قلب الحدث؛ فنتتبع معها حكايات المراهقين الذين يعبرون الحدود بمفردهم، والنساء اللواتي وقعن ضحايا لشبكات الاتجار بالبشر، والعائلات الهاربة من مناطق النزاع المسلح أثناء محاولاتهم الشاقة للاستقرار والاندماج في المدن والقرى البريطانية. لا تكتفي الكاتبة برصد المأساة الفردية، بل تتنقل بين الشواطئ والموانئ، والفنادق المخصصة للإيواء، وقاعات المحاكم، ومراكز الاحتجاز، لتقدم صورة بانورامية متكاملة للسياسات الحكومية المتعاقبة واستجابة المجتمعات المحلية لجيرانهم الجدد، متعقبةً الفضائح السياسية من قضية "ويندروش" وصولاً إلى خطة الترحيل المثيرة للجدل إلى رواندا.
وقد حظي الكتاب بإشادات نقدية واسعة من كبار الكتاب والصحفيين البريطانيين؛ إذ وصفت الصحافة البريطانية العمل بأنه إدانة مدمرة للفشل المتكرر للطبقة السياسية، وبأنه يمثل دليلاً عملياً وإنسانياً شجاعاً يفكك الخطاب السياسي السام ويوضح كيف أن تفكك نظام اللجوء لا يقتصر ضرره على المهاجرين الفارين من الاضطهاد فحسب، بل يمتد ليفشل المجتمع البريطاني بأسره ويعري قيمه الأخلاقية. يمثل الكتاب في النهاية صرخة برأس مرفوع ووثيقة حقوقية بالغة الأهمية تستوجب القراءة لكل من يسعى لفهم أبعاد الأزمات الإنسانية المعاصرة وجدلية العلاقة بين السياسة والعدالة الإنسانية في عالمنا اليوم.













